ألغت الولايات المتحدة رسمياً تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب، في خطوة تنفذ قراراً اتخذته إدارة الرئيس دونالد ترامب بعد مراجعة سجل الحكومة السورية في مجال مكافحة الإرهاب، وتأتي في إطار تعهد الرئيس الأميركي بتخفيف العقوبات عن سوريا ودعم استقرارها السياسي والاقتصادي.
وكان ترامب قد وجّه في 8 يوليو/تموز 2026 شهادة رسمية إلى الكونغرس بشأن إلغاء تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب، مؤكداً أن الحكومة السورية لم تقدم أي دعم لأعمال الإرهاب الدولي خلال الأشهر الستة السابقة، وأنها قدمت ضمانات بأنها لن تدعم أعمال الإرهاب الدولي في المستقبل.
وجاءت شهادة ترامب وفقاً للمادة 1754(c)(4) من قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2019، وبعد مراجعة سجل سوريا في مجال الإرهاب منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، بما في ذلك التقارير الاستخبارية والضمانات التي تلقتها الولايات المتحدة من الحكومة السورية. وخلص وزير الخارجية الأميركي، وفق الوثيقة، إلى أن سوريا استوفت الشروط المطلوبة لإلغاء التصنيف.
وكانت سوريا قد صُنفت دولةً راعيةً للإرهاب في 29 ديسمبر/كانون الأول 1979 بسبب دعمها منظمات إرهابية دولية، بما في ذلك إيواء منظمات إرهابية وتسهيل أنشطتها، وفق مذكرة التبرير التي أرفقها البيت الأبيض بشهادة الرئيس.
وقالت وزارة الخزانة الأميركية إن إلغاء التصنيف يأتي تنفيذاً لتعهد ترامب بتخفيف العقوبات عن سوريا، وإن الإجراءات ستساعد على تعزيز مزيد من الاستثمار في البلاد لدعم الاستقرار السياسي والاقتصادي.
لماذا قررت واشنطن إلغاء التصنيف؟
لا يقدم قرار الإلغاء نفسه النتيجة فقط، بل تكشف وثيقة البيت الأبيض الأساس الذي استندت إليه الإدارة الأميركية في اتخاذه.
وقالت المذكرة إن سوريا اتخذت خطوات «للابتعاد بالكامل عن الإرهاب الدولي»، واتخذت إجراءات ضد منظمات وأنشطة إرهابية تعمل على أراضيها.
وأشارت الوثيقة إلى أن الحكومة السورية أعلنت في 29 يناير/كانون الثاني 2025 حل هيئة تحرير الشام والجماعات المتحالفة معها، وتعيين زعيم الهيئة أحمد الشرع رئيساً لسوريا. كما أشارت إلى أن وزارة الخارجية الأميركية أزالت هيئة تحرير الشام من قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية في 8 يوليو/تموز 2025، وأن الرئيس أحمد الشرع أزيل من قائمة الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
وأضافت المذكرة أن سوريا انضمت في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إلى التحالف الدولي لهزيمة تنظيم داعش، وتعاونت في عدة مناسبات مع الجيش الأميركي لمواجهة تهديدات محددة للتنظيم.
كما قالت إن الحكومة السورية، منذ 29 يناير/كانون الثاني 2025، أنهت تعاونها السابق مع إيران والميليشيات المرتبطة بها، واتخذت في مايو/أيار 2026 خطوات لاعتراض شبكات التهريب والحد من إعادة دخول جماعات مثل حزب الله إلى البلاد.
وأشارت إلى أن السلطات السورية استهدفت خلايا لحزب الله وأحبطت مخططاته في سوريا منذ بدء عملية Epic Fury، كما اعتقلت مسلحين مرتبطين بتنظيم داعش عقب هجوم كنيسة مار إلياس في 22 يونيو/حزيران 2025، وأحبطت محاولات تهريب مرتبطة بحزب الله، وزادت الضغط على التنظيمات الفلسطينية المسلحة، بما في ذلك إغلاق مكاتب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة.
الضمانات السورية التي سبقت القرار
وقالت المذكرة إن التواصل المباشر مع الحكومة السورية أتاح للولايات المتحدة الحصول على ضمانات، وُقعت في 12 يونيو/حزيران 2026، بشأن التزام سوريا بالتخلي عن الإرهاب الدولي.
وبموجب تلك الضمانات، أكدت سوريا التزامها بالتعاون في مكافحة الإرهاب، وإدانة جميع الأعمال الإرهابية بمختلف أشكالها، وأي عمل يشجع أو يدعم أو يمول أو يتستر على أي عمل إرهابي.
كما تعهدت الحكومة السورية بعدم دعم أي أعمال إرهابية دولية في المستقبل، ومنع استخدام الأراضي السورية لتنظيم أو تمويل أو تنفيذ أعمال إرهابية في أي دولة أخرى، بما فيها الولايات المتحدة.
وتعهدت سوريا أيضاً بالالتزام بالتزاماتها المتعلقة بعدم الانتشار ونزع السلاح، ومواصلة العمل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لتحديد وتدمير أي أسلحة كيميائية ومواد مرتبطة بها لا تزال موجودة في سوريا، واتخاذ إجراءات لمنع تطوير أو انتشار الأسلحة البيولوجية.
كما تعهدت بعدم المساعدة في التخطيط أو التمويل أو دعم أنشطة تنظيم القاعدة أو داعش أو حماس أو الجهاد الإسلامي الفلسطيني أو أي من فروع هذه التنظيمات أو أي منظمة إرهابية أخرى، وبالتعاون مع الولايات المتحدة لتعطيل أنشطة تلك التنظيمات أو فروعها في سوريا.
وتضمنت الضمانات أيضاً التزام سوريا باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع انتشار الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والنووية، ومواصلة التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاقات الدولية ذات الصلة بعدم الانتشار.
وفي الضمانات الموقعة في 12 يونيو/حزيران، تعهدت الحكومة السورية كذلك بتطبيق قوانينها وأنظمتها الخاصة بمكافحة الإرهاب، ومراقبة المسؤولين والموظفين والمتعاقدين والعسكريين والتحقيق معهم وملاحقة من يثبت دعمهم للإرهابيين.
كما التزمت سوريا بتطبيق معايير مجموعة العمل المالي (FATF) والتزامات الأمم المتحدة المتعلقة بمكافحة تمويل الإرهاب، والتعاون في تنفيذ العقوبات الأميركية الخاصة بمكافحة الإرهاب واتخاذ التدابير المناسبة لتطبيق العقوبات المقابلة محلياً.
البيت الأبيض: لا دليل موثوق على استمرار الدعم للإرهاب
وفي خلاصة مراجعتها، قالت الإدارة الأميركية إنه لا توجد في ذلك الوقت أدلة موثوقة على استمرار دعم سوريا للإرهاب الدولي، وإن هناك أساساً كافياً لشهادة الرئيس أمام الكونغرس بأن الحكومة السورية لم تقدم دعماً لأعمال الإرهاب الدولي خلال الأشهر الستة السابقة.
وقالت المذكرة إن وزارة الخارجية ترى أن محاولات الحكومة السورية دمج إرهابيين ومنظمات إرهابية مصنفة في مؤسساتها الحكومية والعسكرية لا تشكل دعماً لأعمال الإرهاب الدولي، لأن نية الحكومة، وفق التقييم الأميركي، كانت تفكيك هؤلاء الإرهابيين وإعادة تأهيلهم ومنعهم من تنفيذ أعمال إرهابية دولية.
وأضافت أنه لا توجد أدلة موثوقة على أن الحكومة السورية قدمت خلال الأشهر الستة السابقة دعماً مادياً أو خدمات أو معلومات غير عامة أو موارد لتنظيم القاعدة أو داعش أو حماس أو الجهاد الإسلامي الفلسطيني أو فروع هذه الجماعات أو أي منظمة إرهابية أخرى.
لكن المذكرة أبقت الباب مفتوحاً أمام إعادة التصنيف، إذ قالت إنه إذا ظهرت في أي وقت أدلة موثوقة على تقديم سوريا مستقبلاً دعماً لأعمال الإرهاب الدولي، فيمكن لوزير الخارجية إعادة تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب.
وبموجب الإجراءات القانونية، أتاحت شهادة الرئيس للكونغرس فترة مراجعة مدتها 45 يوماً، وبعد انتهائها أصبح بإمكان وزير الخارجية إلغاء تصنيف سوريا رسمياً. وقالت المذكرة إن إلغاء التصنيف سيدعم أهداف التشريعات الخاصة بالدول الراعية للإرهاب، ويوضح لسوريا فوائد التعاون مع المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، في مكافحة الإرهاب الدولي.
الخزانة الأميركية تنفذ الإلغاء
بعد استكمال المسار القانوني، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية رسمياً إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الوزارة «تفي بوعد الرئيس ترامب بمنح الشعب السوري فرصة»، مضيفاً أن الإجراءات «ستساعد على تعزيز مزيد من الاستثمار في سوريا لدعم الاستقرار السياسي والاقتصادي».
ويزيل القرار مجموعة من القيود القانونية المرتبطة تحديداً بصفة «الدولة الراعية للإرهاب»، بما يخفف أحد مصادر المخاطر القانونية التي تواجه المؤسسات المالية والشركات عند التعامل مع سوريا.
ماذا ألغت واشنطن فعلياً؟
لا يتعلق القرار بمجرد تغيير في التسمية السياسية، بل يترتب عليه أثر قانوني مباشر؛ فلم تعد سوريا خاضعةً للقيود المنصوص عليها في لوائح العقوبات الخاصة بالحكومات المدرجة على قائمة الإرهاب، أو للحظر المرتبط بهذا التصنيف بموجب التشريع الأميركي.
ومن شأن ذلك أن يوسع المجال أمام الشركات والمؤسسات المالية لتقييم فرص التعامل والاستثمار في سوريا، ويزيل عائقاً قانونياً مهماً أمام التجارة وتمويل المشاريع وإعادة الإعمار.
لكن القرار لا يعني رفع جميع العقوبات الأميركية عن سوريا، ولا يعني أن كل شخص أو كيان سوري أصبح بمنأى عن العقوبات الأميركية. فما زالت واشنطن تحتفظ بصلاحيات لاستهداف أفراد وكيانات وفق أطر عقابية أخرى.
وهذا التفريق أساسي: الولايات المتحدة ألغت تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، لكنها لم تتخلَّ عن أدوات العقوبات الموجهة ضد أشخاص وكيانات ترى أنها مرتبطة بالإرهاب أو بأنشطة أخرى محظورة.
هيئة تحرير الشام تخرج من قوائم الإرهاب
وبالتزامن مع إلغاء تصنيف سوريا، ألغت وزارة الخارجية الأميركية تصنيف جبهة النصرة، المعروفة أيضاً باسم هيئة تحرير الشام (HTS)، كمنظمة إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص (SDGT).
كما أزال مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة (OFAC) هيئة تحرير الشام من قائمة المواطنين المعينين بشكل خاص والأشخاص المحظورين (SDN).
وبموجب القرار، لم تعد هيئة تحرير الشام محظورة وفق لوائح عقوبات الإرهاب العالمي، 31 CFR الجزء 594، أو الأمر التنفيذي 13224 وتعديلاته.
وقالت الخزانة إن الأشخاص الأميركيين لم يعودوا بحاجة إلى الحصول على ترخيص من OFAC لإجراء معاملات أو أنشطة مع هيئة تحرير الشام، شرط ألا تتضمن تلك المعاملات أشخاصاً محظورين أو أنشطة محظورة لأسباب أخرى.
ويأتي ذلك بعد أن ألغت وزارة الخارجية الأميركية في يوليو/تموز 2025 تصنيف هيئة تحرير الشام منظمةً إرهابية أجنبية.
لماذا أُلغيت الرخصة العامة 25؟
كان لإزالة هيئة تحرير الشام من قوائم العقوبات أثر قانوني آخر.
فقد أصبحت الرخصة العامة 25 الخاصة بسوريا (GL 25) غير ضرورية، ولذلك ألغتها OFAC.
وكانت الرخصة تسمح ببعض المعاملات التي كان يمكن أن تكون محظورة بسبب دور هيئة تحرير الشام في الحكومة السورية. ومع إزالة الهيئة من قوائم العقوبات ذات الصلة، لم يعد الإطار الاستثنائي الذي وفرته الرخصة مطلوباً.
كما حدّث مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأسئلة الشائعة 1220 و1221 و1222 المتعلقة بسوريا، وأزال السؤال 1223.
وفي خطوة موازية، أصدرت وزارات التجارة والخزانة والخارجية الأميركية نسخة محدثة من الإرشاد الثلاثي المشترك بشأن تخفيف العقوبات وضوابط التصدير الخاصة بسوريا.
رفع القيود لا يعني نهاية مكافحة الإرهاب
وفي الوقت الذي تزيل فيه واشنطن هيئة تحرير الشام من قوائم الإرهاب والعقوبات ذات الصلة، أكدت وزارة الخزانة أن القرار لا يغير موقفها من مكافحة الإرهاب العالمي أو التزامها بمحاسبة من تصفهم بـ«الجهات السيئة» في سوريا.
وبالتزامن مع إزالة هيئة تحرير الشام من تصنيف «الإرهابي العالمي المصنف بشكل خاص»، فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية عقوبات على شخصين من المنتسبين السابقين إليها، قالت الوزارة إنهما يواصلان دعم تنظيم القاعدة وحراس الدين.
وقالت الخزانة إن هذين الإجراءين يضمنان اتخاذ التدابير المناسبة لمواجهة تهديدات تمويل الإرهاب، وحماية استقرار سوريا وأمنها.
وبذلك، تجمع السياسة الأميركية الجديدة بين رفع القيود عن سوريا كدولة واستمرار استهداف أفراد وكيانات محددة عندما ترى واشنطن أنها تمثل تهديداً إرهابياً أو تشارك في تمويل الإرهاب.
روبيو: اعتراف بخطوات الحكومة السورية
وفي بيان منفصل، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن إلغاء تصنيف سوريا جاء «اعترافاً بالإجراءات الإيجابية والتعهدات الإضافية» التي اتخذتها الحكومة السورية في عهد الرئيس أحمد الشرع، بهدف الابتعاد بالكامل عن أعمال الإرهاب الدولي.
Today, I formally rescinded Syria’s designation as a State Sponsor of Terrorism. This action unlocks new potential for Syria’s economic revitalization and progress. The Trump Administration continues to advance U.S. national security to achieve peace, prosperity, and security in…
— Secretary Marco Rubio (@SecRubio) August 24, 2026
وأشار روبيو إلى أن الحكومة السورية اتخذت، خلال العام الماضي، خطوات قال إنها مهمة في مكافحة الإرهاب، من بينها الانضمام رسمياً إلى التحالف الدولي لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في نوفمبر/تشرين الثاني، وتنفيذ عمليات ضد شبكات مرتبطة بتنظيم الدولة والقاعدة وحزب الله اللبناني وجماعات متحالفة مع إيران.
وقال روبيو إن إدارة ترامب اتخذت خلال العام الماضي خطوات غير مسبوقة لتخفيف العقوبات عن سوريا لمصلحة الشعب السوري، وإن إلغاء تصنيفها دولةً راعيةً للإرهاب يزيل آخر العوائق الرئيسية أمام استثمارات القطاع الخاص في البلاد.
ووصف القرار بأنه خطوة تاريخية أخرى في مسار ترامب لمنح الشعب السوري طريقاً نحو الازدهار، ودعم تعافي الاقتصاد السوري وتسهيل إعادة اندماج سوريا في الاقتصاد العالمي.
ويعطي تصريح روبيو القرار بعداً سياسياً واضحاً، إذ تربط الإدارة الأميركية تخفيف القيود بما تصفه بالتزامات الحكومة السورية وسلوكها في ملف مكافحة الإرهاب، وليس بمجرد تغيير منفصل في السياسة الأميركية تجاه دمشق.
باراك: من العزلة إلى الشراكة
ووصف توم باراك، المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق والسفير الأميركي لدى تركيا، القرار بأنه «محطة تاريخية أخرى» في رؤية ترامب الجريئة لمنح سوريا فرصة.
Another historic milestone in @POTUS’s bold vision to give Syria a chance. Today, @SecRubio formally rescinded Syria’s designation as a State Sponsor of Terrorism — another decisive step in Syria’s remarkable journey from isolation to partnership, and from a source of terrorism…
— Ambassador Tom Barrack (@USAMBTurkiye) August 24, 2026
وقال باراك إن إلغاء التصنيف يمثل «خطوة حاسمة أخرى في رحلة سوريا الاستثنائية من العزلة إلى الشراكة، ومن مصدر للإرهاب إلى شريك ملتزم في الحرب العالمية على الإرهاب».
وقال إن هذا التصنيف ظل لفترة طويلة بمثابة «جدار آخر» يفصل الشعب السوري عن الاستثمار وريادة الأعمال والفرص اللازمة لإعادة بناء بلاده.
وأضاف: «اليوم يسقط جدار آخر. يمكن لرأس المال أن يحل محل الصراع، وريادة الأعمال أن تحل محل العزلة، ويمكن للتجارة أن تستمر في الانتصار على الفوضى».
وقال باراك إن القرار لا يمثل مجرد إزالة لتصنيف، بل يشكل «حجر أساس آخر» في علاقة أميركية-سورية جديدة مبنية على المصالح المشتركة والأمن المتبادل والازدهار المشترك.
ووصف الخطوة بأنها مثال آخر على تحول رؤية ترامب، التي تقوم على «الأمن أولاً، ثم الازدهار»، إلى واقع، مضيفاً: «وعود قُطعت، ووعود تم الوفاء بها. لقد مُنحت سوريا فرصة، والآن يكمن العمل في تحويل هذه الفرصة إلى سلام وازدهار دائمين».
ترامب يعيد نشر رسالة الشيباني
وفي إشارة سياسية لافتة إلى مستوى التحول في العلاقة بين واشنطن ودمشق، أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نشر منشور سابق لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني على حسابه في منصة Truth Social.
وكان الشيباني قد نشر رسالته في يوليو/تموز، في أعقاب الإعلان الأميركي الأول عن بدء إجراءات إلغاء تصنيف سوريا، موجهاً الشكر إلى ترامب ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وتوم باراك وكل من ساهم في القرار.
وفي المنشور، وصف الشيباني إلغاء التصنيف بأنه خطوة تغلق «صفحة سوداء» في تاريخ سوريا، في إشارة إلى التصنيف الذي فرضته الولايات المتحدة عام 1979.
وجاءت إعادة نشر ترامب للرسالة بعد دخول الإلغاء الرسمي للتصنيف حيز التنفيذ، وبعد اكتمال فترة المراجعة القانونية التي أُتيحت للكونغرس، ما منح الخطوة دلالة سياسية تتجاوز مجرد التفاعل البروتوكولي بين مسؤولين.
وتنسجم هذه الإشارة مع اللغة التي استخدمها المسؤولون الأميركيون في وصف التحول؛ فوزارة الخزانة ركزت على الاستثمار والاستقرار الاقتصادي، وروبيو تحدث عن إزالة العوائق أمام القطاع الخاص، بينما وصف باراك المسار بأنه انتقال من «العزلة إلى الشراكة».
ماذا يعني القرار للاقتصاد السوري؟
تكمن أهمية القرار الاقتصادية في إزالة أحد العوائق القانونية التي كانت تزيد تعقيد التعامل مع سوريا بالنسبة إلى البنوك والشركات والمؤسسات المالية الدولية.
ومن شأن إزالة تصنيف «الدولة الراعية للإرهاب» أن تمنح المؤسسات المالية والشركات مجالاً أوسع لتقييم فرص الاستثمار والتجارة وتمويل مشاريع إعادة الإعمار، من دون القيود المرتبطة بهذا التصنيف تحديداً.
لكن ذلك لا يعني أن الاستثمارات ستتدفق تلقائياً إلى سوريا أو أن الاقتصاد السوري سيشهد تحولاً فورياً.
فالانتقال من الانفراج القانوني إلى استثمارات فعلية سيعتمد أيضاً على الاستقرار السياسي والأمني، والبيئة القانونية والمصرفية، وقدرة المؤسسات السورية على إعادة الاندماج في النظام المالي والاقتصادي العالمي.
ولهذا، فإن القيمة العملية للقرار ستقاس في المرحلة المقبلة بمدى تحوله من إزالة عائق قانوني إلى تدفقات فعلية في الاستثمار والتجارة والتمويل وإعادة الإعمار.
وفي هذا السياق، قال روبيو إن إلغاء التصنيف يزيل «آخر العوائق الرئيسية» أمام استثمارات القطاع الخاص في سوريا، بينما قالت وزارة الخزانة إن الإجراء سيساعد على تعزيز مزيد من الاستثمار لدعم الاستقرار السياسي والاقتصادي.
نهاية تصنيف عمره نحو نصف قرن
أُدرجت سوريا على قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب عام 1979، وظلت على القائمة حتى القرار الحالي.
وبخروج سوريا، تبقى كوبا وإيران وكوريا الشمالية الدول الثلاث المدرجة على القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب.
لكن أهمية القرار بالنسبة إلى سوريا تتجاوز مجرد إزالة اسم من قائمة أميركية.
فواشنطن أزالت التصنيف الذي وضع البلاد لعقود ضمن إطار قانوني شديد القيود، وأخرجت هيئة تحرير الشام بالتوازي من قوائم الإرهاب والعقوبات ذات الصلة، وألغت الرخصة العامة التي كانت تنظم بعض المعاملات المرتبطة بدورها في الحكومة السورية.
وفي المقابل، أبقت الولايات المتحدة على أدواتها لمعاقبة أفراد وكيانات ترى أنهم مرتبطون بالإرهاب أو تمويله أو بأنشطة محظورة أخرى.
وبذلك، فإن القرار لا يعني رفع كل العقوبات عن كل السوريين، لكنه يمثل تحولاً أساسياً في التعامل مع سوريا كدولة: من دولة مصنفة راعية للإرهاب إلى دولة تقول واشنطن إنها تريد منحها فرصة للانتقال من العزلة إلى الشراكة، ومن الانغلاق الاقتصادي إلى إعادة الاندماج.
وفي المقابل، فإن هذا التحول لا يعفي دمشق من الاختبارات التي تربط واشنطن بها استمرار الانفتاح، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب والوفاء بالتعهدات التي قالت الإدارة الأميركية إن قرار الإلغاء جاء اعترافاً بها.
وهكذا تتقاطع الرسائل الأميركية والسورية في نقطة واحدة: واشنطن تتحدث عن الانتقال من العزلة إلى الشراكة، ودمشق تتحدث عن إغلاق صفحة سوداء من تاريخ البلاد، فيما أعاد ترامب نفسه نشر الرسالة السورية على منصته الشخصية في اليوم الذي اكتمل فيه القرار.
ويبقى الاختبار الحقيقي في المرحلة المقبلة: هل يتحول هذا الانفتاح السياسي والانفراج القانوني إلى استثمارات وتجارة وتمويل وإعادة إعمار على الأرض، أم يبقى التحول الأكبر حتى الآن في مستوى العلاقة بين واشنطن ودمشق؟






ماهر حمصي