في صالة عرض بدبي، وقف من يزعم أنه فنان يحطم المرايا بمطرقة حديدية؛ تخريبٌ مُنِح صفة “الإنجاز” الفني.
استعراض للتفاهة ؛ الزجاج المتطاير صار “رؤية”، والشظايا التي كادت تفقأ العيون تحولت إلى “فلسفة”.
صالاتٌ تبيع مساحاتها لتسويق الهراء.
والجمهور، يراقب سحل ذائقته بصمت، منتظراً إشارة المطرقة ليبدأ التصفيق خوفاً من اتهامه بالجهل بـ “ما بعد الخراب”.
دعوة الاستعراض، تتكئ على قاموس أكثر تزويقاً. تتحدث عن “استكشاف الهوية والذاكرة والحضور”، وكأن كسر مرآة يحتاج إلى هذا التكديس المفهومي كي يُمنح قيمة.
الفعل الفوضوي يُدفن تحت طبقات لغوية، بحيث لا يعود أحد يسأل ما الذي حدث فعلاً، إنما ما الذي ينبغي أن نفكر به تجاه ما حدث.
“نثق بما نراه. كما لو أن الرؤية كافية. نسميه سطحاً، ونتعامل معه كحقيقة. نقرأه كخريطة ثم نتوقف عن السؤال. لكن ما يبدو مستقراً هو مجرد طبقة. وما يبدأ في التصدع لا يكشف شيئاً جديداً… بل يزيل عنا ما كنا نظنه يقيناً. هنا، لا شيء ينكسر. فقط ما كان مخفياً يظهر.”
في قلب العرض “كسر مُتحكَّم به”، وهي العبارة التي تختصر كل شيء. لا مفاجأة، لا خطر، لا انزلاق خارج التوقع. كل حركة محسوبة مسبقاً: الضربة، الصوت، التوقيت، وحتى لحظة “الانكشاف” المُعلنة كنتيجة جاهزة قبل وقوع الفعل. ما يُقدَّم كجرأة هو في الحقيقة إعادة تنفيذ آمن لفعل معروف تماماً، ثم تضخيمه لغوياً حتى يبدو تجربة.
ما يُسمى انتقال المشاهد من مراقب إلى مشارك لا يحدث خارج اللغة. لا مشاركة في الفعل، ولا دخول في التجربة، فقط حضور أمام مشهد مكتمل ومغلق، ثم مطالبة بتبنّي تفسيره. المشاركة الحقيقية الوحيدة هي في قبول أن ما حدث أكبر مما هو واضح، رغم أن ما حدث لا يتجاوز ما هو واضح.
الجملة الأكثر فلسفة في تفاهة الاستعراض كله تقول إن “ما يبدو ثابتاً ليس إلا طبقة”. لكنها لا تُختبر في العرض، تُستخدم فقط لتبرير كسر المرآة. لا تفكيك حقيقي للثبات، لا مساءلة للبنية، فقط إعادة تسمية لما هو واضح أمام العين. مرآة تُكسر، ثم يُطلب من المشاهد أن يقتنع أن ما حدث يتجاوز الكسر. وفي ذروة المفارقة تأتي العبارة “هنا، لا شيء ينكسر”. في مشهد قائم بالكامل على الكسر، يتم إنكار الكسر لغوياً. الشظايا على الأرض ليست رأياً، والزجاج المتطاير ليس استعارة، لكن يصر على سحب الواقع إلى منطقة لغوية معزولة عن أي اختبار.
المحصلة بسيطة مهما تعقّدت اللغة: تفاهة فعل واحد محدود، تُبنى حوله منظومة كاملة من التفسير. المطرقة تضرب مرة، والدعوة تضرب عشرات المرات فوق المعنى حتى تفقده تماماً، ثم تُقدّم الفراغ على أنه تجربة فكرية.




ماهر حمصي