تسع سنوات من الانتظار انتهت بالنسبة إلى عائلة من الرقة بإجابة مؤلمة: منار عليوي وزوجها وأطفالها الخمسة ماتوا تحت أنقاض مبنى دمرته غارة جوية يُشتبه في وقوعها خلال معارك إخراج تنظيم الدولة الإسلامية من المدينة عام 2017. بقي مصير العائلة مجهولًا طوال تلك السنوات، إلى أن ساعد تحليل الحمض النووي، مع الأدلة المادية وشهادات الأقارب، على تحديد هوية الرفات. وأُبلغ الناجون بالنتيجة في سبتمبر 2026.
تتجاوز أهمية هذه الحالة اكتشاف هوية سبعة أشخاص. فهي تكشف المسافة الطويلة بين العثور على رفات وبين تمكين الأسرة من معرفة مصير أحبائها، ودفنهم، وتوثيق وفاتهم، واستعادة قدر من اليقين بعد سنوات من الانتظار.
أعلنت رويترز في 20 أكتوبر أن تحليل الحمض النووي أسهم في تحديد هوية مفقودين في ثلاث حالات على الأقل خلال عام 2026. أُنجزت حالتان عبر الهيئة الوطنية السورية للمفقودين، فيما تعاونت في الحالة الثالثة جهات سورية ودولية متخصصة في التحقيقات الإنسانية والطب الشرعي.
تقدم هذه النتائج مسارًا عمليًا للتعامل مع ملف تتفاوت تقديراته بين 130 ألفًا و300 ألف مفقود، وفق الأرقام التي تستند إليها الجهات الأممية. ويشمل الملف أشخاصًا فُقدوا في الاعتقال، أو خلال سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، أو في ظروف أخرى مرتبطة بالنزاع.
من الركام إلى الهوية: ما الذي أثبتته الأدلة؟
في حالة عائلة عليوي، لم يعتمد تحديد الهوية على فحص جيني منفرد. فقد اكتشفت منظمة لإزالة الألغام رفاتًا في موقع المبنى عام 2024، واستعادها محققون سوريون لاحقًا. وأسهمت وثائق شخصية عُثر عليها في الموقع في الوصول إلى شقيقة منار ، كما دعمت الملابس الظاهرة في صورة عائلية سابقة رواية الأقارب عن وجود الأسرة في المبنى.
جمع المحققون عينات وراثية من أقارب العائلة، ثم قارنت مؤسسة الأنثروبولوجيا الجنائية في غواتيمالا النتائج الجينية مع إفادات الأسرة والأدلة المتاحة. وأكدت النتيجة هوية منار وزوجها وأطفالها الخمسة، ومن بينهم طفل في الثالثة من عمره. أما مصير والد منار ، الذي كان موجودًا في المبنى وفق المعلومات المتاحة، فما زال غير محسوم.
تكشف هذه الحالة أن التعرف إلى الرفات عملية تتطلب تضافر أكثر من نوع من الأدلة: موقع العثور، والسجلات الشخصية، والمعلومات التي تحفظها العائلات، والملفات السابقة، والعينات الوراثية. وقد يؤدي غياب أحد هذه العناصر أو تعذر الوصول إليه إلى تأخير المطابقة أو تركها غير مكتملة.
وتحتاج النتائج أيضًا إلى إجراءات دقيقة لحماية العينات والبيانات، وتوثيق مصدر كل عينة، ومراجعة المطابقات قبل إبلاغ الأسر. فخطأ في تحديد الهوية قد يضيف أذى جديدًا إلى عائلة تنتظر جوابًا منذ سنوات.
آلاف الملفات لا تعني آلاف الهويات المؤكدة
قالت الهيئة الوطنية السورية للمفقودين لرويترز إنها جمعت نحو 96 ألف ملف من الوزارات والمنظمات غير الحكومية، ونحو ألفي عينة من رفات عُثر عليها في مواقع يُشتبه في أنها مقابر جماعية، إضافة إلى 29 عينة حمض نووي من أقارب في حالات ظهرت فيها احتمالات للمطابقة. وأفضت حالتان من هاتين الحالتين إلى تحديد هوية مؤكدة. كما تتلقى الهيئة، وفق التقرير، متوسطًا يوميًا يبلغ 100 بلاغ جديد عن مفقودين.
لا تمثل هذه الأرقام مراحل متطابقة من العمل. فالملف المسجل ليس بالضرورة قضية مكتملة، والعينة المأخوذة من الرفات لا تعني أن هوية صاحبها معروفة، والعينة المأخوذة من قريب لا تثبت وحدها صلة القرابة برفات محددة.
تحتاج كل قضية إلى ربط البيانات المتاحة بعضها ببعض، وفحص احتمالات التشابه، والتحقق من المعلومات الميدانية، ثم مراجعة النتيجة وإبلاغ الأسرة وفق إجراءات تحفظ كرامة المتوفى وحقوق ذويه.
وتوضح الفجوة بين حجم الملفات وعدد المطابقات المؤكدة مقدار العمل الذي لا يزال مطلوبًا. فالمشكلة لا تقتصر على إجراء فحوص جينية إضافية؛ إنها تشمل بناء نظام متكامل لتسجيل البلاغات، وحفظ الأدلة، وربط المعلومات، وتنسيق عمل المؤسسات.
العائلة لا تحتاج إلى نتيجة مخبرية وحدها
في تقرير نشرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر في 30 أغسطس 2026، استندت المنظمة إلى مقابلات منظمة ومجموعات نقاش وورش تحقق مع أسر مفقودين في سبع محافظات سورية. وخلص التقييم إلى أن عدم معرفة مصير الشخص المفقود يظل محور معاناة الأسر، وتتشعب آثاره إلى الدخل والصحة النفسية والوضع القانوني والعلاقات الاجتماعية والثقة بالمؤسسات.
قد تحتاج الأسرة إلى معرفة مصير قريبها، وإلى وثيقة رسمية تثبت الوفاة إذا تأكدت، وإلى استعادة الرفات وإقامة الدفن، وتسوية مسائل الميراث أو الوضع المدني. وقد تحتاج أيضًا إلى دعم نفسي واجتماعي وإلى جهة تستطيع متابعة ملفها وإبلاغها بالتقدم أو تفسير أسباب التأخير.
لهذا لا يقاس نجاح منظومة المفقودين بعدد العينات التي جُمعت أو الفحوص التي أُجريت وحدها. فالمعيار الأهم هو قدرتها على تقديم إجابات موثوقة، ومعاملة الأسر باعتبارها صاحبة حق في المعرفة والمشاركة، وإتاحة مسار واضح لمتابعة كل حالة.
ويستدعي ذلك الانتباه إلى أن الأسر ليست متساوية في القدرة على الوصول إلى المؤسسات. فبعض الأقارب يعيشون خارج سوريا، وبعضهم لا يملك وثائق كافية، وقد تواجه النساء عوائق اجتماعية أو مخاوف من الوصمة عند الإبلاغ عن اختفاء قريباتهن. وتوثق مواد متخصصة منشورة ضمن منصة المفقودين التابعة للصليب الأحمر الحاجة إلى معالجة هذه العوائق وحماية خصوصية الأسر.
بناء القدرة الوطنية: خطوة ضرورية واختبار طويل
في 18 سبتمبر 2026، أعلنت اللجنة الدولية لشؤون المفقودين أن علماء من الهيئة الوطنية السورية للمفقودين أنهوا برنامجًا تدريبيًا في مختبرات الحمض النووي بمقر اللجنة في لاهاي. شمل التدريب مراحل العمل المخبري ومقارنة الملفات الجينية وضمان الجودة، ضمن تعاون يرمي إلى تطوير قدرة سورية وطنية على تحديد الهوية.
وقالت الهيئة، وفق رويترز، إنها تعمل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر على إنشاء مختبر للحمض النووي بحلول مايو 2027، وعلى إقامة مختبر آخر بالتعاون مع اللجنة الدولية لشؤون المفقودين وبدعم من الاتحاد الأوروبي. وأشار التقرير إلى أن قاعدة وطنية شاملة للمفقودين لم تكن قد أُطلقت بعد عند نشره.
يمثل إنشاء المختبرات جزءًا من الحل، وليس الحل كله. فالمختبر يحتاج إلى كوادر مدربة، ومعايير ثابتة لضمان الجودة، وموارد تكفي لاستمرار العمل، وإجراءات لحماية البيانات الوراثية من الاستخدام غير المصرح به. كما يتطلب الملف تنسيقًا بين المؤسسات العامة والمنظمات المتخصصة والعائلات، مع وضوح المسؤوليات وتجنب تكرار جمع المعلومات من الأسر دون فائدة.
وتكتسب الثقة أهمية خاصة. فالأسرة التي تقدم بياناتها الوراثية تحتاج إلى فهم الجهة التي ستحتفظ بها، والغرض من استخدامها، والجهات التي يمكنها الاطلاع عليها، وآلية تصحيح الأخطاء أو الاعتراض على نتيجة. كما يحتاج النظام إلى ضمانات تمنع تحويل البيانات الإنسانية إلى أداة للتمييز أو الاستغلال.
وتملك اللجنة الدولية لشؤون المفقودين خبرة في إنشاء أنظمة لتجميع البيانات وربطها، وتعمل مع أسر سورية ومنظمات مجتمع مدني لبناء عملية تستند إلى القانون ومشاركة الأسر. وتؤكد المنظمة أهمية وجود قاعدة بيانات آمنة ومحايدة يمكن الوثوق بها.
ما الذي ينبغي أن يُقاس في المرحلة المقبلة؟
يمكن أن تتحول الحالات الثلاث التي أُعلن عنها هذا العام إلى نقطة انطلاق لتقييم التقدم، إذا رافقها نشر معلومات واضحة عن سير العمل، مع احترام خصوصية الأسر وأمن مواقع المقابر والأدلة.
ويحتاج التقييم العام إلى الإجابة عن أسئلة محددة: كم بلاغًا جديدًا جرى تسجيله؟ كم ملفًا استُكمل؟ كم عينة أمكن ربطها بملفات مفقودين؟ كم هوية تأكدت بعد مراجعة مستقلة؟ كم أسرة أُبلغت رسميًا؟ وما المدة التي تستغرقها القضية من التسجيل إلى الإجابة؟
ولا تكفي الأرقام وحدها. يجب أيضًا معرفة ما إذا كانت الأسر تحصل على تحديثات منتظمة، وما إذا كانت تستطيع تصحيح معلوماتها، وما إذا كانت نتائج الفحوص تقود إلى إجراءات واضحة لتسليم الرفات وتوثيق الوفاة، وما إذا كانت هناك آلية للشكاوى والمراجعة.
ويظل من الضروري الفصل بين تحديد الهوية وإثبات المسؤولية عن الوفاة. فقد يساعد الحمض النووي على معرفة صاحب الرفات، لكنه لا يحدد بمفرده سبب الوفاة أو الجهة المسؤولة عنها. تحتاج هذه الأسئلة إلى تحقيقات وأدلة مستقلة، وإلى حفظ سلسلة الأدلة بما يسمح باستخدامها في الإجراءات القانونية عند الاقتضاء.
الإجابة التي تنتظرها العائلات
بالنسبة إلى عائلة عليوي، أتاحت مطابقة الرفات مع الأدلة الوراثية إنهاء سنوات من التساؤل بشأن مصير سبعة أفراد. وقال ابنها محمد حمادة لرويترز إن التعرف إلى هوياتهم أتاح للأسرة التفكير في دفنهم ووضع علامات على قبورهم وزيارتها. وما زال مصير فرد آخر من العائلة غير واضح.
توضح هذه النتيجة ما يمكن أن تحققه الخبرة المتخصصة والتعاون بين المؤسسات. كما تذكّر بأن كل هوية مؤكدة هي قضية إنسانية منفردة داخل ملف وطني هائل، وأن النجاح في حالة واحدة لا يعني أن المنظومة أصبحت قادرة على حسم آلاف الحالات الأخرى بالسرعة نفسها.
الاختبار الحقيقي هو بناء عملية مستمرة وشفافة، تستطيع التعامل مع البلاغات والأدلة، وإبلاغ الأسر، وحماية حقوقها، وتصحيح الأخطاء. فالمفقود ليس رقمًا في قاعدة بيانات، والعائلة ليست مجرد مصدر لعينة وراثية. لكل حالة اسم وتاريخ وأسئلة وحقوق، ولا تكتمل مهمة البحث عن المفقودين عند الوصول إلى نتيجة مخبرية؛ إنها تكتمل بترجمة النتيجة إلى معرفة موثوقة وحقوق يمكن ممارستها.






ماهر حمصي