إعادة إعمار سوريا: من يحمي الأدلة المدفونة تحت الركام؟

في المدن السورية التي أنهكتها الحرب، تتقدم الجرافات إلى أحياء تنتظر إزالة آثار الدمار وفتح الطرق وإعادة تأهيل الأبنية. وراء هذه الأعمال حاجة ملحّة إلى استعادة الحياة، وفي قلبها ملف لم يحصل على ما يستحقه من الاهتمام: مصير الأدلة التي قد تختفي مع الأنقاض، والرفات التي تنتظر عائلاتها معرفة ما حلّ بأصحابها، والمواقع التي يمكن أن تساعد في إعادة بناء الوقائع أمام القضاء.


أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026 تقريرًا بعنوان «إزالة الأنقاض دون طمس الأدلة»، تناول المخاطر القانونية والحقوقية لعمليات إزالة الأنقاض، واقترح إجراءات لحماية الأدلة والرفات خلال أعمال الإعمار. يضع التقرير قضية شديدة الحساسية أمام السلطات والجهات المنفذة والمانحين: كيف يمكن تسريع التعافي من دون التفريط بما تحتاج إليه العدالة، وما زالت تنتظره عائلات المفقودين؟

تتعلق المسألة بما هو أعمق من حفظ بقايا مادية. فالموقع الذي شهد قصفًا أو احتجازًا أو وفاة في ظروف مشتبه بها قد يحتفظ بتفاصيل تساعد المحققين على تحديد نوع السلاح، واتجاه الهجوم، وتسلسل الأحداث، ومكان العثور على الرفات. وقد تتوقف قيمة هذه التفاصيل على إبقائها مرتبطة بمكانها الأصلي، وعلى توثيق طريقة جمعها ونقلها، وعلى سلامة السجل الذي يرافقها منذ لحظة العثور عليها.

وحين تدخل المعدات الثقيلة إلى موقع لم يخضع للتقييم، يمكن أن تختلط المواد بعضها ببعض، وتتغير معالم المكان، وتضيع صلات يصعب استعادتها لاحقًا. عندها تصبح إعادة بناء الحدث أكثر تعقيدًا، وقد تتقلص فرص التعرف إلى الضحايا أو تقديم أدلة قابلة للاستخدام القضائي.

تواجه الجهات المعنية بالإعمار ضغطًا حقيقيًا. فالطرق المغلقة تعطل الحركة، والأبنية المتصدعة تهدد السكان، والأنقاض تعيق عودة الخدمات، فيما تفرض الذخائر غير المنفجرة مخاطر مباشرة على المدنيين. وتأخير الأعمال في هذه الظروف له كلفته الإنسانية والاقتصادية.

غير أن حجم الدمار واتساعه يجعلان الحاجة إلى ترتيب الأولويات أكثر إلحاحًا. فالموقع الذي يستلزم تدخلًا عاجلًا لحماية الأرواح يختلف عن مبنى مقرر هدمه ضمن مشروع تطوير، وكلاهما يختلف عن موقع يُشتبه في احتوائه على رفات بشرية أو أدلة مرتبطة بجريمة خطيرة. التعامل مع هذه الحالات وفق إجراء واحد يترك القرار لتقدير لحظي، وقد يؤدي إلى خسارة لا يمكن تعويضها.

يقترح تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان اعتماد تصنيف للمواقع بحسب المخاطر، وإجراء تقييم قبل الإزالة، وإشراك الجهات المختصة عند احتمال وجود رفات أو أدلة جنائية، مع مراعاة مخاطر الذخائر المتفجرة. ويستند في ذلك إلى قواعد قانونية وإرشادات فنية تتصل بالتحقيق في الوفيات المحتمل أن تكون غير مشروعة، والتعامل مع الرفات، وحفظ الأدلة.

تتيح هذه المقاربة الجمع بين الضرورات بدل وضعها في مواجهة مصطنعة. يمكن فتح طريق لإنقاذ السكان، مع توثيق الموقع قبل التدخل متى سمحت الظروف. ويمكن إزالة مبنى خطر، مع تكليف مختصين بتقييم احتمال احتوائه على أدلة. كما يمكن إدراج متطلبات الحفظ والتوثيق في عقود الإزالة، كي تصبح جزءًا من التنفيذ منذ البداية، لا إجراءً يُستدعى بعد وقوع الضرر.

تكتسب القضية وزنها الأكبر حين تتصل بالمفقودين. وراء كل اسم سجل ناقص، وعائلة لا تعرف إن كان الغائب حيًا أو ميتًا، وأحيانًا سنوات من البحث بين شهادات متضاربة ومعلومات غير مكتملة. وقد يمثل موقع محدد خطوة حاسمة نحو معرفة المصير، سواء احتوى على رفات أو وثائق أو آثار تساعد في اختبار رواية عن الاعتقال أو الوفاة.

يتطلب البحث عن المفقودين نظامًا يحفظ المعلومات منذ لحظة العثور عليها. فالعثور على رفات بشرية لا يكفي وحده للتعرف إلى صاحبها؛ إذ تتوقف النتيجة على مكان العثور عليها، والظروف المحيطة بها، وسلامة جمع العينات، وإمكان مقارنتها ببيانات العائلات. وإذا ضاعت هذه المعلومات أو اختلطت، فقد يبقى التعرف إلى الضحية متعذرًا حتى بعد العثور على الرفات.

ومن هنا، لا تنفصل إدارة الأنقاض عن حق العائلات في معرفة مصير المفقودين. إنها جزء من البنية التي تجعل هذا الحق قابلًا للتحقق، إلى جانب مؤسسات البحث والتوثيق والطب الشرعي والقضاء. وأي سياسة للإعمار تتجاهل هذا الترابط تخاطر بتحويل المواقع التي يمكن أن تقدم إجابات إلى أماكن يستحيل استنطاقها.

يقترح التقرير وضع سياسة وطنية واضحة لإزالة الركام، وتحديد مسؤوليات الجهات الحكومية والمحلية والقضائية والفنية، وإنشاء آلية تنسيق بين المؤسسات المعنية بالأشغال العامة والعدل والداخلية والصحة والنيابة العامة. كما يدعو إلى إدراج تقييم المخاطر والتوثيق في البرامج التي تنفذها الجهات الدولية، بما يضمن عدم فصل تمويل الإزالة عن واجبات حماية الأدلة.

ويحتاج تطبيق هذه التوصيات إلى إجراءات قابلة للمراجعة: تسجيل المواقع قبل بدء العمل، وتحديد الجهة المسؤولة عن تقييمها، وتوثيق عمليات جمع الرفات ونقلها، وحفظ سجل واضح للمواد التي قد تكون ذات قيمة جنائية، وإتاحة رقابة مستقلة على المواقع الحساسة. وينبغي أن تكون الاستثناءات المرتبطة بالخطر المباشر محددة وموثقة، مع الحفاظ على أكبر قدر ممكن من المعلومات في ظروف الطوارئ.

وتتحمل الجهات المانحة جانبًا من المسؤولية العملية. فالمشاريع الممولة دوليًا تستطيع اشتراط وجود خطط واضحة لإدارة المواقع الحساسة، والتأكد من تدريب الفرق المنفذة، وتخصيص الموارد اللازمة للتوثيق والفحص. وبهذا لا تبقى حماية الأدلة رهينة تفاوت الإمكانات بين بلدية وأخرى، أو اعتمادها على مبادرة فردية من موظف أو مقاول.

حتى الآن، يطرح تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان إطارًا للتحذير والوقاية والتعامل القانوني؛ ولا يكفي وحده لإثبات وقوع إتلاف متعمد للأدلة في موقع سوري محدد. ويتطلب إثبات ذلك تحقيقًا ميدانيًا يوثق المواقع والقرارات والجهات التي نفذت الأعمال، ويحدد ما فُقد بالفعل وما كان يمكن حفظه.

ستُقاس قدرة سوريا على التعافي بمدى نجاحها في إعادة الخدمات والسكن وفرص العمل إلى مناطق أنهكتها الحرب. وستُقاس أيضًا بقدرتها على بناء مؤسسات تتعامل مع الماضي بوصفه ملفًا عامًا يستحق المعالجة، لا عبئًا ينبغي التخلص منه كي تبدأ الحياة من جديد.

لا تتعارض هذه المهمة مع إعادة الإعمار. فحماية الأدلة تتيح تحقيقات أكثر موثوقية، والتعامل المنظم مع الرفات يحفظ كرامة الضحايا وحقوق ذويهم، وتحديد المسؤوليات يقلل مخاطر القرارات المرتجلة. وتحتاج هذه النتائج إلى تخطيط وتمويل وخبرات متخصصة، مثلما تحتاج أعمال البناء إلى المهندسين والمعدات والمواد.

المشكلة أن إزالة الأنقاض قرار سريع الأثر، بينما تظهر نتائج فقدان الأدلة بعد سنوات، حين تتعثر قضية قضائية أو تتضاءل فرص التعرف إلى مفقود. وما يُفقد في تلك اللحظة قد لا يكون قابلًا للاسترداد بأي تكلفة.

تستطيع سوريا أن تفتح طرقها وتعيد بناء أحيائها، وأن تمنح سكانها فرصة العودة إلى حياة طبيعية. لكن نجاح هذه العملية سيظل ناقصًا إذا اختفت، في الطريق إليها، المعلومات التي تساعد العائلات على معرفة مصير أبنائها، والقضاء على فحص الجرائم، والمجتمع على فهم ما جرى.

الركام عقبة أمام الحياة، وقد يكون في الوقت نفسه آخر ما بقي من أدلة على ما حدث. والتعامل مع هاتين الحقيقتين معًا هو الاختبار الذي ينبغي أن تنجح فيه إعادة الإعمار.


يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية