هوس “نهاية العالم” يجتاح الإنترنت

توقعات متشائمة وسيناريوهات كارثية تثير القلق

تتزايد على الإنترنت نبوءات نهاية العالم، وتنتشر معها دعوات إلى تخزين الطعام والمياه والمولدات الكهربائية تحسبًا لانهيار قد يبدّل شكل الحياة كما يعرفها الناس. وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تتسع دائرة التحذيرات من الكوارث والحروب والأزمات الكبرى، حتى باتت سيناريوهات النهاية مادة متكررة تستقطب الانتباه وتغذي المخاوف من المستقبل.

لا تنحصر الظاهرة في منشورات مثيرة للقلق؛ إنها تعكس مناخًا عامًا من عدم اليقين، تغذيه الاضطرابات السياسية والضغوط الاقتصادية والتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي. وتمنح وسائل التواصل هذه المخاوف قدرة أكبر على الانتشار، فتتجاور التهديدات الواقعية مع التوقعات غير المثبتة، ويصعب أحيانًا الفصل بين الاستعداد المنطقي للطوارئ والذعر من كارثة لم تقع.

يرى مايكل ميلز، الباحث في جامعة كِنت، الذي أمضى أكثر من عقد في دراسة الاستعداد لنهاية العالم، أن المخاوف المعاصرة لا ترتبط بالضرورة بسيناريو محدد لنهاية العالم. وقال لموقع Axios إن ما يحركها في معظم الحالات هو رد فعل عام على حالة عدم اليقين.

خلال الحرب الباردة، انصب اهتمام كثير ممن كانوا يستعدون للكوارث على احتمال اندلاع مواجهة نووية. أما اليوم، فقد اتسعت قائمة المخاطر لتشمل الإرهاب والكوارث المناخية والتهديدات الجيوسياسية والتقنيات الناشئة. ويصف ميلز هذه العقلية بأنها انشغال متعدد الأوجه بحالة عدم اليقين.

هذا التحول يفسر جانبًا من اتساع الظاهرة؛ فمصدر القلق لم يعد تهديدًا واحدًا يمكن تحديده، بل مجموعة من الاحتمالات المتداخلة التي تجعل المستقبل مفتوحًا على سيناريوهات متباينة، بعضها واقعي وبعضها الآخر لا يستند إلى أدلة كافية.

تدعو منشورات واسعة الانتشار على منصات التواصل إلى تخزين الطعام والمياه، في وقت تصدر فيه حكومات عدة توصيات بشأن الاستعداد لحالات الطوارئ. وقد حذّر دان بونجينو، النائب السابق لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي، من الاستهانة بالتنبيهات المتعلقة بتخزين المستلزمات الأساسية.

ووصل الاهتمام بهذه المخاوف إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي سُئل عنها خلال مقابلة يوم الاثنين. وقال إن الأمريكيين لا يحتاجون إلى تخزين المؤن، مؤكدًا أن الولايات المتحدة في وضع جيد، وأنها قوية وتمتلك جيشًا عظيمًا، ولن تواجه مثل هذه المشكلات.

أما المعلّق المحافظ تاكر كارلسون، الذي يتابعه 17.9 مليون شخص على منصة X وحدها، فنشر مساء الأحد منشورًا مطولًا زعم فيه أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يضغط على ترامب لشن هجمات جديدة على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، مع احتمال استخدام سلاح نووي.

هذه المزاعم منسوبة إلى كارلسون، ولا يقدم المقال ما يثبت صحتها. ويشير إلى أن المعلّق طرح في السابق توقعات مشابهة بشأن سيناريوهات كارثية، أخطأ في بعضها.

«

لم يعد مصدر القلق خطرًا واحدًا يمكن تحديده، بل مجموعة من الاحتمالات المتداخلة التي تجعل المستقبل مفتوحًا على سيناريوهات متباينة..

وفي الولايات المتحدة، أثارت تقارير عن خطة للبنتاغون تدعو القواعد العسكرية إلى الاستعداد للعمل من دون دعم خارجي لمدة لا تقل عن 90 يومًا موجة أخرى من التساؤلات. وظهر بين ردود الفعل سؤال يعكس مستوى الشك والقلق: ما الذي تعرفه الحكومة ولا تخبرنا به؟

لكن الاستعداد العسكري للعمل في ظروف استثنائية لا يثبت، بحد ذاته، أن حربًا عالمية أو كارثة وشيكة باتت حتمية. فالخطط الاحترازية، مهما بلغت درجة خطورتها، لا تعني بالضرورة أن السيناريوهات التي يربطها بها مستخدمو الإنترنت ستتحقق.

وراء المخاوف من الكوارث الكبرى ضغوط يومية تمس حياة ملايين الأشخاص. فالقلق من انعدام الأمان المالي، والارتفاع الحاد في تكاليف الرعاية الصحية، وضعف المدخرات المخصصة لمواجهة الطوارئ، والصعوبات التي تواجه الأجيال الشابة في شراء المنازل، كلها عوامل تعزز الشعور بأن الحياة أصبحت أقل استقرارًا.

حين تتراكم هذه الأعباء، لا يعود القلق من المستقبل مجرد استجابة لخبر دولي أو تهديد محدد. إنه يتحول إلى شعور أوسع بأن الأزمات تتكاثر، وأن قدرة الأفراد على حماية أنفسهم من تبعاتها تتراجع.

ويضيف الذكاء الاصطناعي بُعدًا آخر إلى هذه المخاوف. فالتطور السريع لهذه التقنيات يثير تساؤلات بشأن احتمال الاستغناء عن آلاف الوظائف، وإمكانية استخدامها في تنفيذ هجمات إلكترونية، فضلًا عن المخاوف من توظيفها في تطوير أمراض بيولوجية خطيرة قد تكون مميتة.

وعلى الصعيد الدولي، تتداخل هذه الهواجس مع الحروب والنزاعات والإبادة الجماعية واحتمالات اتساع المواجهات العسكرية. وتزيد التوترات المرتبطة بالصين وتايوان، إلى جانب الشائعات عن احتمال استئناف الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما على إيران، من حدة المخاوف من انفجار صراع أوسع.

تتجمع هذه التهديدات في المخيلة العامة ضمن صورة واحدة قاتمة، رغم اختلاف طبيعتها واحتمالات وقوعها. وتتيح المنصات الرقمية لهذه الصورة الانتشار بسرعة، من دون أن تضمن بالضرورة التمييز بين المعلومات الموثوقة والتكهنات أو تقدير المخاطر وفق حجمها الفعلي.

لعدم اليقين السياسي دور بارز في انتشار التوقعات الكارثية، خصوصًا خلال الانتخابات الكبرى. ففي هذه الفترات، تتجاوز المنافسة حدود البرامج والمرشحين لدى بعض الناخبين، لتصبح معركة يُنظر إلى نتائجها باعتبارها محددة لمستقبل البلاد بأكمله.

ويصف ميلز حركة الاستعداد للكوارث بأنها اتسمت تاريخيًا بميل نحو اليمين السياسي. ويشير إلى أن المخاوف ازدادت خلال إدارتي باراك أوباما وجو بايدن، ثم تراجعت لدى بعض المنتمين إلى الحركة بعد فوز دونالد ترامب في انتخابات عام 2016.

ويفسر الباحث تصاعد هذه المخاوف خلال الانتخابات بأن الناس لا يعرفون النتيجة التي ستؤول إليها المنافسة، خصوصًا عندما يشعرون بأن كل شيء على المحك. ويؤدي هذا الغموض، بحسب ميلز، إلى تفاقم حالة عدم اليقين.

وتوفر المنافسات السياسية بيئة ملائمة لانتشار التوقعات المتشائمة، إذ يجد كل طرف في احتمالات فوز خصمه مادة لتصور أسوأ النتائج. ومع تداول هذه التصورات على نطاق واسع، قد يتحول الخلاف السياسي من نقاش حول خيارات محتملة إلى خطاب يصوّر المستقبل باعتباره سلسلة من الكوارث المنتظرة.

تخزين بعض المواد الغذائية والمياه، أو الاستعداد لانقطاع الكهرباء، لا يجعل صاحبه مؤمنًا بنظريات المؤامرة. فالحكومات نفسها توصي المواطنين باتخاذ احتياطات لمواجهة الكوارث المحتملة، وتدعو مثلًا إلى إخلاء المناطق المهددة قبل وصول الأعاصير.

ويفصل ميلز بين الاستعداد المعتاد لحالات الطوارئ وبين الاستعداد للكوارث طويلة الأمد، الذي يتضمن التخطيط لمواجهة أزمات قد تستمر أسابيع أو أشهرًا، وأحيانًا لفترات أطول.

الفارق هنا يتعلق بطبيعة الاستعداد ومداه، لا بمجرد الاحتفاظ بالمؤن. فالاستعداد العملي يقوم على تقدير الأخطار واتخاذ تدابير متناسبة معها، بينما قد يدفع الخوف المتضخم صاحبه إلى التعامل مع احتمالات غير مؤكدة كما لو كانت أحداثًا حتمية.

ومن ثم، لا تتمثل المشكلة في أن يستعد الناس للطوارئ، بل في أن تتحول الاستعدادات إلى انعكاس دائم للهلع، وأن تصبح التوقعات الكارثية المتداولة على الإنترنت بديلًا عن التقييم المستند إلى المعلومات والأدلة.

لا أحد يعرف ما الذي قد يحدث لاحقًا، ولا ما إذا كانت كارثة كبرى ستقع أصلًا. والمخاطر التي تواجه العالم حقيقية في بعض جوانبها، لكنها متفاوتة في طبيعتها واحتمالاتها، ولا تبرر جمعها كلها في سيناريو واحد لنهاية وشيكة.

يمكن للإنترنت أن يضخم المخاوف ويمنح السيناريوهات الأكثر إثارة مساحة تفوق ما تستحقه من اهتمام.

قد يكون الاحتفاظ بمخزون يكفي لبضعة أيام من انقطاع الكهرباء إجراءً عمليًا يخفف آثار الطوارئ ويجعل التعامل معها أقل صعوبة. لكن هذا الاستعداد يختلف تمامًا عن العيش تحت وطأة توقع الانهيار في كل لحظة.

المفارقة أن الإنترنت، الذي يتيح الوصول السريع إلى المعلومات والتحذيرات، يمكنه أيضًا أن يضخم المخاوف ويمنح السيناريوهات الأكثر إثارة مساحة تفوق ما تستحقه من اهتمام. ومع تكرار الرسائل التحذيرية وتداول التوقعات غير المثبتة، قد يبدو الخطر أقرب وأكثر يقينًا مما تسمح به الوقائع.


يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية