
كثرة البهايم عملت للتبن سعر.
جملة تصلح لأن تُعلَّق اليوم فوق أبواب كثيرة، من غرف الأخبار إلى صفحات المشاهير، مروراً بكل حساب اكتشف صاحبه ذات صباح أنه يمتلك مفتاحاً سرياً لفهم العالم. يكفي أن تفتح هاتفك حتى تجد من يفكك قراراً دولياً وهو لم يعرف من السياسة إلا ما حفظه من نشرات المساء، ومن يشرح الاقتصاد بطمأنينة موظف خزينة وهو لا يميز بين سعر الفائدة وسعر كيلو البندورة، ومن يتحدث عن الجيوش وتحركاتها وكأنه أمضى حياته داخل غرف العمليات، بينما أقصى معاركه كانت مع كلمة مرور حسابه.
الأمر المدهش أن أحداً لا يبدو مستعجلاً للسؤال عن المؤهلات. لا أحد يريد أن يعرف أين درس صاحب الرأي، ولا كم سنة أمضاها في المجال، ولا ما الذي أنجزه حتى صار فجأة مرجعاً في شؤون الدول والشعوب والحروب. يكفي أن تكون لديك صفحة عليها عدد محترم من المتابعين، وأن تضع صورة شخصية ذات ملامح متأملة، وأن تتحدث ببطء يوحي بأنك تزن كل كلمة قبل إطلاقها. بعدها تستطيع أن تدخل أي موضوع من بابه الكبير، حتى لو كنت قد سمعت عنه للمرة الأولى قبل ربع ساعة.
وهناك طقس لا غنى عنه: خبر عاجل، ثم صورة، ثم تعليق من صاحبنا. لا ينتظر التفاصيل، ولا البيان الرسمي، ولا حتى اكتمال الجملة في الخبر. يكتب فوراً: «الأمر أبعد من ذلك»، ثم يبدأ في سرد ما وراء الخبر، وما وراء ما وراء الخبر، وما دار في الكواليس، وما تريده العواصم، وما تخشاه القوى الكبرى، وما ستفعله خلال الأيام المقبلة. وحين تنتهي القراءة، يكون الحدث نفسه قد اختفى تحت طبقات من التخمينات التي قُدمت بلهجة من كان واقفاً إلى جوار صانع القرار.
أما المصادر، فتلك حكاية أخرى. «مصادر مطلعة» جملة عظيمة؛ فهي تتيح لك معرفة كل شيء من دون أن تضطر إلى معرفة أحد. مصدر مطلع أخبره، وشخص قريب من الدوائر أكد له، ومعلومات خاصة وصلت إليه. أين الوثيقة؟ لا تسأل. من المصدر؟ لا تسأل. كيف عرف؟ لا تفسد جمال المشهد بالتفاصيل. يكفي أن يكتب الرجل «بحسب معلوماتي» حتى يكتسب كلامه تلك الهالة الغامضة التي تجعل بعض القراء يتعاملون معه كأنه يحمل حقيبة دبلوماسية تحت الطاولة.
والأجمل حين يكتشف أحدهم أن كلامه السابق لم يحدث. هنا تظهر مرونة المهنة. لا أحد يتراجع، وإنما تتغير الصياغة. ما كان «مؤكداً» يصبح «أحد الاحتمالات». وما كان «قراراً وشيكاً» يصبح «اتجاهاً داخل دوائر القرار». وما قيل بثقة مطلقة يتحول، بعد أن يصفعه الواقع، إلى «قراءة في ضوء المعطيات المتاحة آنذاك». ثم يأتي حدث جديد، فيستعيد الرجل نبرته القديمة، وينظر إلى الكاميرا أو الهاتف كما لو أنه لم يقل شيئاً قط.
والذاكرة العامة تساعده كثيراً. الناس مشغولة بما حدث هذا الصباح، ومن الصعب أن تجد من يعود إلى منشور كتبه الخبير قبل ستة أشهر ليسأله عن تلك النبوءة التي ماتت في مهدها. وحتى لو وجدته، فقد يكون صاحبنا قد حذفها، أو عدلها، أو أغلق التعليقات، أو اكتشف أن المشكلة كلها كانت في «سوء فهم السياق». الإنترنت واسع، والذاكرة أضيق مما ينبغي، والخبير يعرف هذه الحقيقة أكثر مما يعرف الموضوع الذي يتحدث عنه.
ثم هناك ذلك النوع الذي يكتب عن كل شيء. يستيقظ في الصباح فيناقش الانتخابات، وبعد الظهر يشرح العقوبات الاقتصادية، وفي المساء يحلل ميزان القوى، وقبل أن يخلد إلى النوم يعطي رأيه في علم الاجتماع. لا يبدو أن شيئاً اسمه اختصاص قد وصل إلى مسامعه. التخصص، بالنسبة إلى هذا الكائن، ربما يكون مرضاً يصيب من يضيقون على أنفسهم أبواب المعرفة. أما هو فقد اختار أن يكون واسع الأفق إلى درجة لا يرى معها أي سبب يجعله يتوقف عند حدود ما يعرف.
تستمع إلى صاحب الاختصاص الحقيقي فتراه حذراً على نحو يثير الملل. يفرق بين الوقائع والتقديرات، يذكر ما يعرف وما لا يعرف، يستشهد بالمصادر، ويترك الباب مفتوحاً لاحتمال أن يخطئ. ثم تنتقل إلى صاحب المنصة، فتجد اليقين كاملاً، والنتيجة جاهزة، والخصوم أغبياء، والمستقبل مكشوفاً أمامه حتى آخر الصفحة. لا يتردد لحظة؛ والتردد، في سوق الاستعراض، قد يفسد صورة العبقري.
لذلك صار من الممكن أن تكون أقل الناس معرفة بالموضوع وأكثرهم حضوراً فيه. يكفي أن تكون جريئاً في إطلاق الأحكام. المعرفة تفرض على صاحبها بعض الحرج، أما الجهل فلا يفرض شيئاً. العالم يتوقف عند المعلومة الناقصة، والمتشدق يرى فيها مساحة ممتازة لكتابة منشور من ألف كلمة.
وقد لا تكون المشكلة في صاحب المنشور وحده. هناك جمهور يحب هذا النوع من الكلام؛ جمهور يريد تفسيراً سريعاً لعالم لا يمنح تفسيراً سريعاً، ويريد أن يعرف من المنتصر قبل أن تبدأ المباراة، ومن الخائن قبل أن تظهر الوقائع، وما الذي سيحدث غداً قبل أن ينتهي اليوم. القراءة الطويلة متعبة، والبحث مزعج، والاعتراف بعدم المعرفة غير مريح. أسهل كثيراً أن تجد شخصاً يضع لك العالم في ثلاث فقرات، ويقسم لك الناس إلى أخيار وأشرار، ثم يغلق الملف بابتسامة الواثق.
وبين هذا كله، يصبح الرجل مشهوراً لأنه مشهور. تكرار ظهوره يمنحه سلطة، والسلطة تمنحه مزيداً من الظهور، ثم يأتي عدد المتابعين شاهداً على أهميته، ويأتي حجم التفاعل دليلاً آخر على أهمية ما يقول. دائرة مكتملة لا تحتاج إلى معرفة كي تستمر. يكفي أن يتعرف الناس إلى الوجه حتى ينسوا السؤال القديم: ماذا قال هذا الرجل فعلاً؟
«حين يرفض الكاتب تقديم الحلول الجاهزة، فإنه يحترم ذكاء القارئ ويرفض معاملته كقاصر. إنه يرمي الحجر في الساكن، ويترك الدوائر تتسع، مدركاً أن الوعي يبدأ حين ينظر الإنسان في المرآة ليكتشف الخدعة بنفسه».
وفي النهاية، ليست الكارثة أن يكون في الدنيا من يجهل. الجهل قديم، وسيظل موجوداً، ولا يحتاج إلى مؤتمر صحفي. الكارثة أن يتحول الجهل إلى مهنة، وأن يجد من يصفق له، وأن يصبح صاحب أعلى صوت أكثر حضوراً من صاحب أعمق معرفة، وأن تُعامل الثقة بالنفس كأنها بديل عن سنوات الدراسة والتجربة.
عندها فقط نفهم لماذا صار للكلام الفارغ جمهور، وللرأي العابر وزن، وللثقة المصطنعة هيبة، ولماذا يستطيع شخص لم يختبر شيئاً في حياته أن يقف ليشرح للناس كيف تُدار الدول.
كثرة البهايم عملت للتبن سعر.





ماهر حمصي