يرى المؤرخ وأستاذ العلاقات الدولية في معهد العلوم السياسية بباريس، جان-بيار فيليو، المشهد في تقرير نشرته صحيفة لوموند الفرنسية الأحد 7 يونيو/حزيران 2026 أن التدخل الإسرائيلي في جنوب سوريا أسهم بصورة غير مباشرة في خدمة مصالح شبكات تهريب المخدرات، وهو ما دفع الأردن إلى تنفيذ غارات جوية بهدف الحد من تدفق حبوب الكبتاغون إلى أراضيه.
ويشير فيليو إلى أن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يزال ينظر بأسف إلى سقوط نظام بشار أسد ، بعد نحو عام ونصف من هروب الأخير دمشق ولجوئه إلى روسيا. فبحسب الكاتب، التزم بشار ، كما فعل والده من قبله، باتفاق وقف إطلاق النار الموقّع مع الكيان الاسرائيلي عام 1974 عند سفح مرتفعات الجولان. كما لم يعترض النظام السوري على استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجولان وضمّه، الأمر الذي جعل إسرائيل، خلال سنوات الثورة السورية بين 2011 و2024، تتجنب استهداف قوات النظام بشكل مباشر، مكتفية بالتركيز على القوات المدعومة من إيران ووكلائها، وعلى رأسها ميليشيا حزب الله.
ويضيف الكاتب أن نتنياهو توصّل إلى تفاهم مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سمح بتسهيل تنفيذ الضربات الإسرائيلية داخل سوريا. وفي المقابل، لم تُظهر إسرائيل اهتماماً يُذكر بملف إنتاج وتهريب الكبتاغون، رغم تحوّله إلى أحد أبرز مصادر تمويل النظام السوري السابق، وذلك لأن الشحنات كانت تتجه عبر الأردن إلى دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، وليس إلى السوق الإسرائيلية.
ذريعة حماية الدروز
ويؤكد فيليو أن سقوط نظام بشار أسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 كان من المفترض أن يُنظر إليه إسرائيلياً باعتباره ضربة قوية لما يُعرف بـ”محور المقاومة”، وهو المصطلح الذي تستخدمه إيران للإشارة إلى حلفائها ووكلائها الإقليميين. إلا أن الحكومة الإسرائيلية، بحسب الكاتب، اختارت مساراً مختلفاً، تمثل في تنفيذ حملة قصف واسعة ضد القوات الموالية للرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، بالتزامن مع ممارسة ضغوط على الولايات المتحدة للسماح باستمرار الوجود العسكري الروسي داخل سوريا.
التدخل الإسرائيلي في جنوب سوريا أسهم في توفير بيئة سمحت لشبكات تهريب الكبتاغون بمواصلة نشاطها.
ويرى الكاتب أن هذه السياسة هدفت إلى إبقاء سوريا في حالة ضعف وانقسام، بما يتيح لإسرائيل تعزيز مكاسبها الإقليمية. ويؤكد أن هذه المقاربة لم تؤدِ فقط إلى إضعاف مؤسسات الدولة السورية، بل وفرت أيضاً بيئة آمنة لشبكات تهريب الكبتاغون، الأمر الذي جعل من الجنوب السوري آخر معقل نشط لتجار المخدرات الذين يشكلون تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي، وخاصة للأردن ودول الخليج.
ويضيف الكاتب أن نتنياهو فضّل إضعاف السلطة السورية الجديدة ومنعها من بسط سيطرتها الكاملة على الجنوب، من خلال التدخلات العسكرية المتكررة ودعم بعض الميليشيا المحلية في محافظة السويداء تحت شعار حماية الأقلية الدرزية.
وبحسب فيليو، أدى هذا الواقع إلى تحول السويداء إلى منطقة شبه خارجة عن سلطة الدولة، وهو ما استغلته شبكات تهريب الكبتاغون التي فرت من الحملة التي أطلقتها الحكومة السورية الجديدة ضد تجارة المخدرات. ومن هذا المنطلق، يعتبر الكاتب أن التدخل الإسرائيلي أسهم في “حماية آخر معاقل المخدرات في سوريا”.
كما يشير إلى أن شخصيات وشبكات مرتبطة بالنظام البائد استفادت من قرب المحافظة من الحدود الأردنية ومن حالة الفراغ الأمني السائدة فيها، ما وفر لها ظروفاً مناسبة لإعادة تنشيط عمليات التهريب.
تصاعد التهريب والتدخل الأردني
ويؤكد الكاتب أن هذه المظلة الأمنية غير المباشرة ساهمت في تصعيد نشاط تهريب المخدرات بشكل ملحوظ. فبحسب المعطيات التي أوردها، تمكنت الأجهزة الأمنية الأردنية من اعتراض 21 شحنة مخدرات بين يناير/كانون الثاني ويوليو/تموز 2025، قبل أن تصادر 128 شحنة إضافية خلال الأشهر التسعة اللاحقة.
ويشير إلى أن الكميات المضبوطة خلال تلك الفترة بلغت نحو 50 مليون حبة كبتاغون، تُنتج بتكلفة تقل عن يورو واحد للحبة الواحدة، بينما تباع في أسواق الخليج بأسعار تصل إلى ما بين 15 و20 ضعف تكلفة إنتاجها.
أدى تصاعد نشاط التهريب إلى دفع الأردن نحو تنفيذ غارات جوية استهدفت مواقع مرتبطة بشبكات المخدرات داخل سوريا.
ويذهب فيليو إلى أن انهيار إنتاج الكبتاغون في معظم المناطق السورية عقب سقوط نظام أسد جعل من السويداء المركز الأخير لهذه التجارة، حيث تستمر عمليات التصنيع والتهريب عبر الأراضي الأردنية باتجاه أسواق الخليج، ولا سيما السوق السعودية التي تُعد الوجهة الرئيسية لهذه التجارة المربحة.
ومع تزايد وتيرة التهريب، اتجه الأردن إلى استخدام القوة العسكرية لاحتواء التهديد. فبعد الارتفاع الكبير في أعداد الشحنات المضبوطة، نفذت القوات الأردنية غارات جوية استهدفت مواقع مرتبطة بشبكات التهريب في محافظة السويداء ومحيطها، ضمن عمليات وصفتها عمّان بأنها إجراءات ردع تهدف إلى حماية أمنها القومي.
وفي ختام مقاله، يرى فيليو أن الصراع في جنوب سوريا لم يعد محصوراً في أبعاده السياسية والأمنية فحسب، بل بات مرتبطاً أيضاً بمواجهة تجارة المخدرات. فبينما يدعم الأردن جهود دمشق لاستعادة سيطرتها على المنطقة، يعتبر الكاتب أن السياسة الإسرائيلية الحالية تسهم في إطالة أمد حالة الفوضى التي تستفيد منها شبكات تهريب الكبتاغون.






ماهر حمصي