عقيد ركن طيار.. وصانع محتوى يسأل: «حضرتك الشوفير؟»

مدعوا جاء بعدّاد المتابعين، وآخر بتاريخٍ لا يحتاج إلى عدّاد !

لم يكن ينقص المشهد سوى أن يطلب أحدهم من العقيد الركن الطيار إبراهيم الغوراني رخصة قيادة، كي تكتمل الصورة.

يجلس في مروحية عسكرية، طيار يعرف جيداً ماذا يعني المقعد الذي يجلس فيه، وإلى جانبه يزن أبو عجوة، قادم من فضاء ما يسمى بالمؤثرين وصناع المحتوى ، يسأل باستخفاف: «حضرتك الشوفير؟». يجيبه الغوراني بهدوء: «طيار.. أنا طيار». فيطلق الرجل ضحكة هستيرية: «طلع طيار مو شوفير»، وكأن اكتشاف رتبة «طيار» يحتاج إلى مترجم من لغة الواقع إلى لغة تيك توك.

الغوراني واحد من أولئك الذين لا يحتاجون إلى «بايو» على حساباتهم كي نعرف من هم. انشق عام 2012، في وقت لم تكن فيه كلمة «انشقاق» فعلاً دعائياً تصلح لصناعة المحتوى، وإنما قراراً له ثمن، ودفع من حياته وحياة عائلته ثمناً قاسياً، كان من بينه استشهاد ابنه. هذه سيرة يمكن أن تقف وحدها من دون موسيقى مؤثرة في الخلفية، ومن دون مونتاج سريع، ومن دون شخص يطلب من صاحبها أن يبتسم للكاميرا كي يصبح المشهد «ترند».

ومع الفضاء الرقمي، صار عدّاد المتابعين يمنح صاحبه ما يتجاوز الشهرة: ضيفاً ومكرّماً وواجهةً ومستشاراً في الذوق العام، بل دليلاً سياحياً على تاريخ البلد، وربما لا يحتاج بعد ذلك إلا إلى رتبة عسكرية.

الأنكى أن أحداً لم يسأل: مؤثر في ماذا؟

في عدد المشاهدات؟ ممتاز.

في عدد المتابعين؟ رائع.

في القدرة على إضحاك الناس أمام الكاميرا؟ مبروك.

أما المعرفة بالمكان الذي دخل إليه، أو الشخصية التي يقف أمامها، أو الحدود التي تفصل بين المحتوى الخفيف والمشهد الذي يحمل دلالة وطنية وعسكرية، فهذه أسئلة قديمة جداً، ولا يبدو أن لها خانة في استمارة اختيار «المؤثرين».

عقيد ركن طيار يجلس في مروحيته.

وشخص آخر يسأله إن كان «الشوفير».

لو كانت المسألة مسابقة في سوء اختيار الجملة، لفاز الرجل من دون منافسة. لكن المسألة أوسع قليلاً، لأن السؤال هو: من الذي قرر أن هذا هو الشخص المناسب ليكون هناك أصلاً؟

نحن نرى المؤثر أمام الكاميرا، ولا نرى اليد التي دعته. نرى الضحكة، ولا نرى القائمة التي وضعت اسمه. نرى الفيديو، ولا نرى من فتح الباب.

ثم يبدأ الجميع في الغضب من الرجل الذي دخل، بينما يبقى صاحب المفتاح في مكانه، ربما مشغولاً بإحصاء عدد المشاهدات.

يا لها من طريقة حديثة لإدارة الهيبة.

في الماضي كان عليك أن تحمل تاريخاً كي تقترب من بعض الأماكن. اليوم قد يكفي أن تحمل عدد المتابعين.

واحد أمضى حياته في السماء، والآخر أمضى وقته أمام الشاشة، ثم وجد الاثنان نفسيهما في مروحية عسكرية، وكأن منظومة الاختيار قررت أن تضع التاريخ والخوارزمية في مقعد واحد وتترك الكاميرا تحكم بينهما.

ولا شك أن النتيجة كانت تستحق التصوير.

بعد انتشار المقطع والغضب الواسع الذي رافقه، جاء الاعتذار. اعتذار من النوع الذي يعرفه جمهور المنصات جيداً: الكاميرا نفسها، والوجه نفسه، والجملة التي لم يكن ينبغي أن تقال أصبحت «عفوية» بعد أن اكتشف صاحبها أن الناس لا يشاركونه حس الدعابة.

وهنا يمكن أن نترك الاعتذار جانباً.

فحتى لو افترضنا أن العبارة خرجت بلا نية مسبقة للإهانة، يبقى هناك شخص ما اختار أن يكون صاحب هذه العبارة موجوداً في هذا المكان. وهذا الشخص لا يستطيع أن يقول إن الدعوة خرجت منه عفوياً أيضاً.

وهذه ربما أكثر المفارقات إثارة للسخرية.

نحن في مرحلة تستطيع فيها العلاقات العامة أن تبحث عن ما يسمى «مؤثر أو صانع محتوى»، فتستدعيه إلى مكان ذي رمزية كبيرة، ثم تترك له مهمة اكتشاف قيمة المكان بنفسه. فإذا نجح الأمر، حصل الجميع على المشاهدات. وإذا فشل، خرج المؤثر معتذراً، وبقي المسؤول عن دعوته بعيداً عن الكاميرا.

إنها صفقة ممتازة.

الشهرة تأخذ الصورة.

المؤسسة تأخذ الترند.

والطيار يأخذ نصيبه من السؤال: «أنت الشوفير؟».

لا نعرف من صاحب هذه الفكرة العبقرية، لكن من الواضح أنه اكتشف طريقة مبتكرة لتكريم أصحاب التاريخ: ضعهم بجوار أصحاب الأرقام، واترك الجمهور يكتشف الفارق وحده.

يكفي أن نتأمل معيار الاختيار نفسه.

رجل دفع ثمناً لموقفه، وآخر يملك رقماً كبيراً على منصة. الأول لديه سيرة، والثاني لديه «فولوورز». الأول يحتاج إلى سنوات كي يصنع تاريخه، والثاني يحتاج إلى ثوانٍ كي يصنع مقطعه. ومع ذلك يستطيع الثاني أن يجد نفسه في المكان الذي يفترض أن تكون فيه للأول كلمة ومكانة واحترام.

هنا تصبح كلمة «مؤثر» مضحكة أكثر مما ينبغي.

والسؤال ليس عن يزن أبو عجوة وحده.

فالرجل، في نهاية الأمر، فعل ما يعرفه. حمل الكاميرا، دخل المشهد، أطلق عبارته، ضحك، ثم واجه غضب الناس وسجل اعتذاره. يمكن أن نختلف معه، ويمكن أن نرى في تصرفه جهلاً فاضحاً بمقام الرجل الذي أمامه وبالمكان الذي يقف فيه. كل ذلك واضح ولا يحتاج إلى لجنة خبراء.

أما الذي يحتاج إلى سؤال حقيقي فهو ذلك العقل الذي رأى في هذا كله فكرة مناسبة.

العقل الذي قال: فلنستدعِ هذا الرجل.

العقل الذي قال: فلندخله إلى هناك.

العقل الذي قال: دعوه يصور.

ثم ترك الجميع بعد ذلك يبحثون عن تفسير للضجة.

المشهد لا يحتاج إلى تفسير.

المشهد يفسر نفسه.

وإذا كانت المؤسسات تريد أن تستعين بأصحاب المنصات، فليكن. لا أحد يطلب منها أن تعيش خارج العصر أو أن تغلق أبوابها أمام الجمهور الجديد. المطلوب فقط ألا تتحول أرقام المتابعين إلى بطاقة مرور عامة، وألا يصبح «الترند» معياراً أعلى من المكان الذي يدخله صاحبه، أو الشخص الذي يقف أمامه.

فثمة فرق بين أن تستضيف شخصاً مشهوراً في فعالية جماهيرية، وبين أن تمنحه مساحة داخل مؤسسة تحمل تاريخاً ورمزية وهيبة. وفرق أكبر بين شخص يملك جمهوراً وشخص يستحق الاحترام.

والغوراني لم يحتج إلى أن يقول الكثير.

قال جملة واحدة.

«أنا طيار.. طيار».

وربما كانت هذه الجملة أكثر ما في الفيديو إحراجاً.

لأنها أعادت كل شيء إلى مكانه من دون خطبة ولا غضب ولا حملة علاقات عامة.

أما السؤال الذي بقي معلقاً فوق المروحية، فهو ليس: من هو الشوفير؟

السؤال: من الذي ظن أن مقعد الطيار يحتاج إلى ما يسمى صانع محتوى كي يصبح جديراً بالتصوير؟



يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية