الصين وأمريكا على حافة كارثة نووية

سباق التسلح المتصاعد يهدد بتحويل الردع إلى مواجهة مفتوحة

يرى تقرير منشور في Foreign Affairs أن تصاعد التسلح النووي بين الصين والولايات المتحدة يدفع النظام الدولي نحو مرحلة أكثر خطورة، مع انتقال محتمل من ثنائية نووية إلى تعددية مضطربة. وبينما تعتقد بكين أن تعزيز ردعها النووي يحقق الاستقرار، ترى واشنطن في هذا التوسع تهديدًا يستدعي الرد، ما يخلق حلقة تصعيد متبادلة. ويؤكد المقال أن غياب الشفافية ورفض المفاوضات يفاقمان المخاطر، في وقت لا يرغب فيه الطرفان فعليًا في حرب نووية. ويخلص إلى أن كبح المنافسة النووية يتطلب إجراءات متبادلة لخفض التصعيد، وتعزيز الشفافية، والتركيز على الردع التقليدي بدل الانزلاق نحو سباق تسلح نووي جديد.

Displaying nuclear missiles during a military parade in Beijing, September 2025 

على مدى العقد الماضي، كانت الصين تعيد تشكيل النظام النووي العالمي بشكل مطّرد. ووفقًا لتقييمات الحكومة الأمريكية، فقد كادت بكين أن تضاعف ثلاث مرات مخزونها من الرؤوس النووية منذ عام 2019. وقد زادت بسرعة قدراتها النووية برًا وجوًا وبحرًا. كما وسّعت بشكل كبير بنيتها التحتية الخاصة بالبحث والتطوير وتصنيع وتجميع الرؤوس النووية. ولا تُظهر بكين أي نية للتباطؤ. ففي منتصف مارس، أعلنت البلاد أنها ستقوم بـ«تعزيز وتوسيع» قدراتها في الردع الاستراتيجي، مؤكدة التزامها بتعزيز ترسانتها النووية كمًّا ونوعًا.

وقد لاحظ المسؤولون الأمريكيون ذلك بالتأكيد. فهم يخشون أن العالم النووي ثنائي القطب—حيث تسيطر موسكو أو واشنطن على معظم الرؤوس النووية في العالم—يتم استبداله بعالم ثلاثي القطب. واستجابة لذلك، يحاولون تعزيز الترسانة النووية الأمريكية، مع محاولة التفاوض مع بكين. ففي فبراير، على سبيل المثال، اختارت الولايات المتحدة عدم تجديد معاهدة «نيو ستارت»، وهي اتفاقية للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، لأنها لم ترغب في الالتزام بقيود تستثني الصين. لكن رغم الضغط الأمريكي المتزايد، رفضت الصين باستمرار الدخول في مفاوضات للحد من الأسلحة النووية. ويبدو أنها لا تهتم بتقييد قدراتها.

هناك سبب لعدم رغبة بكين في التفاوض بشأن قواتها النووية. فالحكومة الصينية تعتقد أن الردع النووي الأقوى لن يولّد مخاطر، بل سيؤدي فعليًا إلى استقرار العلاقات مع الولايات المتحدة، من خلال إجبار المسؤولين الأمريكيين على التعامل مع بكين كندٍّ وتجنب تحدي مصالحها الأساسية. ويبدو أن السلوك الأمريكي الأخير يدعم هذا النهج. خصوصًا منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى منصبه، أصبحت واشنطن أكثر حذرًا في التعامل مع المصالح الصينية الأساسية مثل تايوان، وأظهرت اهتمامًا أكبر ببناء علاقة ثنائية مستقرة عبر الصفقات التجارية. وترى بكين في ذلك دليلًا على صحة هذا النموذج، وبالتالي لا ترى سببًا لتغيير المسار.

لكن في الواقع، فإن الرفض المتكرر من الصين لمفاوضات الحد من التسلح، والشفافية النووية، وإجراءات بناء الثقة الأساسية، يقوض الاستقرار إلى حد كبير حتى وفق معايير بكين نفسها. هذه الرفضات تترك الولايات المتحدة محبطة من حلول الأمن التعاوني، وتدفعها إلى توسيع قدراتها النووية وقدرات الدفاع الصاروخي. كما أن التعاون العسكري المتزايد بين الصين وروسيا، بما في ذلك في القضايا النووية، زاد من القلق في أوروبا، حيث يعتقد العديد من القادة أن الصين تسهّل العدوان الروسي. وقد بدأت فرنسا والمملكة المتحدة بإعادة بناء ترسانتهما النووية استجابة لذلك، مما يقلل من فرص ضبط التسلح متعدد الأطراف. والنتيجة هي مشهد دولي أكثر فوضوية يعزز قناعة بكين بضرورة مواصلة التوسع.

الخروج من هذه الدوامة الأمنية لن يكون بسيطًا. لكن هناك مسارات لفرض حدود حقيقية. فالصين والولايات المتحدة تتصرفان بناءً على مخاوف من أن الطرف الآخر قد يستخدم السلاح النووي أولًا. ولا تعتمد أي من الدولتين فعليًا استراتيجية الاستخدام الأول، لكن في سباق حافة الهاوية النووية، فإن الإدراكات لا تقل أهمية عن الواقع، وربما تفوقه. ولتحقيق الاستقرار النووي، يجب على بكين وواشنطن الاعتراف بأن كلًا منهما يسيء فهم الآخر. إن اقتراح الصين بأن تتبنى الولايات المتحدة سياسة عدم الاستخدام الأول لن يكون كافيًا لإنتاج اتفاق موثوق يزيل فجوة الإدراك. لكن إذا تمكن الطرفان من زيادة الشفافية على مستويات أكثر تحديدًا—مثل القدرات النووية قصيرة المدى الأكثر ارتباطًا بالصراعات الإقليمية—فيمكنهما تقليل أخطر مخاطر التصعيد في منافسة نووية متصاعدة.

بمعنى ما، فإن برنامج الصين النووي هو رد على تصورات التهديد لديها. وأهم هذه التصورات هو الخوف من أن الولايات المتحدة أكثر قوة، وبالتالي قد تستغل نقاط الضعف الداخلية في بكين. وليس من المصادفة أن الصين جعلت أوضح التزاماتها بتسريع توسعها النووي في أوائل عام 2021، بعد أن هاجمت إدارة ترامب الأولى نظامها السياسي خلال جائحة كوفيد-19، مما زاد المخاوف بشأن أمن النظام. كما أن التدخلات الأمريكية هذا العام في فنزويلا وإيران ذكّرت بكين بأن واشنطن ما تزال تسعى إلى إسقاط الحكومات السلطوية. وفي نظر العديد من الاستراتيجيين الصينيين، يعتمد التدخل الأمريكي على الضعف العسكري النسبي للخصم. ونتيجة لذلك، يرى كثيرون في بكين أن التوسع العسكري المستمر أمر ضروري للأمن القومي.

تعاظم الترسانة النووية الصينية يعزز مخاوف واشنطن ويدفعها إلى اتخاذ إجراءات مضادة تزيد من خطر التصعيد.

كما يمكن للرأي العام الدولي أن يؤثر على قرارات الصين النووية. فالتاريخ يشير إلى أن بكين أكثر استجابة للضغوط الدولية الجماعية والمعايير العالمية من استجابتها لمطالب واشنطن وحدها، لأنها تسعى إلى صورة القوة النووية المسؤولة. وكانت أكثر استعدادًا للنظر في مقترحات تشمل جميع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي. لكن الآن، أصبح خطر الارتداد الدولي أقل بكثير، إذ إن جميع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن يقومون بتوسيع برامجهم النووية. ومع تخلّي واشنطن عن بعض عناصر النظام القائم على القواعد واستخدامها القوة، أصبحت دول أخرى أكثر تقبّلًا للرواية الصينية بأن الولايات المتحدة، وليس الصين، هي التهديد الأكبر للاستقرار العالمي. وإذا رأت دول صغيرة ومتوسطة أن القوة الصينية تشكل توازنًا للهيمنة الأمريكية، فقد تكون أقل ميلًا للضغط على بكين.

كما أن البيئة الداخلية في الصين لن تكبح هذا التوسع، إلى حد كبير بسبب تقلص مساحة الاعتراض على مبادرات الرئيس شي جين بينغ. فقد كانت قوة الصواريخ، المسؤولة عن الجزء الأكبر من الترسانة النووية الصينية، هدفًا رئيسيًا لحملات التطهير داخل الجيش. وأصبح الجنرالات أكثر خوفًا من الاتهام بعدم الولاء، وبالتالي أقل استعدادًا لدعم مبادرات سياسية خطرة مثل مفاوضات الحد من التسلح.

ومع سعي جيش التحرير الشعبي إلى ترجمة التفويض السياسي للتوسع النووي إلى تطبيق عملي، يجب عليه أن يحدد ما إذا كانت الصين ستبتعد عن سياستها القديمة بعدم الاستخدام الأول للسلاح النووي. ومن غير المرجح أن تفعل ذلك. فعلى خلاف التصورات الأمريكية الشائعة، يعتقد الاستراتيجيون الصينيون أن الصين لا تستطيع تبني استخدام نووي أول بشكل موثوق، ولا تحتاج إليه. إذ تعتقد بكين أن قدراتها التقليدية—السفن الحربية والمدفعية والصواريخ غير النووية—بدأت تتفوق على الولايات المتحدة في شرق آسيا. وهذا يسمح لاستراتيجيتها في صراع كبير مع الولايات المتحدة بالاعتماد على التفوق التقليدي، مع استخدام السلاح النووي لردع التصعيد النووي الأمريكي. ومع ذلك، تتوقع بكين أن تبقى الولايات المتحدة القوة النووية الأكبر من حيث الحجم والتطور رغم التوسع الصيني. وهذا التصور يقلل من احتمال بدء الصين للتصعيد النووي لأنه سيصب في مصلحة الخصم.

لكن بكين قلقة من أن واشنطن قد لا تكون مردوعة فعليًا. إذ يخشى محللون صينيون أن تلجأ الولايات المتحدة إلى التصعيد النووي في حال الحرب بسبب تراجع قوتها التقليدية. وقد تعزز هذا القلق مع تزايد الاعتراف داخل واشنطن—بما في ذلك داخل البنتاغون—بأن الولايات المتحدة قد تحتاج إلى الاعتماد أكثر على ترسانتها النووية لتعويض تراجع قدراتها التقليدية. ومن جانبها، تخشى الولايات المتحدة أن تتخلى الصين عن سياسة عدم الاستخدام الأول في خضم الأزمات، حتى لو كانت ملتزمة بها حاليًا. فحتى أكثر التعهدات صلابة يمكن أن تصبح غير موثوقة في الأزمات الكبرى. كما أن المسؤولين الأمريكيين أقل تفاؤلًا من نظرائهم الصينيين بشأن قدرة جيش التحرير الشعبي على تنفيذ غزو واسع لتايوان باستخدام القوة التقليدية. ويشتبه بعض المحللين الأمريكيين—دون أدلة واضحة—أن بكين تعتقد أنها تحقق تفوقًا في القدرات النووية التكتيكية، وقد تستخدمه في الاستخدام الأول.

وبإبقاء تخطيطها النووي غير شفاف، زادت الصين من قلق الولايات المتحدة. فهي تبني عددًا كبيرًا ومتزايدًا من الأنظمة القادرة على حمل رؤوس نووية أو تقليدية—مثل صاروخ DF-26—بمدى يغطي معظم آسيا والمحيط الهادئ. ولم تكشف عن عدد هذه الأنظمة المخصصة للمهام النووية. ونتيجة لذلك، يفترض الخبراء الأمريكيون أن معظم هذه الأنظمة نووية، ما يؤدي إلى تقديرات موسعة للقدرات النووية الصينية. وهذا يعزز المخاوف من الاستخدام الأول في نزاع إقليمي، ويثير مخاوف من أن الصين قد تجد طرقًا لاستخدام نووي يُعتبر «غير خاضع تقنيًا» لسياسة عدم الاستخدام الأول، مثل اختبار نووي خلال الحرب، أو تفجير استعراضي فوق البحر، أو تفجير على ارتفاع عالٍ لتعطيل المعدات دون خسائر بشرية.

لكن رغم هذه المخاوف، لا تزال لدى واشنطن حوافز قوية لعدم استخدام السلاح النووي أولًا. فهي لا تواجه تهديدًا وجوديًا مباشرًا، بما في ذلك من الصين. كما أن الاستخدام النووي الأول ليس بديلًا مستدامًا للقوة التقليدية في حماية الحلفاء. وقد أظهرت الولايات المتحدة بالفعل تراجعًا في استعدادها لخوض حرب تقليدية مع الصين حول تايوان وبحر الصين الجنوبي، اللذين يُنظر إليهما الآن على أنهما مهمان اقتصاديًا لكن غير حاسمين استراتيجيًا. واستخدام السلاح النووي في مثل هذه الحالات سيواجه قيودًا سياسية أكبر.

غياب الشفافية النووية لدى بكين يفاقم القلق الأمريكي ويغذي أسوأ السيناريوهات..

وبالتالي، لا مصلحة لواشنطن في دفع الصين نحو توسع نووي أوسع وأكثر تطورًا. فقد طورت الصين بالفعل قدرات نووية قصيرة المدى أكثر دقة تمنحها مرونة في النزاع الإقليمي. لكن إذا رأت أن الولايات المتحدة تسعى للهيمنة عند مستويات التصعيد الأعلى، فقد تدفعها إلى تطوير ترسانة أكبر وأكثر تنوعًا لمجاراة كل مستوى من التصعيد—ما يسميه علماء السياسة إدارة التصعيد. والأفضل لواشنطن هو تجنب ذلك عبر إبقاء المنافسة دون العتبة النووية.

حان الوقت لكي تدرك بكين أن حملتها ضد الاستخدام النووي الأول ليست ذات مصداقية، جزئيًا بسبب توسع برنامجها النووي. فترسانة صينية أكبر تُرسّخ تصورات التهديد في واشنطن، ما ينتج عنه تدابير أمريكية مضادة أكثر عدوانية تُزعزع استقرار العلاقات الثنائية وتُهدد بسباق تسلح نووي. لكن عبر التركيز على منع الاستخدام النووي بدلًا من إدارة التصعيد بعد بدايته، يمكن لواشنطن فتح الباب لإجراءات ضبط متبادل. ويمكن لبكين زيادة الشفافية حول قدراتها النووية الإقليمية لتقليل مخاوف الاستخدام الأول.

اللقاءات بين ترامب وشي تمثل فرصة لمعالجة هذه التوترات. ويمكن لشي الإشارة إلى استعداد لاستئناف الحوار الأمني، بينما تقترح واشنطن مناقشة ضمانات موثوقة لعدم الاستخدام الأول. الهدف ليس اتفاقًا فوريًا، بل تحديد ما يعتبره كل طرف ضمانات موثوقة في بنية قواته وانتشاره. وإذا نجح ذلك، يمكن الانتقال إلى قيود متبادلة على نشر الأسلحة النووية في آسيا مقابل قيود صينية على الأنظمة القصيرة المدى.

كلتا الدولتين لا تريدان حربًا نووية، لكن سلوكهما قد يقودهما إليها.

إن نجاح هذا المسار سيكسر نمطًا تاريخيًا حيث تعوض الدول ضعفها التقليدي بالاعتماد النووي. وقد استخدمت الولايات المتحدة النووي ضد تفوق سوفيتي تقليدي، كما اعتمدت روسيا على النووي لموازنة الناتو. لكن الآن، يمكن لواشنطن إثبات أنها قادرة على الردع دون تصعيد نووي، مما يعزز منع الانتشار ويزيد الضغط السياسي على الصين للالتزام بسياسة عدم الاستخدام الأول.

التوسع النووي الأمريكي ذو فائدة محدودة، والقدرات الحالية كافية لردع الصين. وزيادة التوسع قد تضر بتطوير القدرات التقليدية الأكثر أهمية. لذا من مصلحة واشنطن تأكيد أولوية منع الاستخدام الأول. وكما قال ترامب: «لا ينبغي السماح باستخدام السلاح النووي ضد أي أحد». لا ترغب أي من الدولتين في حرب نووية، ويجب عليهما اتخاذ قرارات حذرة تحد من ترساناتهما وسياساتهما التشغيلية، وهي مسؤولية تقع عليهما تجاه العالم بأسره.

 


يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية