محاولة إغلاق ملفّ (ليتها لم تكن) وإتلافه / الحلقة الثالثة والأخيرة…لـ: منذر مصري

(في النهاية، كل شيء يحفظ في ذاكرة العدم)

Last updated:
منذر مصري
شاعر وفنان سوري

6- (ما بعد 2016 حتى 2026): لم يتوقف السوريون، وغير السوريين ممن تهمّهم ثورة الشعب السوري ونضاله من أجل الحرية، عن العودة إلى (ليتها لم تكن)، وتقليبها على وجوهها المتعددة، البشعة منها والجميلة، المظلمة والمضيئة، وإن بتوتّر متقطع، ومتباعد. ذلك أن القضية السورية برمتها، في وقت ما، كادت تصير نسيًا منسيًّا بالنسبة للعالم أجمع. لا أذكر في أي سنة تحديدًا، 2017 أو 2018، عرضت مخطوطة كتابي (سوريا بلدي كما خالدية أمي) على صديقي يوسف بزّي ليساعدني في نشرها من قبل دار نشر لبنانية، فقال لي: “منذر ما عاد اسم سوريا على غلاف كتاب ما يساعد على نشره”! ففي ذلك الملف الذي ذكرت هناك العديد العديد من المنشورات والتعليقات التي كتبت بعد 2016، التي لا أجد مناصًا من ذكرها، وذلك لإغلاق الملف نهائيًّا، آخرها ما غردته الصحفية السعودية إيمان القويفلي بعد سقوط النظام السوري بأيام، على حسابها في منصة /X/، نهاية 2024! إلّا أنه، البارحة البارحة، 20/3/2026، من يصدق؟ وصلتني رسالة غير متوقعة على الإطلاق، من الروائي السوري فادي عزام، يستعيد فيها (ليتها لم تكن) بحرقة لا تعادلها حرقة سوى حرقة الأم المفجوعة التي صاحتها أمامي أوّل مرة!:

(حسين عجيب): “نعم ليتها لم تكن… كيف حملت سوريا كل هذا القبح والحقد. سنة 2010 في دمشق، كنت برفقة سوزان، عندما قالت تلك العبارة: “كم هم لطفاء يا حسين”. وكنت قد أكلت أكثر من رياض الصالح الحسين خبز سوريا وسياطها: “لا نعرف يا سوزان، سوريا غارقة في الخوف، قد يكون هذا تهذيبًا أو خضوعًا…”. 16/يناير-كانون الثاني/2018.

(محي الدين عيسو): “ليتها لم تكن” قالها أحدهم ذات يوم فانهالت عليه الشتائم وحملات التخوين من حراس الثورة والمستفيدين والمسترزقين منها. أجزم أن كل من فقد أحد أطفاله أو أخوته أو زوجه/ها أو أحد أقربائه، كل من هاجر وتغرب ونزح عن دياره سيقول في سره (ليتها لم تكن). كل من شاهد وجوه (الثوار) على شاشات التلفزة، وتعرف على جورج صبرا وأحمد رمضان وأحمد كامل وفواز تللو وعبد الحكيم بشار وميسون بيرقدار وميشيل كيلو وأسعد الزعبي ومئات النخب السياسية والثقافية خارج سوريا سيقولها سرًا وعلنًا، جهارًا نهارًا (ليتها لم تكن) كل من تابع جرائم النظام السوري والمنقلبين عليه وقذارة الدول العربية وعهر المجتمع الدولي بالتأكيد سيقول (ليتها لم تكن). سورية كوطن لا تعنيني ولا أنتمي إليها ولا أرغب بالعودة لها سواء رحل عنها النظام أم بقى لكنني أقولها (ليتها لم تكن) من أجل الأطفال والنساء والمشردين والفقراء والمعتقلين والمختطفين والمهجرين فيها”. 11/فبراير-شباط/2018.

(حازم عظمة): “الشعوب التي صمّمت أن تنتصر على جلاديها لا تتردّد ولا تتحسّر ولا تلطم ولا تغرق في دموعها ولا تندم ولا تسخر من شهدائها ولا تقول ليتها لم تكن… بل تذهب إلى النصر، مهما كان صعبًا وبعيدًا، لأنّ ما من مستقبل غيره”. 14/يونيو/2018.

(ريما الدهني): “اليوم وبعد ثماني سنوات… ليتها لم تكن”. 28/نوفمبر-تشرين الثاني/2019.

(عبد الوكيل بيرقدار): “إذا قلت في سرير سريرتك (ليتها لم تكن). تأكد أن هذا أقصى ما يتمناه ويسعى إليه النظام المافياوي. فاحذر! (مكرر للضرورة والكرامة). 4/مارس-آذار/2021.

(ثائر ديب): “وينك يا شاعرنا وأستاذنا وصديقنا الكبير منذر مصري، قلتلي محروج من قولتك (ليتها لم تكن)؟ أنا بقلك.. رجلي في نخبها ناخوب ناخوب، وناخوبة ناخوبة، خلّي الناس العاديين، حطب الحروب، على جنب. ليك ترى هدول اللي بالصورة لسّا أشرف وأفهم بألف مرة من صحابنا الرخاص (يسار النصرة)”. 22/ابريل-نيسان/2023.

(مصطفى علوش): “أذكر أن أحد عقلاء سوريا المبدعين، نشر نصًّا بعنوان “ليتها لم تكن”، وقامت قيامة الإسلاميين والعديد من اليساريين ومن معهم عليه. ولم يبق سوى أن يحاكموه بتهمة وهن نفسية الأمة، والطلب من الرائد هشام اعتقاله ليكون عبرة لمن اعتبر”. 22/مايو-أيار/2024.

(إيمان القويفلي): “منذ عدّة أيام تعود ذهني إلى لحظة، أو مقالة الشاعر السوري منذر مصري “ليتها لم تكن”. قيلت في ذروة السواد الذي طغى في ديسمبر ٢٠١٦، إبان سقوط حلب وتهجير الثوار… وبدت الثورة السورية بؤسًا خالصًا لا يثير إلّا نفور العالم. كان السوريون يموتون بكلّ الطرق، في كلّ مكان، يتجمدون على حدود تركيا، ويغرقون في “القبر الأبيض المتوسّط”، إيلان على الشاطئ، عمران في سيارة الإسعاف، تلاحقهم كاميرات التلفزة في هنغاريا مثل طاعون، ويضربون على حدود كرواتيا، ويختنقون حتّى الموت خلال التهريب في سيارة لنقل الدواجن تحمل شعار دجاجة. في تلك المناخات الخانقة كان أكثر شيء منطقية قول “ليتها لم تكن”، أثارت المقالة وقتها ارتباكًا حقيقيًّا ونقاشًا بين بعض المؤمنين بأحقية الثورة السورية. بعدالة ثمنها. في تلك اللحظة بالذات، بدا أنّ منزوع الضمير هو من ظلّ مؤمنًا بعدالة الثورة. ظلّت هذه الفكرة حاضرة بصورة ما حتّى عشية ٢٩/نوفمبر/٢٠٢٤. حتّى من خطّطوا منذ سنوات لدخول حلب، لم يعرفوا أنّهم سيُصلّون في دمشق. ثم انقلب كلّ شيء إلى ضدّه. النصر يقلب كلّ شيء إلى ضدّه. الثمن الجائر إلى ثمن مقبول. ذرائع العقلانية السياسية إلى خَوَر منبوذ. الأوهام إلى حلم مشروع. والمناوئ إلى “صديق”. والغموض إلى وضوح… هذه الهشاشة السياسية الشاملة أكثر ديمومة وأصالة من معظم المشهد الذي تسري خلاله مثل نهر في جوف جبل. أكثر الأطراف ضياعًا هم من يبني رهانات دائمة في هذه الهشاشة. في مقدمة هؤلاء نظام الأسد ومحوره المبني أصلًا على منطق الأبد وما يضمره من الرهان على تأبيد واقع هش. ومعهم نخبة من المثقفين العرب أسرى صورة المثقّف النبي المتقدّم على مجتمعه. زرقاء اليمامة المبصرة الخطر على بُعد سنين. لا تربح مع هذه الهشاشة إلّا مجموعة صغيرة من الناس. لا تدّعي النبوة. لكنّها تواصل العمل على أساس أنّ لا شيء دائم. وتتأهب دائمًا للفرصة. تمامًا مثل تلك الطليعة التي دخلت من بوابة حلب إلى قاعة القصر الجمهوري في دمشق”. 29/ديسمبر-كانون الأول/2024.

‏(فادي عزام): في قبر الحلم ( في البرزخ ) في سدف.. الآن فهمت يوم حذرت (ليتها لم تكن)؟ لكن لا أستطيع الندم، تكلفته باهظة أكثر من قبول سرديات المعتوهين في وطن ينزف أجمل ما فيه. خرجت من اللعبة يا منذر بنصف قرن، السوريون القدامى أجمل ما حدث في هذه الرحلة، أما السوريون الجدد فمصابون بداء عنجهية الوضيع جملة درويش الشهيرة من كل المشارب: “أتعرف يا صاحبي نحن محظوظون بأننا سنذهب للقبر بلا وهم بلا بلاد بلا ناس لندافع عنهم بل لنتجنب أذاهم!”. لا شفاء لهذه التّي قال عنها صديقك الأبكم باكرًا: “… الحزينة بين أسنان كلب”. بل السعيدة بين فكي ضبع فشلت النبوءة لا يوجد شيء أسمه سوريا يا منذر. يوجد مناطق محررة سابقًا من سطوة هارب إلى موسكو وأبيه السوريون أشرار وضحايا بسيطون كالماء كالأسيد، يحتاجون أن يشبعوا ذواتهم الممسوخة يحتاجون مرياع يقودهم إلى الينابيع، السوريون كائنات من عصارة الطبيعة يحتاجون أن يكونوا بهويتهم ويعترفوا بها بعدها يتوقفون عن كل هذا الهراء. سأقول لك سرًا بسيطًا من المقلب الأخر، كل كذب أو صح كل إهانة أو تحليل عن الهجري، يزيدون من شعبيته، ويبعدون السويداء الجريحة، أكثر. ليس لأنه مهمًا بل لأنهم مصابون بداء العنجهية. وينك؟ لا أعرف، لكني كما قال شاعر من الجزائر يومًا: “لا تطرق الباب كل هذا الطرق، فلم أعد هنا”. 20/مارس-آذار/2026.


منشور مُنسَّق – تجريبي

الخميس 30/أبريل-نيسان/2026، والخميس الذي جاء بعده 7/مايو-أيّار/2024، الساعة العاشرة مساء، تلفزيون سوريا، تم عرض حلقتي المقابلة التي أجراها معي الشاعر والروائي إبراهيم الجبين، ضمن برنامج (شهادة للتاريخ). ورغم تعدد المواضيع التي أثيرت في اللقاء، إلّا أن (ليتها لم تكن) كانت حاضرة، وعلى نحو زائد عن الحد، كما شعرت بعد أن شاهدت الحلقتين أكثر من مرة، على غير عادتي في كل المقابلات والحوارات المصورة التي أجريت معي، على ندرتها. إلّا أن هذا أتاح لي الفرصة أن أقدّم، للمرّة الأولى، أمام مئات آلاف المشاهدين الذين كانوا يتابعون الحوار، حججي وأسبابي وردودي، على انتقادات الآخرين لها. ومن جهة أخرى، ما يمكن اعتباره ندمًا على كتابتها، ذلك أنّي كدت، بطريقة أو بأخرى، أدفع ثمنها حياتي. فهي بدل أن تشفع لي أمام النظام، كما كان يظنّ البعض، فقد أوصلتني إلى محكمة الإرهاب! بالجرائم التالية الواردة في اضبارة الاتهام: (حاقد. محرّض على الشغب. التواصل مع المعارضة الخارجية. ممارسة الأعمال القتالية. تمويل الإرهاب). وذلك من دون وجود محضر تحقيق، أو اعتراف، أو تقرير، أو أيّ دليل على أيّ من هذه التهم!

لا تفسير آخر لدي، لماذا لم يظهر ردّي على إبراهيم الجبين في المقابلة: “لكنّي قلتها لأصحاب الضمائر”. سوى، أنّي قلته بعد توقّف التصوير. ولكن، ربّما كان هذا هو الأفضل! ذلك أني أذكر ما قاله لي أحد الأصدقاء: “إنّك بهذا تنفي وجود الضمير عند الذين يخالفونك! وهذا لا يليق بك”.

وصفني، أغلب الذين شاهدوا المقابلة، بالعفوية! وهذا صحيح عمومًا، ولكنّ الأصح، أنّه لم يكن همّي إلّا أن أكون، كعادتي، وكما يعرف عنّي، صادقًا، أن أكونّ أنا نفسي، من دون ادّعاء، ومن دون خوف أن أظهر حقيقة مشاعري، وأفكاري. فلا شيء لدي أخجل منه، حتى وإن كان البعض يراه عيبًا أو نقيصة، ولا شيء لدي أخفيه وأخشى أن يراه ويعرفه الناس عني. قال لي إبراهيم معلّقًا على كلامي عن محمود درويش: “ولكنه لم يقل عن الثورة الفلسطينية، ليتها لم تكن”. ففاتني أن أجيبه: “ربّما لا يملك صدقي!” فمحمود درويش، بما آل إليه، أدبيًّا وسياسيًّا، لديه حساباته الشخصية في الربح والخسارة، التي أدّعي أنّي في (ليتها لم تكن)، وفي كل ما كتبت قبلها وبعدها، كنت وما زلت آخر من يفكّر بها.



يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية