يكشف هذا التحقيق الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز كيف سعى مليارديرات سوريون إلى بناء مسارات نفوذ داخل واشنطن، عبر توظيف صفقات إعادة إعمار سوريا بعد إسقاط النظام البائد، في سياق تداخل معقد بين المال والسياسة. ويبرز التقرير كيف تحوّل اسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى عنصر حاضر في معادلات التأثير والتموضع السياسي، ضمن بيئة تشهد إعادة تشكل لمصالح اقتصادية كبرى مرتبطة بالملف السوري.
ويتتبع التحقيق شبكات من رجال الأعمال والاستثمارات العابرة للحدود ، وكيف تداخلت مع دوائر القرار في الولايات المتحدة، بما يعكس نمطًا متزايدًا من ارتباط مشاريع إعادة الإعمار بالاعتبارات السياسية في واشنطن.

في الصيف الماضي، جلس النائب جو ويلسون، الجمهوري عن ولاية كارولاينا الجنوبية، في مكتبه في الكابيتول هيل مصغياً بانتباه شديد، بينما عرض مستثمرون من الشرق الأوسط خططهم عبر اتصال مرئي لتطوير عقارات ساحلية في سوريا.
ميناء لسفن الرحلات البحرية. نادي بولو. صالة عرض لسيارات بوغاتي. ملعب غولف عالمي المستوى. كل ذلك في بلد لم يمض وقت طويل على تمزقه بفعل الحرب .
ولم يكن هذا كل شيء. فبينما كان محمد الخياط، رجل أعمال نافذ مولود في سوريا، يعرض هذا المقترح، كان شقيقاه يظفران بعقود مدعومة حكومياً تزيد قيمتها على 12 مليار دولار لإعادة بناء قطاع واسع من الاقتصاد السوري المدمر.
لكن كانت هناك عقبة. فقد احتاجت عائلة الخياط إلى خدمة كبيرة من الكونغرس، بدعم من الرئيس ترامب: الرفع الدائم للعقوبات القاسية المفروضة على سوريا قبل إسقاط نظام بشار أسد في أواخر عام 2024.
“اجعلوه ملعب غولف باسم ترامب في سوريا.”
عندها قدّم السيد ويلسون، وهو نفسه محامٍ سابق في مجال العقارات ومن مؤيدي رفع العقوبات، اقتراحاً تكتيكياً.
قال: «أعرف كيف نجذب انتباه الرئيس. اجعلوه ملعب غولف من علامة ترامب الوطنية في سوريا».
غير أن محمد الخياط كان متقدماً خطوة. إذ قال إنه كان يخطط لاقتراح منتجع يحمل علامة ترامب.

وفي الوقت نفسه، كان شقيقاه الأكبر سناً يتفاوضان على شراكة عقارية أكبر مع إيفانكا ترامب، الابنة الكبرى للرئيس، وجاريد كوشنر، زوجها، لمساعدتهما في تمويل منتجع بمليارات الدولارات في ألبانيا.
مثل هذا التداخل بين الشؤون الشخصية والدبلوماسية ظل طويلاً أمراً مألوفاً في دول الشرق الأوسط، حيث هيمنت تاريخياً مجموعة صغيرة من الفاعلين على المجتمع وجنت الأرباح من دورها المهيمن. لكنه أصبح أيضاً الطريقة التي تعمل بها واشنطن في الولاية الثانية للسيد ترامب.
فالمناقشات التجارية التي تشمل عائلة الرئيس، سواء كانت مجرد تطلعات مثل ملعب الغولف أو مشاريع قائمة مثل مشروع السيد كوشنر، تختلط بشكل منتظم مع قرارات سياسية مهمة أو مفاوضات ذات تبعات كبيرة بين الدول.
وهو أيضاً مؤشر على مدى القوة التي بات يتمتع بها السيد ترامب. فتنفيذ أي شيء تقريباً في العاصمة يتطلب عدم إغضاب رئيس سريع الانزعاج وميّال للانتقام، ويفضل — إن أمكن — إرضاؤه.
وقد اتخذ رؤساء آخرون، من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، خطوات لتجنب حتى مجرد شبهة تضارب المصالح، بينما يبدو الأمر في عالم السيد ترامب معكوساً تقريباً. فقد كانت العائلة صريحة في نيتها مواصلة إبرام الصفقات التجارية حول العالم.
وقد أدى ذلك إلى نظام مشوّه من المحسوبية التنفيذية، حيث يتبرع المستثمرون بملايين الدولارات لمشاريع يفضلها الرئيس، أو يستثمرون إلى جانب عائلة ترامب، أملاً في تحقيق أهدافهم السياسية، حتى إن لم يُقدَّم طلب صريح بذلك.

وفي الواقع، يؤكد كل من البيت الأبيض ومنظمة ترامب أنهما لم يكونا على علم بالمنتجع المقترح لترامب في سوريا، كما قالت منظمة ترامب إنه لا توجد أي مناقشات جارية.
كما رفض مسؤولو البيت الأبيض أي تلميح إلى أن المناقشات العقارية المرتبطة بعائلة ترامب كان لها أي تأثير على خيارات الرئيس في السياسة الخارجية المتعلقة بسوريا.
وقال ديفيد وارينغتون، المستشار القانوني للبيت الأبيض، في بيان: «إن الرئيس ترامب يؤدي واجباته الدستورية بطريقة أخلاقية سليمة، وأي ادعاء بخلاف ذلك إما أنه ناتج عن سوء فهم أو عن نية خبيثة».
كما ذكرت عائلة الخياط أن شراكتها المالية مع السيد كوشنر لا علاقة لها بجهود رفع العقوبات.
كان مشرّعون من كلا الحزبين يؤيدون رفع العقوبات، لتمكين سوريا من جذب مئات المليارات من الدولارات اللازمة لإصلاح البلاد المدمرة. وكان السيد ترامب نفسه مؤيداً لرفعها في وقت مبكر من ولايته الحالية، وقد فعل ذلك مؤقتاً في الربيع الماضي.
ومع ذلك، ظل بعض أعضاء الكونغرس مترددين في إلغاء التشريع بشكل دائم من دون امتلاك ورقة ضغط، تحسباً لأن يتحول النظام السوري الجديد إلى نظام لا يقل قسوة عن سابقه.
أصبح اقتراح ملعب الغولف جزءاً من حملة ضغط في الكابيتول هيل، في إشارة إلى كيف أن مجرد استحضار علامة ترامب بات يمنح أفضلية سياسية لبعض القضايا.
عاد محمد الخياط إلى واشنطن في أواخر العام الماضي حاملاً حجراً تذكارياً خاصاً للاحتفاء بملعب الغولف المقترح، وقد نُقش عليه شعار عائلة ترامب. وقدّمه إلى السيد ويلسون في مكتبه في الكابيتول هيل لإيصاله إلى البيت الأبيض. ثم شارك السيد الخياط في اجتماعات مع مشرّعين آخرين للدفع نحو رفع العقوبات.
وبعد أسابيع، نال تشريع الإلغاء الدائم موافقة الكونغرس، ووقّعه السيد ترامب ليصبح قانوناً في أواخر ديسمبر.
تلاقي الأحلام
التقت عائلتا ترامب والخياط في مطعم إيطالي في الدوحة عام 2022.
كانت إيفانكا ترامب وجاريد كوشنر في قطر لحضور مباريات كأس العالم لكرة القدم، وتناولا العشاء في مطعم كاربوني الدوحة، وهو امتداد لمطعم في مدينة نيويورك يقع على جزيرة تطل على أفق الدوحة المذهل.
توجّه مالك المطعم للتعرف إلى الضيوف المشاهير. واتضح أن رامز الخياط وعائلته لا يملكون مطعم كاربوني الدوحة فحسب، بل يمتلكون كل المطاعم على ذلك الشارع في جزيرة اصطناعية بنتها العائلة خلال ستة أشهر فقط، بناءً على طلب من العائلة المالكة القطرية لإنشاء منطقة ترفيهية لكأس العالم.
وسرعان ما بدأ كوشنر وعائلة الخياط يتبادلون قصصهم بوصفهم ورثة لتقاليد تطوير العقارات، إلى جانب أحلامهم للمستقبل.
كان السيد كوشنر قد استقطب مؤخراً صناديق ثروة سيادية من الشرق الأوسط، بما في ذلك من قطر، لتأسيس شركة استثمار خاص بقيمة 3 مليارات دولار، وذلك بعد عمله في البيت الأبيض خلال الولاية الأولى للسيد ترامب.
وكان يخطط الآن لبناء منتجع بمليارات الدولارات على جزيرة قبالة سواحل ألبانيا — وهو في الواقع ليس مختلفاً كثيراً عن الجزيرة التي كان يجلس عليها آنذاك.
كان رامز وإخوته قد انتقلوا للإقامة الدائمة في قطر عام 2011. وطوّرت عائلة الخياط علاقة مع العائلة المالكة القطرية، وبنوا لها قصراً سياحياً على قمة جبل خارج دمشق.
وكان ذلك واحداً من عدة مشاريع بارزة جذبت عناوين الأخبار للعائلة، من بينها حادثة لافتة عندما فرضت عدة دول مجاورة حصاراً على قطر في عام 2017، فقاموا بنقل آلاف الأبقار جواً لتأمين الحليب ومنتجات الألبان للدولة الصغيرة الغنية بالنفط.
ورغم نجاحهم في قطر، لم تتخلَّ عائلة الخياط أبداً عن أمل العودة إلى سوريا بطريقة ما.
تبدّل الحظ
في أواخر عام 2024، غيّر حدثان كبيران مسار عائلة الخياط وفتحا أمامهم آفاقاً جديدة: الإطاحة بنظام بشار أسد، وعودة السيد ترامب إلى الرئاسة.
وبعد أسابيع، كان رامز وشقيقه الأكبر معتز في طريقهما لحضور حفل تنصيب السيد ترامب.
وخلال وجودهم في واشنطن للمشاركة في الاحتفالات، تواصلت عائلة الخياط مع والدي السيد كوشنر. كما التقوا بمايكل بولس، زوج تيفاني ترامب، الابنة الصغرى للرئيس، وكذلك والد السيد بولس، مسعد بولس، الذي كان قد ساعد في تنسيق التواصل مع الناخبين الأميركيين من أصول سورية خلال حملة إعادة انتخاب السيد ترامب، وذلك بحسب صور منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي.
وقال رامز الخياط، البالغ من العمر 41 عاماً، مستذكراً الحدث وحفل العشاء الخاص بالتنصيب الذي حضره، في مقابلة حديثة: «تجربة مذهلة… فرصة لا تتكرر في العمر».

كان الحصول على دعوة إلى عشاء على ضوء الشموع يتطلب عادةً تبرعاً لا يقل عن 250 ألف دولار مقابل بطاقتين. وقال رامز الخياط إن عدداً من رجال الأعمال الأجانب دُعوا إلى المناسبة، وإنه وشقيقه الأكبر لم يدفعا مقابل الدعوة.
وفي الشهر نفسه، سافر أفراد من عائلة الخياط إلى دمشق للقاء الرئيس السوري الجديد. وكان الرئيس، أحمد الشرع، قبل أسابيع قليلة فقط قائداً ثائرا رُصدت مكافأة قدرها 10 ملايين دولار من الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب مقابل معلومات عنه. أما الآن، فقد أصبح في موقع السلطة، لكن على رأس بلد مدمَّر، حيث تحتاج معظم بنيته التحتية إلى إعادة بناء.
وكانت عائلة الخياط خياراً طبيعياً لبدء هذه المشاريع. وقال رامز الخياط، مستعيداً رسالته إلى الزعيم السوري الجديد: «نحن مستعدون للتحرك، ومستعدون للتحرك بسرعة».
وسرعان ما تبلورت سلسلة استثنائية من الصفقات في سوريا.
شهدت واشنطن تحركات مكثفة لدفع تشريعات مرتبطة بسوريا في ظل ضغوط ومصالح متشابكة.
فقد حصلت عائلة الخياط وشركاؤها على صفقة بقيمة 4 مليارات دولار لإعادة بناء المطار المتهالك وتحويله إلى مركز إقليمي في الشرق الأوسط، إضافة إلى عقد آخر بقيمة 7 مليارات دولار لبناء أربع محطات كهرباء تعمل بالغاز الطبيعي. كما تفاوضوا على صفقة ثالثة للعمل مع شركة شيفرون الأميركية لتطوير مواقع حفر الغاز الطبيعي البحرية في البحر المتوسط قبالة السواحل السورية.
وقد أشاد توماس ج. باراك الابن، المبعوث الخاص للرئيس إلى سوريا، بجهود الإخوة الخياط، وشاركهم في كل إعلان من هذه الإعلانات، مؤكداً أن إدارة ترامب تدعم هذه المشاريع.
كما بدأ رامز الخياط في شراء منازل تاريخية في المدينة القديمة بدمشق، المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو نظراً لكونها واحدة من أقدم المدن المأهولة باستمرار في العالم، مع خطط لتحويلها إلى وجهة سياحية.
وعلى طول الساحل السوري، كان محمد الخياط يعمل على خطته لإنشاء محطة لسفن الرحلات البحرية ومنتجع يضم ملعب غولف يحمل علامة ترامب، وهو مشروع سيُقام على أرض تسيطر عليها الحكومة السورية.
لكن كان هناك عائق يواجه جميع هذه الصفقات: إذ كانت كلها تعتمد على الرفع الدائم للعقوبات الأميركية.

ويرجع ذلك إلى أن البنوك الدولية ومستثمرين آخرين لم يكونوا مستعدين لضخ رأس المال اللازم لتمويل هذه المشاريع ما لم يحصلوا على ضمانات بأن العقوبات المفروضة بموجب «قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا» لعام 2019 لن تُعاد فرضها لاحقاً بعد رفعها.
وقد سُمّي هذا القانون على اسم مصوّر سوري وثّق التعذيب في سجون الطاغية بشار أسد ، ولم يكن يفرض قيوداً شديدة على البلاد وشركائها التجاريين فحسب، بل كان يفرض أيضاً عقوبات على من يحققون أرباحاً من النزاع السوري عبر الانخراط في أنشطة إعادة الإعمار.
وقال رامز الخياط: «كنا جميعاً ننتظر هذه اللحظة لرفع العقوبات بشكل دائم، وهو أمر رائع لسوريا».

دبلوماسية ملعب الغولف
بدأت عملية استمالة الكونغرس في الربيع.
وقد عُرضت رحلات مجانية إلى سوريا على بعض أعضاء الكونغرس.
وكان إلغاء العقوبات يحظى بدعم واسع من جماعات السوريين الأميركيين وبعض المشرّعين، الذين رأوا أن هذه الخطوة ستعزز تعافي سوريا من خلال تشجيع المزيد من الاستثمارات الأجنبية بعد إسقاط النظام البائد وفرار بشار أسد.
وتولى جزءاً مهماً من جهود الضغط في واشنطن رجل أعمال سوري أميركي يُدعى طارق نعمو، وهو صديق قديم لمحمد الخياط، وقد أقرّ في مقابلة بأنه يعمل على مشروع ملعب الغولف المقترح الذي يحمل علامة ترامب.
وكان السيد نعمو، المقيم في فلوريدا ويدير شركة استثمارية قال إنها أبرمت صفقات مع شركاء من بينهم جهاز قطر للاستثمار، قد بدأ، برفقة زوجته، في التواصل مع ما لا يقل عن اثني عشر عضواً في الكونغرس، بدءاً برئيس مجلس النواب مايك جونسون.

وأظهرت السجلات أن هذا الوصول تم تسهيله عبر سلسلة من التبرعات للحملات الانتخابية قدّمها السيد نعمو وزوجته وآخرون كانوا يدعمون هذه القضية.
وكان النائب الجمهوري عن كارولاينا الجنوبية، السيد ويلسون، هدفاً بارزاً. فقد أصبح السيد نعمو شريكاً اجتماعياً للمشرّع، حيث شاركه في رماية الأطباق الطائرة، والتقى به في منتجع أومني هومستيد في هوت سبرينغز بولاية فيرجينيا، كما حضر معه ومع حلفاء آخرين لترامب عرضاً لمسرحية «البؤساء» في مركز كينيدي (وقد حضر السيد ترامب أيضاً).
وبحلول يونيو 2025، كان السيد ويلسون قد قدّم مشروع قانون يدعو إلى الإلغاء الكامل لعقوبات «قانون قيصر».
أكبر عقبة
وبينما كانت هذه الحملة المكثفة من الضغط السياسي تتقدم، ظل هناك عائق كبير.
ولم يكن هذا العائق، في الواقع، السيد ترامب. فقد كان مقتنعاً بالفعل.
في شهر مايو، رفع السيد ترامب العقوبات مؤقتاً عقب اجتماع في الرياض مع السيد الشرع ومحمد بن سلمان، ولي العهد السعودي ، الذي حثّ السيد ترامب على القيام بذلك. كما ترغب السعودية في أن تكون طرفاً في إعادة إعمار سوريا.
لكن سوريا، وكذلك المستثمرون مثل عائلة الخياط، كانوا لا يزالون بحاجة إلى إجراء من الكونغرس لجعل هذا الرفع دائماً. وهنا واجهوا نائباً في مجلس النواب برز بوصفه العقبة الأكبر.
فقد ظل النائب براين ماست، الجمهوري عن ولاية فلوريدا ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، قلقاً من أن إلغاء جميع العقوبات المفروضة على سوريا قد يترك الأقليات العرقية والدينية هناك عرضة لمزيد من الاضطهاد والقتل.

بلغ هذا التوتر ذروته في التاسع من نوفمبر، عشية اجتماع كان مقرراً بين السيد ترامب والسيد الشرع — وهي أول زيارة لرئيس دولة سوري إلى البيت الأبيض منذ استقلال البلاد عن فرنسا عام 1946.
وفي فندق سانت ريجيس، على بعد ثلاثة شوارع من البيت الأبيض، اجتمع السيد ماست وأعضاء آخرون في الكونغرس، من بينهم السيد ويلسون، مع السيد الشرع على مأدبة عشاء خاصة.
أثارت بعض الصفقات تساؤلات حول طبيعة النفوذ الذي يحيط بملف إعادة الإعمار السوري.
وقال السيناتور ريتشارد بلومنتال، الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت وأحد الحاضرين، إن اللحظة بدت غريبة. فالسيد الشرع كان في السابق عضواً في تنظيم القاعدة في العراق، وقد استهدف بشكل مباشر القوات الأميركية في الموصل قبل عقدين. أما الآن، فكان يطلب المساعدة.
وكان السيد ماست، وهو محارب قديم في الجيش الأميركي فقد ساقيه كلتيهما عام 2010 أثناء خدمته كفني تفكيك متفجرات في أفغانستان، غير متأكد مما إذا كان يمكن الوثوق بالسيد الشرع. وقد سأله خلال العشاء: «هل لم نعد أعداء؟». وردّ السيد الشرع بأنه يريد «تحرير» بلاده من الماضي، بحسب ما استذكره السيد ماست خلال جلسة استماع في مجلس النواب في فبراير.
وقال السيد بلومنتال إنه لم يُذكر خلال اللقاء أي شيء عن الارتباطات بصفقات عائلة ترامب.
وكان محمد الخياط والسيد نعمو قد عادا إلى واشنطن، وكانا موجودين في الفندق تلك الليلة مع مجموعة من المستثمرين الذين كانوا يأملون في أن يوفروا التمويل لمنتجعهم الذي يتضمن ملعب الغولف المقترح بعلامة ترامب.
وبعد العشاء المشترك بين الحزبين مع المشرّعين، جرى ترتيب اجتماع ثانٍ في وقت متأخر من الليل على عجل بين السيد ماست والسيد الشرع، شارك فيه أيضاً السيد الخياط والسيد نعمو، بحسب ما أفاد به مشاركون في الاجتماع.
وبحلول نهاية تلك المحادثات في تلك الليلة، كان السيد ماست قد غيّر موقفه، وأصبح مستعداً لدعم إلغاء العقوبات من دون تضمين بند يسمح بإعادة فرضها بسرعة.


وقد أوضح موقفه المعدّل في وقت لاحق من ذلك الشهر خلال كلمة ألقاها من قاعة مجلس النواب، قائلاً: «نحن نمنح سوريا فرصة لرسم مستقبل ما بعد الأسد».
وقال مساعدو السيد ماست إن الارتباطات بعائلة ترامب لم تكن عاملاً في قراره.
وقبل مغادرة واشنطن، قدّم السيد الخياط والسيد نعمو «حجر الأساس» لملعب الغولف المقترح الذي يحمل علامة ترامب إلى السيد ويلسون والنائب مارلين شتوتسمان، الجمهوري عن ولاية إنديانا. وكان الحجر المؤطّر، الذي نُقشت عليه عبارة «نادي ترامب الدولي للغولف، سوريا»، يرمز — بحسب وصف السيد الخياط — إلى «رمز لفرص اقتصادية أميركية مستقبلية في سوريا».

وقد أُدرج إلغاء العقوبات ضمن مشروع قانون لا بد من إقراره يجيز إنفاقاً سنوياً يقارب تريليون دولار لوزارة الدفاع الأميركية، وذلك في صفحتين داخل قانون يبلغ طوله 1260 صفحة.
وقّع السيد ترامب القانون في 18 ديسمبر 2025، أي بعد عام تقريباً من إسقاط النظام البائد وفرار بشار.
الصفقات على الأرض
تتحرك قوافل من القوات الروسية بشكل منتظم على الطريق السريع المحلي الممتد على طول الساحل في شمال سوريا، في طريقها إلى قاعدة جوية قريبة لا تزال روسيا تسيطر عليها. وعلى مقربة من هناك، ينتصب تمثال مقلوب للمقبور حافظ أسد ، والد بشار أسد . وقد انكسر أحد ذراعي التمثال، فيما غُرس وجهه الضخم في الوحل.
بعيداً عن الطريق السريع، وعلى حافة البحر الأبيض المتوسط قرب مدينة اللاذقية الساحلية، تزرع عائلات الملفوف والباذنجان وورق العنب ومحاصيل أخرى في واحدة من أكثر مناطق سوريا خصوبة.
وهذا هو الموقع المفترض لملعب الغولف الذي يُؤمَل أن يحمل اسم ترامب.
يقع في المنطقة التي تنحدر منها عائلة أسد ، وكثير من السكان المحليين، بمن فيهم بشار أسد وعدد من أقاربه، ينتمون إلى أقلية دينية تُعرف بالعلويين.
ولا تتوافر معلومات دقيقة تُذكر هنا حول وضع المنتجع المخطط له، الذي قد يحمل اسم عائلة ترامب.
لكن الشائعات تنتشر بين المزارعين المحليين، مثل سنان يونس، البالغ من العمر 42 عاماً، وإخوته، الذين عملوا في هذه الأرض لعقود رغم أنهم لا يملكونها. وتشكل الزراعة مصدر الدخل الوحيد لنحو عشرين فرداً من عائلتهم.

وتساءل السيد يونس قائلاً، بينما توقف هو وأفراد من عائلته قليلاً عن زراعة شتلات الباذنجان في إحدى أمسيات الأيام الأخيرة: «وماذا عنا نحن؟ كيف يمكنهم أخذ كل هذا، لسبب كهذا؟ لماذا أرضنا، الأرض التي نعيش منها؟»
وتزيد هذه التساؤلات من حدة التوتر، إذ لا تزال العائلة تعيش في خوف من احتمال وقوع موجة أخرى من العنف تستهدفهم وتستهدف غيرهم من العلويين. وقد تأخر حصاد الباذنجان العام الماضي، لأن السيد يونس قال إنه اضطر لاستخدام شاحنته الزراعية لنقل جثث جيرانه الذين قُتلوا في الهجمات.
في واشنطن، لا يزال بعض أعضاء الكونغرس، بمن فيهم السيد ماست، يشعرون بالقلق من أن سوريا لم ترتقِ إلى مستوى التوقعات بعد رفع العقوبات.
وقال السيد ماست في فبراير خلال جلسة استماع في مجلس النواب لبحث التقدم الأخير في سوريا: «لا أعتقد أن أياً منا كان يتوقع أن يكون الانتقال من الديكتاتور بشار الأسد إلى الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع خالياً من الحوادث. لكننا شهدنا بالفعل حوادث كثيرة جداً، في رأيي — حوادث كثيرة من العنف الطائفي ضد الأقليات الدينية والعرقية».
غير أن ورقة الضغط التي كانت تملكها الولايات المتحدة — وهي القدرة على إعادة فرض العقوبات بسرعة — قد زالت الآن، كما أن إقناع الكونغرس بإعادة فرضها سيكون معقداً من الناحية السياسية.
وفي الوقت نفسه، تستمر الأموال الأجنبية من مستثمرين مثل عائلة الخياط في التدفق إلى سوريا.
ويظهر ذلك في مطار دمشق، حيث تعمل، رغم اندلاع حرب في أماكن أخرى من الشرق الأوسط، أساطيل من الآليات الثقيلة على تفكيك ما تبقى من مبنى الركاب الذي يعود إلى ستينيات القرن الماضي، ضمن مشروع عائلة الخياط.
وعلاوة على ذلك، حصل محمد الخياط مؤخراً على ترخيص ليكون المستورد الحصري لمنتجات شركة SC Johnson الأميركية للسلع الاستهلاكية، مثل أكياس Ziploc، ومبيد الحشرات Raid، ومعطرات الهواء Glade، والتي لم يكن من الممكن بيعها مباشرة في سوريا قبل رفع العقوبات.
وفي سياق منفصل، يتقدم أيضاً المشروع الساحلي الضخم في ألبانيا الذي يقوده جاريد كوشنر وإيفانكا ترامب.
في البداية، كان من المقرر أن تكتفي عائلة الخياط بدور شركة إنشاءات في المشروع. لكن خلال العام الماضي — تزامناً مع جهود الضغط لرفع العقوبات — تغيّرت طبيعة المفاوضات، بحسب ما قاله مسؤولون تنفيذيون مشاركون في الصفقة. فقد قرر السيد كوشنر وعائلة الخياط أن يصبحوا شركاء في المشروع.
وسافرت إيفانكا ترامب إلى هناك في يناير للقاء رامز الخياط ضمن اجتماع ضم مهندسين معماريين ومسؤولين تنفيذيين آخرين لمناقشة التصاميم المحتملة، كما حضر رئيس وزراء ألبانيا إيدي راما.
وقال رامز الخياط: «نحن نستثمر في الشركة القابضة لضمان توفر رأس مال كافٍ. لذا فهو مشروع مشترك بين الشركتين، ونحن في الواقع نديره معاً».
ورفض متحدث باسم السيد كوشنر التعليق.
كما يجري الحديث أيضاً عن احتمال انضمام عائلة الخياط إلى السيد كوشنر لتنفيذ مشاريع عقارية في سوريا، بعد زوال عقوبات «قانون قيصر».
وقال رامز الخياط، في إشارة إلى السيد كوشنر: «إنه رجل رائع، ونحن نحاول أن نقوم بشيء رائع معاً… نحن نعرض العديد من الفرص».
إريك ليبتون
صحفي استقصائي
أمضت صحيفة نيويورك تايمز العام الماضي في دراسة الكيفية التي وجد بها الرئيس ترامب وعائلته سبلًا لتحقيق أرباح من عودته إلى البيت الأبيض.
فبينما كانت إدارة ترامب والكونغرس يتحركان العام الماضي لإلغاء العقوبات المفروضة على سوريا، كانت العائلة المقيمة في قطر — والتي يُرجَّح أنها الأكثر استفادة من ذلك — تجري بشكل خاص مفاوضات حول شراكة عقارية مع جاريد كوشنر، وتطرح في الوقت نفسه فكرة إنشاء ملعب غولف يحمل اسم ترامب في سوريا.
وقد حصلت عائلة الخياط — وهم سوريون يقيمون حالياً في قطر — على صفقات لا تقل قيمتها عن 12 مليار دولار للمساعدة في إعادة إعمار سوريا، التي تتعافى من أكثر من عقد من الحرب . لكنهم كانوا بحاجة إلى قيام الولايات المتحدة بإلغاء العقوبات المفروضة على سوريا حتى تتمكن هذه المشاريع من المضي قدماً.
وقال البيت الأبيض، في بيان لصحيفة التايمز، إن تعاملات عائلة الخياط مع عائلة ترامب لم يكن لها أي تأثير على دعم الرئيس ترامب لإلغاء العقوبات على سوريا. كما أكدت عائلة الخياط أن تعاملاتها مع عائلة ترامب لم تكن تهدف إلى التأثير في النقاش الدائر في واشنطن.
لكن هذه الحالة تُظهر الطريقة غير الاعتيادية للغاية التي تُبرم بها الصفقات في عهد ترامب حالياً. فالأطراف التي تسعى إلى اتخاذ قرارات في واشنطن غالباً ما تنشئ روابط مالية مع عائلة ترامب. وهو جزء من نمط متكرر خلال الولاية الثانية للسيد ترامب.













ماهر حمصي