جنازة المرء إما أن تكون شاهداً له، أو شاهداً عليه ..لـ : ياسر العيسى

ياسر العيسى
كاتب و إعلامي سوري

لم تشهد الثورة السورية منذ انطلاقتها، تفاعلاً واهتماماً بترجّل إيقونة من إيقوناتها، كما حصل اليوم مع عبد الباسط الساروت، ليسجل غيابه أعلى معدلات تفاعل على مواقع التواصل، وبين أوساط السوريين في الداخل والخارج، ما دفع وسائل إعلام عربية ودولية ووكالات عالمية إلى تسليط الضوء على استشهاده..
اعتقد أن ما رفع رصيد الساروت مقارنة برصيد أقرانه من إيقونات الثورة السورية ورجالاتها الذين غيبهم الموت خلال سنوات مضت، أمور عدة تحمل في طياتها دلالات وسياقات مهمة:

– الاهتمام الكبير للساروت جاء بعد وأثناء مرحلة التساقط الأخلاقي المدوي للشخصيات والكيانات والهيئات والقوى التي كانت محسوبة على الثورة يوماً ما، أو داعمة لها على الأقل، ليكون الساروت من النقاط المضيئة اليتيمة في الواقع الأسود القاتم الذي نعيشه اليوم، لذلك كان غيابه جلي وأوضح من غياب أقرانه السابقين الذين ترجلوا عندما كان الجانب المضيء في واقعنا يطغى على الجانب الأسود، أو على الأقل ينافسه في المساحة، ولذلك لم ينالوا ما ناله الساروت.
– الساروت بقي لآخر لحظة في حياته مؤمناً بانتصار الثورة السورية التي أصبحت وراء ظهور الكثيرين من رفاقه، ممن اتخذوا وضعية “سيلفي والثورة خلفي”، أو من تحولت الثورة لديه من متن، إلى حاشية.. ولذلك أحبه الناس.
– الساروت رفض الإعلان عن موت الثورة وفشلها كما يحاول العالم أجمع الإقرار به وترويجه، ليشكل موقفه هذا سبباً من أسباب طغيان الحزن الكبير والمحبة الغامرة التي تم التعبير عنها اليوم، ما يدلل على أن الناس لم تفقد إيمانها بالثورة كما يشاع ويروج، بل فقدت إيمانها بمن تصدر الحديث باسمها واحتكر تمثيلها وتاجر بها.
– الساروت مات فقيراً (مادياً)، ورفض أن يتاجر بدماء أخوته الأربعة الذين سبقوه، كما فعل غيره من المتاجرين والخائنين لدماء أشقائهم وأولادهم وأمهاتهم وأبائهم، ولذلك أحبه الناس.
– الساروت بقي في أصعب اللحظات وأسوأ الحالات، مؤمناً بأن الثورة بأي شكل وتحت أي ظرف وحال على حق، لأن الظلم دائماً على باطل.. ولذلك أحبه الناس.

كان يقال، إن العبرة ليس بمن سبق، وإنما بمن صدق وصمد.. فكيف لا يحب الناس من سبق.. وصدق وصمد.

يُقال بأن “جنازة المرء إما أن تكون شاهداً له، أو شاهداً عليه”.. لذلك كان الأمام أحمد بن حنبل يرد على مخالفيه بقولته الشهيرة: بيننا وبينكم الجنائز.


يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية