«أنا بقرارة نفسي فعلت ذلك.. لم أتلقَّ أوامر من أحد »..كيف يُحاول طمس مجزرة التضامن؟

في 25 نيسان 2026، بثّت وزارة الداخلية السورية فيديو اعترافات السفّاح أمجد يوسف، المساعد الأول السابق في فرع 227 (فرع المنطقة) بشعبة المخابرات العسكرية. الرجل الذي يظهر بوضوح في الفيديو المسرّب عام 2013 — يدفع معصوبي الأعين نحو الحفرة ويسخر منهم قبل إطلاق النار — سرد التفاصيل التالية دون مواربة:

اضغط على الصورة لمشاهدة فيديو الاعتراف

«أنا أمجد يوسف، مساعد أول. كنت أشتغل بشعبة المخابرات بفرع المنطقة، الفرع 227. التحقت بالسلك العسكري عام 2004. قبل تصوير الفيديو أحضروا حوالي 40 شخصاً، كان يُشتبه في ذلك الوقت بأنهم إرهابيون أو يقدمون دعماً مادياً للجهات المسلحة. أنا ونجيب الحلبي (من ميليشيا الدفاع الوطني) نفذنا الإعدام.
كنا نتناوب على إطلاق النار. بعضهم أُطلق عليه الرصاص قبل السقوط في الحفرة، وبعضهم بعد السقوط. حُفرت الحفرة بجرافة. رمينا الجثث مع إطارات السيارات وحرقناها حتى لا تنتشر الرائحة.
أنا بقرارة نفسي فعلت ذلك. لم أتلقَّ أوامر من أحد. ما عندي رتبة عسكرية أعطتني أمر أو ضابط أو لواء. اختيار الضحايا تم بناءً على تقارير أمنية. المصور كان موجوداً لكنني نسيت اسمه.»

هذه ليست اعترافات عادية. إنها محاولة سافرة لتصوير جريمة موثقة داخل فرع مخابراتي كـ«قرار شخصي» لضابط واحد، بينما يُبرَّأ الجهاز بأكمله والضباط الأعلى رتبة.
أمجد يقول صراحة إنه فعلها «بقرارة نفسه»، ويؤكد أنه «ما عندي رتبة عسكرية أعطتني أمر أو ضابط أو لواء». كأن فرع 227 كان نادياً للمتطوعين، وليس جهازاً أمنياً يدير الاعتقالات والتصفيات الجماعية.

هذه الجملة تحدد نقطة التحول في سردية القضية، لأنها تنقل الفعل من إطار بنيوي منظّم إلى مستوى فردي معزول، وهو ما يغيّر جذرياً طريقة فهم المسؤولية داخل الجهاز الأمني.

تقرير صحيفة الغارديان البريطانية الاستقصائي في 27 نيسان 2022 كشف أن 27 فيديو مسرّباً من حاسوب الفرع 227 نفسه وثّقت إعدام 288 مدنياً على الأقل (بينهم نساء وأطفال). أمجد اعترف بفيديو واحد فقط وبـ40 ضحية. أما الـ26 فيديو الباقية، والعمليات المتكررة في المكان نفسه، فقد غابت تماماً.
نجيب الحلبي ميت، المصور «لا يعرف اسمه»، والتقارير الأمنية التي كانت تُصنّف الناس «إرهابيين» جاهزة للتصفية—بريئة كلها حسب روايته.

هذا الاعتراف لا يُغلق ملف المجزرة، إنما محاولة إغلاق عيون السوريين عن حجمها الحقيقي.

الاعتراف يحدد حادثة واحدة بنحو 40 ضحية. لكن تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان واعترافات معتقلين سابقين آخرين تتحدث عن أكثر من 450–500 ضحية ومفقود في حي التضامن وحده.

مجزرة 16 نيسان 2013 لم تكن حدثاً فردياً، بل نموذجاً روتينياً لفروع المخابرات (227، 215، 235) وميليشيات الدفاع الوطني: وشايات، تقارير أمنية، إعدام جماعي، حرق جثث، طمس أدلة.
أمجد نفسه استمر في الجهاز سنوات بعد التسريب.

التفاوت بين رقم الاعتراف والأرشيف الموثق يفتح باباً واسعاً على مسألة الانتقائية في السرد الرسمي، وكيف يتم تحديد نطاق المسؤولية في ملفات مشابهة.

الآن، بعد إسقاط النظام البائد وفرار بشار أسد إلى موسكو، يُقدَّم الاعتراف كدليل على «العدالة». لكنه في الواقع يحمي المنظومة: الضابط الذي كان جزءاً من فرع مخابراتي يبرّئ نفسه والجهاز معاً بجملة واحدة.

لم تكن مجزرة التضامن استثناءً، بل نموذجاً مصغّراً لآلة القتل التي أدارتها أجهزة الطاغية بشار أسد بين 2011 و2024.
الفرع 227، الفرع 215، الفرع 235، ميليشيات «الدفاع الوطني»… كلها كانت تُنتج «حفراً» و«إطارات» و«تقارير أمنية» على مدار السنوات.

بعض الجناة قُتلوا في المعارك (مثل الحلبي)، وبعضهم هرب إلى الخارج أو انسحب إلى قواعد عسكرية آمنة (كما كان أمجد نفسه يعمل في قاعدة كفر سوسة حتى 2022)، وبعضهم بقي في الظل ينتظر «العفو» أو «التسوية».

هذا التوزيع في المصائر لا يعكس تفكك البنية، إنما إعادة تشكيلها وفق الظروف، مع بقاء المنظومة الأساسية قادرة على الاستمرار بأشكال مختلفة.

اليوم، يأتي الدور على «العدالة الانتقالية». لكن الطريقة التي تُدار بها الاعتقالات — وخاصة اعترافات أمجد — تثير سؤالاً مريراً:
هل نحن أمام محاسبة حقيقية، أم إعادة توزيع أدوار؟

السيناريو الأول (الأكثر احتمالاً حالياً): الاعتراف «المحدود». كل متهم يعترف بجريمته الشخصية، يحمّل الشركاء الموتى أو الهاربين، ويبرّئ القيادة العليا («لم أتلقَّ أوامر»). يصبح كل واحد «كبش فداء» يُحمَّل جريمة جزئية، ويُغلق الملف بـ«عدالة تمت». النتيجة: طمأنة الرأي العام بأن «الجزارين» في السجن، واستمرار الإفلات من العقاب للمنظومة ككل.

هذا السيناريو يعكس نموذجاً شائعاً في التعامل مع الجرائم المنهجية حيث يتم تفكيك المسؤولية إلى وحدات فردية.

هنا يظهر التوتر بين العدالة كعملية شاملة وبين العدالة كإجراء انتقائي يركز على رموز محددة فقط.

السيناريو الثاني (الأقل احتمالاً لكنه الأمثل): الاعتراف «المتسلسل». يُفتح كل فيديو على حدة، تُطلب شهادات الناجين، تُكشف سلاسل الأوامر من الفرع إلى القيادة المركزية، وتُحاكم علناً. يصبح أمجد مجرد حلقة في سلسلة، لا نهايتها. هنا فقط يمكن الحديث عن عدالة انتقالية حقيقية.
هذا النموذج يعتمد على إعادة بناء السلسلة الكاملة للأحداث بدل الاكتفاء بالأفراد.

السيناريو الثالث (الخطر): الاستثمار السياسي. يُستخدم أمجد كـ«دليل» على «نظافة» النظام الجديد، فيُقدَّم للإعلام كدليل على «الثأر للضحايا»، بينما تُترك عشرات المجازر الأخرى (القابون، داريا، حمص، الغوطة ، الجورة…) في أدراج «الأولويات المؤجلة».
هذا السيناريو يحول العدالة من أداة كشف إلى أداة إدارة رواية سياسية.

مجزرة التضامن لم تكن مجرد حفرة في حيّ دمشقي. كانت حفرة في الذاكرة السورية. كل اعتراف ناقص يُلقي فيها ضحية جديدة: ضحية النسيان. إذا أردنا أن تكون هذه المرة مختلفة، فليكن الاعتراف شاملاً، والمحاكمة علنية، والحقيقة كاملة. غير ذلك، فإن أمجد يوسف لن يكون آخر «جزار التضامن»، بل أول «كبش فداء» في مسرحية جديدة تحمل اسم «العدالة» وتُنتج في الواقع طمساً جديداً.

هذه الخاتمة تضع معياراً واضحاً بين العدالة الشكلية والعدالة الحقيقية القائمة على كشف كامل للبنية وليس أجزاء منها.

الضحايا يستحقون أكثر من جملة «أنا بقرارة نفسي». الحقيقة الكاملة ليست رفاهية، إنها حق وواجب.


يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية