عزفٌ على سلَّم الخيبة

علي السوداني
كاتب عراقي

موحش هو مساء الدرويش مثل سرة مقبرة . 
ثمة كدمات تلبط فوق جسده من مكرور حلم القطة السوداء . القطة الآن صارت حقيقية ، وبدت ألعن وأقسى من تلك التي حطمت منامي البارحة وما قلها من ليالي القلق المبين .
كنت أحمل كيس الزبالة صوب الحاوية ، حتى قوّست ظهرها ونفخت بوجهي ، فأحسست بشعرِ جسمي وقد توتر مثل شوك القنافذ . عقدة قططية عتيقة من زمان الطفولة البائسة .

دخلت “ بزّونة ” سوداء إلى غرفة من بيت العائلة القديم ، فسحبنا أرجلنا الغضة أنا وأخي الأصغر ، وأغلقنا خلفنا باب الديوانية الفارغة إلّا من سجّاد الجلوس .
كنتُ أحمل بيميني نبالة مريشة تستعمل في رهان الحظ ودقة التصويب ، على لوح خشبيّ مرقّم تسمى نجاخة بتعجيم الجيم . القطة المسكينة كانت انزرعتْ على عتبة الشباك تبتغي هروباً ممكناً حتى عاجلتُها برمية لا تثنى ، فانغرس السهم بظهرها فتخبلت ، فصارت الديوانية عليَّ وعلى أخي أصغر من قبر طريّ ، وصار البابُ أبعدُ من سور العم ماو .
ما زلتُ حتى اللحظة أعيش منظر هروب القطة المسكينة ، وفوق ظهرها ترفرف نبالة الصيد الغادرة . مرتْ على الواقعة أزيد من أربعين سنة ، لكنها ما زالت تتجدد في مناماتي فتهلكُ جسدي بالعرق والرعشة مثل ثأر مؤجّل .
كأن الكآبة سلسلة لا تنقطع . قبل ساعة انتهيتُ من مشاهدة فيلمٍ اعتبرته واحداً من كلاسيكيات السينما العالمية . عازف بيانو مشرد يعيش على فوائض الجند . يعتني به ضابط عدو ويوفر له الطعام وآلة بيانو ببيت مهجور .
أحببتُ الضابط الهتلريّ الذي كان يذوب بموسيقى هذا المبدع الشريد ، لكنَّ القصة لم تأتِ ريحها بما يشتهي قلبي . أُسر الضابطُ ومات ، وعزف المشرد الناجي أعظم معزوفاته . 
قطعة إنسانية مذهلة من شريط حرب مجنونة .
حاولتُ ترميم ليلتي المنتهكة ، بحليميات وكلثوميات ووهابيات وفيروزيات ، لكنني ذهبتُ إلى أوجع أغنياتهم التي أنصتُّ إليها ، فكانت مثل حنفية يابسة بحلقٍ عطشان . 
جرّبتُ فتحَ هاتفي المغلق دائما ، فتلقيت دفعةً من رسائل تعرض تنزيلات هائلة ، ومطاعمَ فخمة وسفرات برخص التراب ودعوة إلى أمسية شعرية قاتلة .
في الواقع أنا أكره أماسي الشعر وأصبوحاته ، خاصةً تلك التي فيها شاعرٌ يقرأ قصيدته الطويلة ، كما لو أنّه امرأة جاءها الطلقُ ، وببطنها توأمٌ لائبٌ فوق عشر ركلات ورفسة .

يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية