
لفت نظري، تعليق غريب عجيب، لم اقرأ في حياتي مثيلاً له، أسلوباً ومضموناً، تحت أحد منشورات الأستاذ وائل السوّاح، وهو معارض سوري، للنظام السابق واللاحق، يعيش في أمريكا، باسم شخص آخر ، مجهول تماماً بالنسبة لي، يدعو نفسه صالح سناري، وتعليقه هذا لا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بمنشور الأستاذ السواح، وموضوعه اتهام السيد إبراهيم الجبين، الكاتب ومقدم البرامج، لأفكار ياسين الحافظ المفكر السوري المعروف، ليس من قبلي أعترف، يردّ فيه السناري بحدّة شديدة وسخرية أشد معاً، على كلام كتبه شخص ثالث يدعى سامي الكيالي، طبعًا ليس سامي الكيالي 1898-1972، الشخصية الوطنية التاريخية المعروف، ولا أدري ما إذا كان يمتّ إليه بأي صلة؟ ظننت في البدء أن ما كتبه وارد بين التعليقات، ورغم بحثي عنه بينها، وعلى صفحة حساب سامي الكيالي نفسه، لم أجده.
. أمّا من هو صالح سناري صاحب التعليق؟ وذلك لأن التعليق يكتسب جزءاً كبيراً من أهميته وخطورته من هوية صاحبه، فلقد دخلت على حسابه ولم أجد صورة واحدة له، ولكن هناك ثلاث معلومات شخصية تعرّفنا به: ذكر، يحيا في اللاذقية، مواليد 1933. والمعلومة الأخيرة إن صدقت، هي ما جعلني أستبعد كونه منذر مصري الشاعر اللاذقاني المعروف الذي له أكثر من صورة بين صور السيد سناري، واستجابة لفضول شديد اعتراني لمعرفة من هو هذا السناري الغامض، رحت أسأل الأصدقاء المشتركين الذين أعرفهم افتراضياً على صفحات هذا الفضاء الأزرق، عمّا إذا كانوا يعرفونه معرفة شخصية، وما إذا كان منذر مصري أو أي إنسان سواه يستخدم هذا الاسم؟ فأجابوا جميعهم: “لا”.

وكأنهم على اتفاق، أو كأن الجواب الصحيح سرّ أقسم الجميع على اخفائه! لكن صديقة غير متوقعة، هي بدورها ابنة اللاذقية، لمحت لي بأن هناك شخصاً يدعى غازي أبو عقل تنطبق عليه هذه المعلومات، وهو لواء سابق في الجيش السوري، ذو جولات وصولات، يبلغ من العمر ما يطابق تماماً تاريخ الميلاد، له باع في الشعر والترجمة وأيضًا في السياسة، فقد شغل ما بعد حركة 23/شباط/1966، حتى عام 1970، منصب رئيس إدارة للتوجيه المعنوي، وبعدها تسلم إدارة مؤسسة معامل الدفاع، وأخيراً، وهذا هو الأهم، أنه بعد تسريحه تابع كتابة ونشر مجلة (الكلب) الساخرة التي أسسها الراحل صدقي إسماعيل.
أما ما قطع الشك باليقين فليس فقط ورود اسم غازي أبو عقل في صورة لإهداء أحد الكتب المترجمة، ووجود منشور يتضمن قراءة لكتاب (اختراع الشعـب اليهودي) بقلم غازي أبو عقل! بل رسالة تهنئة بعيد ميلاد السيد غازي مرسلة له من قبل حفيده عمر مملوك. يرد عليها الجد باسم صالح سناري!
وهكذا بعد أن كشفنا هذا السر الذي تبين أنه ليس إلى هذه الدرجة سراً، نجيء إلى المنشور لنقرأه في ضوء أن صاحبه يعدّ شاهد عيان على تلك المرحلة، ليس لكونه لواء فحسب بل لقربه من مصدر القرار، وعلاقته بحافظ الأسد، وزيراً الدفاع وبعد ذلك رئيساً للجمهورية العربية السورية، العسكرية والشخصية على السواء:
“السيد سامي الكيالي
يؤسفني أن أؤكد لك أنك بعيد عن واقع جريمة مدرسة المدفعية التي رتبها بدهاء حافظ الأسد. أما في كلامك لجريمة حماة فأنت أعمى وأضل سبيلا. التاريخ بقلمك هو ذيل الخديعة
أقترح أن تقرأ قصيدة الشاعر نديم محمد الذي كتب اكثر من مئة وثلاثين بيتاً في جريمة حماة وعنوانها نيرون. أجد نفسي مضطراً إلى القول إن الشاعر علوي بدأ كتابة القصيدة في الثاني عشر من شباط ١٩٨٢ يوم بدء تنفيذ المجزرة التي قتل فيها سبعة وأربعين ألفاِ من المواطنين الأبرياء.
عيب كلامك عن مدرسة المدفعية وعن حماة. إذا ابتليتم بالكذب ينبغي ألا تحاولوا تقمص دور المؤرخين. ودمت سالما”.
ما هالني، وليس لفت نظري وكفى، إضافة للنبرة الغاضبة والساخرة في آن، هو ورود معلومتين في غاية الخطورة بين سطور التعليق. الأولى، تعداد القتلى في مجزرة حماه /47000/ مواطن بريء! وليس الرقم الشائع /17000/! ولا أدري من أين جاء سيادة اللواء بهذا العدد غير المسبوق؟ أما المعلومة الثانية فهي أنّ حافظ الأسد هو من رتب مجزرة مدرسة المدفعية! وهذا ما لا سابقة له، بل حتى الإخوان المسلمين لم يدّعوه في محاولة صد التهمة وإبعادها عنهم! محملين المسؤولية إلى الطليعة المقاتلة، الخارجة عن خطّهم وعن سيطرتهم. ولكن.. ولكن.. من يدلي بهذا الادعاء هنا، ليس شخصًا عاديًا، بل كما ذكرت أحد المقربين من حافظ الأسد! الناطق باسمه، وكأنه بمثابة سكرتيره، أحد العارفين، والخابرين بشخصية هذا الطاغية وما يقدر على فعله، ليجعل من مقتل /82/ طالب ضابط علوي بريء مبرراً لمقتل /47000/ حموي بريء!
ولا أظن أحداً يجهل كيف استغل حافظ الأسد هذه المجزرة وكيف أسس عليها علاقته العضوية مع الطائفة العلوية. كما أسس عليها قواعد حكمه الشعب السوري بأكمله، حيث يقال إن انتصاره على الإخوان المسلمين قد أعطاه الشرعية لحكم سوريا، هو وابنه المعتوه، نصف قرن كامل.







ماهر حمصي