نصاب وانتهازي..هذا الرجل ليس صديقنا

المفارقة ثقيلة بما يكفي من دون أن نضيف إليها شيئاً. الهجري لم يعلن تأييده لإسرائيل أمس حتى يصبح الخبر في موقفه، ولم يحتج توبِليم إلى انتظار تصريح جديد كي يكتشفه. التأييد قديم ومتكرر، ومع ذلك عندما كتب الصحفي الإسرائيلي عن الرجل لم يجعل من هذا التأييد شهادة حسن سلوك، ولم يقدمه إلى الإسرائيليين بوصفه صديقاً سورياً جديداً يمكن الاطمئنان إليه. فتح الصفحة التي تضم الأسد وإيران، ثم وضع إلى جانبها «محتال» و«انتهازي»، وبعدها قال الجملة التي لا تترك مساحة واسعة للمجاملات: «هذا الرجل ليس صديقنا».


ثمة شيء شديد السخرية في أن تأتي هذه القراءة من صحفي إسرائيلي تحديداً. خصوم الهجري يستطيعون اتهامه بالخيانة والعمالة والانتهازية، وسيجد الهجري في ذلك خصومة سياسية يمكنه الرد عليها. توبِليم يكتب لجمهور إسرائيلي، ويضع أمام هذا الجمهور رجلاً يعلن تأييده لإسرائيل، ثم يحذرهم منه. لا يحتاج إلى مهاجمة إسرائيل كي يهاجم الهجري، ولا يحتاج إلى الدفاع عن الأسد كي يستحضر الأسد وإيران؛ يكفيه أن يقول للإسرائيليين إن الرجل الذي يقترب منهم يحمل معه تاريخاً لا ينبغي دفنه تحت سيل التصريحات.

وصف الهجري بالمحتال ليس تفصيلاً لغوياً عابراً. توبِليم لم يقل إن الرجل أخطأ في موقف سياسي، ولم يصف قراره بأنه سيئ التقدير؛ اختار وصفاً يمس الرجل نفسه. ثم وصف تأييده لإسرائيل بالانتهازية، فصار الموقف في قراءة الصحفي جزءاً من حسابات صاحبه. وجود الأسد وإيران في المقدمة يمنح هذا الوصف ثقله السياسي، لأن المسألة عند توبِليم لا تتعلق بجملة قيلت لإسرائيل، وإنما بسجل رجل تتبدل حوله الجهات بينما تبقى المصلحة حاضرة في القراءة.

الهجري يستطيع أن يكرر تأييده لإسرائيل إلى ما لا نهاية، ولا أحد يستطيع منعه من ذلك. المشكلة أن الطرف الآخر لا يملك ذاكرة قصيرة. التصريح الجديد لا يمحو القديم، والتقارب لا يمسح السجل، وكثرة الإعلان عن الولاء لا تنتج وحدها ثقة. توبِليم يفعل شيئاً بسيطاً وقاسياً في الوقت نفسه: يضع الحاضر أمام الماضي، ثم يترك الإسرائيليين يقررون ماذا يفعلون بالرجل .

ثم يضع توبِليم الدروز داخل الحساب. يقول إن مسلك الهجري سيؤدي إلى مقتل مزيد من الدروز في سوريا. فجأة يصبح الأمر أكبر من رجل يريد تسجيل نقاط سياسية من خلال إسرائيل؛ ثمة جماعة يتحدث باسمها، وثمة تحذير من أن الطريقة التي يتحرك بها قد تجعل أبناء هذه الجماعة يدفعون الثمن. الرجل الذي يتحدث عن حماية الدروز يجد في المنشور الإسرائيلي من يقول إن اندفاعه قد يؤدي إلى سقوط مزيد منهم قتلى.

توبِليم لا يقدم الهجري بوصفه عدواً لإسرائيل، وهذه نقطة مهمة. لو فعل ذلك لتحولت المسألة إلى مواجهة سياسية مألوفة. ما يفعله أكثر تعقيداً: يترك التأييد لإسرائيل قائماً، ثم يسحب منه القيمة التي قد يريد الهجري أن يحصل عليها. أنت تؤيد إسرائيل؟ جيد. أنت كنت مع الأسد وإيران؟ أيضاً موجود في السجل. أنت تؤيد إسرائيل الآن؟ الصحفي يسمي ذلك انتهازية. تريد أن تكون صديقاً؟ الجواب: «هذا الرجل ليس صديقنا».

الهجري ليس جديداً على تأييد إسرائيل، وتوبِليم ليس مضطراً إلى اكتشاف ذلك. الجديد في المنشور هو أن صحفياً إسرائيلياً أخذ هذا التأييد نفسه ووضعه في مواجهة تاريخ الهجري، ثم خرج بصورة لا تشبه الصورة التي يمكن أن تمنحها كثرة التصريحات لصاحبها. لم يحصل الهجري على لقب الحليف، ولا على شهادة الثقة، ولا حتى على صفة الصديق. حصل على استدعاء للأسد وإيران، وعلى «محتال»، وعلى «انتهازي»، وعلى تحذير من أن سياسته قد تقتل مزيداً من الدروز.

وليس في ذلك حاجة إلى كثير من البلاغة. الهجري يقول لإسرائيل: أنا معكم. توبِليم يقول للإسرائيليين: تذكروا من هو. وبين الجملتين يقف الأسد وإيران، وتقف كلمة «محتال»، وتقف «الانتهازية»، ثم تأتي العبارة الأخيرة لتضع العلاقة في حجمها الذي يريده الصحفي: ليس صديقنا.


يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية