
الحلقة الأولى
1– لليوم، لم يتوقّف الكثيرون عن تذكيري بأنّي صاحب: (ليتها لم تكن)! أكان ذلك من باب تعييري بها، وفضح تناقض موقفي عندما نشرتها، (هنا صوتك، 27/نوفمبر-تشرين الثاني/2016)، وموقفي بعد هذا التاريخ بثماني سنوات، وكأنه لا يحقّ للمرء أن تتغير مواقفه ولا أن تتبدل آراؤه مهما مرّ من زمن، ومهما تغير من وقائع، حين سقط النظام الأسدي في 8/ديسمبر-كانون الأول/2024، وبدأت بنشر سلسلة من المقالات، جميعها في موقع ضفّة ثالثة، أعيد نشرها في مواقع معروفة، تهتم بالشأن السوري، كموقع (السفينة) وموقع (عروبيون) وموقع (بلا رتوش) وموقع (كلنا شركاء) أولها: (صباح إسقاط التمثال-17/ديسمبر-كانون الأول/2024)، و(يوم عادي في حياة مدينة- 22/ديسمبر-كانون الأول/2024)، لتصل إلى ذروتها في (مديح اللحظة- 15/فبراير/2025)، ثم تنحسر في (إعلان إغلاق حزب الفرحانين- 1/يونيو/2025). أتبعتها بمقالات متفرّقة، لم يتبيّن بها للبعض، موقفًا سياسيًّا واضحًا ومحدّدًا كفاية من السلطة القائمة في سورية، الشبهة ذاتها التي كانت تثار حولي أيام النظام السابق! معلّلًا ذلك، هذه المرّة، بحجج شتّى، أصدقها، ما وضعته كتعريف جديد على الفيسبوك: (مكبّل بالأمل)! أو من باب إطرائي عليها، من كانوا رافضين لها سابقًا، وباتوا قابلين بها حاليًّا، يطالبونني بكتابة: (ليتها لم تكن.. مرّة أخرى). فما يجري اليوم برأيهم أجدى وأحوج لكتابتها ممّا كان حينها! وها أنذا، بسبب حرصي أن ألدغ من الجحر ذاته مرّتين أو أكثر.. أفعل.
2- كما حين ختم (إ. ج) الفقرة قبل الأخيرة من المقابلة المصوّرة التي يجريها معي: “نعود بعد الفاصل مع صاحب (ليتها لم تكن)”! فلم أدعها له دونما ردّ: “كتبتها، صديقي، لأصحاب الضمائر”. وأعترف أنّه تقبّلها منّي بابتسامة. وكما أيضًا في معرض الكتاب منذ أيام في دمشق: “أعرّفك بمنذر مصري صاحب (ليتها لم تكن)”. وكما اليوم بالذات تقول لي زائرتي (ل. ح) إنّها دافعت عنّي أمام أصدقاء، بتذكيرهم أنّي صاحب (ليتها لم تكن)! ولن أفوت ذكر، كيف في نشوة الفرح بالنصر، كتب لي أحدهم: “سامحناك يا منذر على ليتها لم تكن”. فكان ردّي المباشر: “سامح معي إذن، 20 مليون سوري كانوا يردّدونها ليلًا ونهارًا، إن لم يكن جهارًا ففي قلوبهم”.
3- لطالما شعرت، أنّ (ليتها لم تكن) لم تكن مجرّد زفرة، أو صرخة أمّ مكلومة، سمعتها ونقلتها للآخرين. بل عقدة نفسية تعمل عملها في لا شعور السوريين ووجدانهم، وبسبب ألمها، ينكرونها، ويلعنون قائليها. لكنّ ذلك لم يمنع من أن يصل عدد مشاركيها إلى 3K في اليوم الأوّل من نشرها، وأن تكون الأكثر قراءة في جميع المواقع التي نقلتها. ومن الطبيعي، نتيجة هذا، أن يكون هناك ردود أفعال، أو كما عبرت في مقالة لاحقة، ردود أقوال عليها، سلبًا وإيجابًا، منها ما لا يقلّ عنها أهمية، وربّما يزيد. ما بمجمله يكمل المشهد، الذي أرغب الآن بطيّه، وتصفية حسابه، للمرّة الأخيرة.
4- جزء مهمّ من غايتي، هو شعوري بأنّ هناك دين مستحقّ علي لأولئك الذين فهموا، بالطريقة التي أملت، (ليتها لم تكن)، وتبيّنوا دوافعي الحقيقية لكتابتها، الذين وقفوا معي في مواجهة عاصفة التشكيك والاتهامات التي هبّت علي. وأنه يجب علي إيفاء هذا الدين، قبل أن تطوى أوراقي ويجفّ حبري، حبر قلمي وروحي بآن. وكذلك، صدقًا، الذين أثاروا علي هذه العاصفة، لأني كنت أشعر بأني آذيتهم وآلمتهم، فأنا في النهاية أحدهم وقد آذتني وآلمتني مثلهم. لهذا كتبت: “أنا مع الذين كرهوني بسبب (ليتها لم تكن) أكثر من الذين أحبوني”. كما وجدت نفسي مضطرًا لأن أوضح: “قلتها مرّة، ومستعدّ أن أقولها ألف مرّة.. ولكن لا أن يأتي واحد ممّن أوصلوها وأوصلونا إلى هنا.. ويردّدها أمامي!”. غير أنّي سأكتفي بإيراد أغلب ما كتب، وليس كلّه، فهو أكثر من كثير، وبعضه مكرر ولا يفيد أحدًا تكرار تكراره. كما سأكتفي بإيراد مقاطع محددة من المقالات التي كتبت ردًّا عليها، وبعض الرسائل التي وصلتني على الخاص، والمنشورات والتعليقات هنا وهناك، التي وقعت عليه عيناي وأنا أقلب الحسابات والصفحات على الفيس بوك أو تويتر، ما بمجمله حفظته في ذاكرة جهازي، بتاريخ وبلا تاريخ، كلّ هذه السنين. فإذا لم يكن لهذه الغاية، فلا أدري لم؟ معتذرًا لمن سيبحث عن اسمه ولا يجده، ومعتذرًا أكثر لمن قد يسوؤه ورود اسمه لسبب أو لآخر، علمًا بأنها جميعها ما عدا الأولى والأخيرة منشورة على العام! ذلك أنّ عدم إيراد الأسماء أو الاكتفاء بالأحرف الأولى منها، كما فكرت بداية، سوف يفقد النصّ الكثير من دلالته وصدقه وكذلك أهميته. فأهمية أغلبها تتأتّى، حسب رأيي، من أسماء أصحابها، على تنوعهم واختلافهم وتباين مواقفهم.
5- عام 2016:
(……): “منذريوس. يسلموا الايدين عالنص الحساس والمؤثر، إذا مو الفنان اللي متلك يقول هذا الكلام، الذي يعرف كلّ واحد منّا أنّه موجود في مكان ما في دخيلة نفسه، فمن سيقوله؟ لست مضطرًّا لتبرير نفسك وتحصين حقّك في الأسى يا صديقي. أعتقد أنّي أفهمك جيدًا جدًا، وأنّي سأساند وأدافع عن كلّ ما يمكن أن تقوله. قل ولا تتردّد يا منذر. تطوّر لدي حسّ مأساوي أشدّ في السنوات المنقضية، وهو يقبل جدًا أنّ “ليتها لم تكن” لحظة من لحظاته، أو عنصر من عناصره”. 21/نوفمبر-تشرين الثاني/2016. (أرسلت المقال قبل نشره إلى عدد من الأصدقاء لأسترشد بهم، هذا جواب أحدهم، ولا أخفي أنه كان أحد الأسباب التي جعلتني أتجاوز تردّدي وأدفع بالمقال للنشر).
(طه زوزو): “صديقي.. إنها قصيدة وجع وألم.. وأمل”. 27/نوفمبر-تشرين الثاني/2016
(وليد نظامي): “عندك من الشجاعة تبقى في البلد وتحكي هيك حكي..”. 27/نوفمبر-تشرين الثاني/2016.
(اعتدال إسماعيل): “هو منذر مصري ووجعه على سوريا، وأنا أقول بكل وجع القلب والروح يا ريتها لم تكن” 27/نوفمبر-تشرين الثاني/2016.
(سوزان علي): “… بتتذكر كيف زرتك؟ كنت عم موت، كنت ميتة أصلًا، ليتها لم تكن، ليتني متّ قبل أن أرى كلّ هذا”. 28/نوفمبر-تشرين الثاني/2016.
(سمر يزبك): “منذ سنوات تبدو الآن دهرًا، أجريت حوارًا تلفزيونيًا مع منذر مصري، رقيقنا وشاعرنا، وما زلت أذكر أني خرجت من مرسمه الذي يعج بالموسيقى واللوحات ونثار اللاذقية الدفين، بباقة من خيوط باهتة للضوء. أعرف طبقات والتباس ما يقوله، هو مثلنا في طريقته الخاصة، يمسك خيطًا، نهايته كرة محطمة لالتباس صورة الموت بالحياة. صباح الخير لكل المفاصل المعنوية التي علقتنا من أذنابنا جميعًا!”. 28/نوفمبر-تشرين الثاني/2016.
(إيمان الجابر): “ليتها لم تكن في 2011.. ممكن. ولكن ليتها كانت في 1982. ويااا ليتها ليتها ليتها كانت في 1970.. ووو يااا ليت لو كانت ليت تقدم أو تؤخر.. ولكن مين بيقدر يعرف، أنها لو تقدمت أو تأخرت أو أجلت مية سنة لقدام.. كان أو سيكون الثمن أقل! خلال 27 يومًا قتل عشرات الآلاف من آهالي حماه-المجزرة. 2-شباط-1982… طالما في نظام مجرم ديكتاتوري ستكون، مبارح أو اليوم أو بكرا، ما بعتقد في ثورة في التاريخ قامت إلا وتمنّوا أهلها أن لا تكون في أيامهم، للأسف كل الشعوب التي تحررت دفعت الأثمان الباهظة قبلنا ولسه من سيدفع بعدنا”.
(صوفيا سليمان): “ليتها لم تكن بتاتًا”.
(ميشيل عداوي): “ليتها لم تكن، أوقفوا الحرب، موجة من المقالات تجتاح الفيس بوك تطالب بوقف الحرب ووقف الدماء وتتمنى لو لم تحصل هذه الثورة!”.
(سعيد العك): “ليتها لم تكن.. للأمانة لم تكن الصرخة الأولى من نوعها في التاريخ، قالتها السيدة العذراء قبل ألفي عام وقولها مثبّت في الذكر الحكيم: [… يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسيًا منسيّا]. إنه الألم حين يبلغ منتهى حدود الاحتمال، فيبعثر كلّ رتابة القيم التي جعلها الفكر الإنساني بوصلته ليكون الإنسان كما حري به أن يكون”.
(وليد هرمز): “نعم يا منذر. ليتها لم تكن. ولكن ليتها ما عادت ليتها. هل ثمة من تمنٍّ ورجاء بعد الذي حصل وحصد البشر والحجر والهواء والزرع. يا حسافة عليك يا سوريا. ماذا بعد العراق وسوريا؟ أي البلدان يمكننا أن نعوض عنهما؟ ونعشق مثلهما”.
(هالا محمد): ” قال لي منذر في بداية الثورة بعد أن بدأ عدد المعتقلين والقتلى من السوريين يرتفع : ماذا سنفعل بالحرية إذا مات السوريون ! فلسفة عميقة عن ثمن الحروب والخراب والعطب الروحي الدفين … وجسارة وجع السؤال …
لم أجبه يومها ولا أنا اليوم أجيب”. 28/نوفمبر-تشرين الثاني/2016.
(هنادي زحلوط): “وأنا معك.. ليتها لم تكن”. 28/نوفمبر-تشرين الثاني/2016.
(لينا عطفة): “… وكأنّك في قلبي”. 28/نوفمبر-تشرين الثاني/2016.
(مازن أكثر سليمان): “منذر الرائع.. ربّما لا أملك شجاعتك، وأقول: ليتها لم تكن؟! ربّما في قلبي وروحي وضميري الجريح على سورية، أهمسها في السرّ. لكن، في عقلي وفكري ونظرياتي ورؤيتي لمكر التاريخ وسياقات الماضي والحاضر والمستقبل، وأثمان حلم التغيير (الجميل) الذي قد لا نراه نحن (لعن الله كلّ هؤلاء)، أقول: كان لا بدّ لها أن تكون”. 28/نوفمبر-تشرين الثاني/2016.
(مصطفى حزوري): “بين كلّ المقالات، كان مقال يوم أمس، هو الحدث الأبرز… توقّفت عند كلماتك “وأنا أؤكّد أنّ الكثير يقول بداخله ما قاله منذر مصري، إلّا أنّ منذر أعلنها بوضوح وبصوت عال”. لم أفهم أين المشكلة في أن يبدو أمامك الآخر عاريًا، كي تعرف كيف تتعامل معه فيما بعد! تذكرت قول مظفر: “قتلتنا الردّة، أنّ الواحد منّا يحمل في داخله ضدّه”. أظن أكثر ما نحتاج إليه أولئك الذين يقولون ما يضمرون، وفي منحى “الثورة” بالتحديد”. 28/نوفمبر-تشرين الثاني/2016
(شادي صعب): “تحية إلى السوري (منذر مصري) في حصاره السوري. من ينطق بالوجع يكفر ويصبح متهم”. 29/نوفمبر-تشرين الثاني/2016.
(جمانة مصطفى): “… من يستطيع أن يسكت كلّ هذا الصدق، كلّ هذه الحقيقة في قلم منذر مصري”. 2/ديسمبر-كانون الأول/2016.
(نصيرة تختوخ): “موقف كموقف الشاعر منذر مصري يبدو قريبًا بل وحتى ثمرة طبيعية من قلب وفكر مثقف مغروس في بلد تلطّخت ثورة شعبه بالدم”.
(آرام ا ه): “منذر مصري إنسان محترم وحقيقي، ذلك أقل ما يقال، وشاعر جميل ومختلف. كان يمكن أن يذهب إلى أي مدينة أوروبية ويمارس ما يمارسه كثير من الشعراء وأنصافهم، لكنه أبى ذلك، لأنه أولًا مجبول بتراب مدينته وهوائها، وثانيًا لأنه لم يكن يبحث عن أي أدوار بطولة، ولم يكن يريد أن يتاجر بدماء الناس وبدموعهم مثلما فعل كثر..”
(عزة البحرة) (مصطفى إدريس) (شمس عيسو) : “ليتها لم تكن”.
(ندى منزلجي): “حسنًا.. لا بدّ من قول رأيي في النهاية. بخصوص مقال منذر مصري الذي انبرى أبطالنا في الخارج على تشريحه بسيوفهم وطعنه بخناجرهم وتم تفجيره بقنابلهم الموقوتة التي يتحكمون بها عن بعد. حسنًا: عودوا إلى مكانه، إلى بلده، واكتبوا واحدًا على عشرة ممّا كتبه. أحبوا بلدكم بقدر ما يحبه، واختاروها بمرّها وأخطارها، وجروحها مثل ما أختار. أنا شخصيا مع انتفاء أي قيمة لي، سأرفع لكم القبّعة، بل سأشتري قبّعة جديدة خصيصًا كي أرفعها. يكفي أنّه اختار البقاء في اللاذقية، ولا أظنه كان عاجزًا من ست سنوات وحتّى الآن عن إيجاد بلد يأويه. ثانيًا.. لست أنا من يجد منذر في موقع المتهم الذي يحتاج من يدافع عنه، منذر أوضح وأنقى من ذلك، ولديه كلّ تاريخه، ومن يحلو له أن يتهم ويشتم بالريموت كونترول. ولديه صندوقه المغلق بالحكم المسبق على الناس، لا رغبة لدي نهائيًّا في مناقشته”. 6/ديسمبر-كانون الأول/2016.
يتبع……..






ماهر حمصي