التغريبة السورية ..لـ : محمد قجّة

ماذا لو حذفنا نقطة من التغريبة ، أو قلبناها لتغدو التشريقة

محمد قجّة
أديب سوري

التغريبة السورية
1
– تعني كلمة “التغريبة”التوجه غربا . وهناك أمثلة تاريخية كثيرة على ذلك بأسبابها المتباينة ونتائجها المختلفة . 
2 – ولكن كلمة التغريبة أخذت دﻻلة معينة في التراث الشعبي المرتبط بالذاكرة التاريخية الجمعية . وأعني بذلك ” تغريبة بني هلال” في القرن الحادي عشر للميلاد .
وارتبطت هذه التغريبة بأسماء صار لها بعد أسطوري مثل ( أبو زيد الهلالي. ذياب بن غانم . الزناتي خليفة ) .
وكان سبب التسمية أن بعض القبائل العربية مثل بني هلال وبني سليم وبني رياح .. قد اتجهت غربا من أماكن تجمعها في صعيد مصر . وهيأ لها الوزير الفاطمي “اليازوري”سبل عبور النيل والتوجه غربا نحو “القيروان”عاصمة” بني زيري” في تونس الذين كانوا في خﻻف وصراع مع الدولة الفاطمية في القاهرة .
3 – واليوم نشهد “التغريبة السورية” .ولكنها بشكل مختلف يفوق أي تصور .
ملايين غادروا وطنهم ومدنهم وبيوتهم قسرا وتهجيرا ؛ أو هربا من ظروف معيشية ﻻ تحتمل ؛ أو بحثا عن مصدر رزق بعد انقطاع أرزاقهم نهبا أو تدميرا أو ضياعا .
قوافل يواكبها الإذﻻل برا والغرق بحرا .. يمضون وأطفالهم على ظهورهم وأكتافهم .يصارعون الموج . أو يكابدون عبور الحدود قهرا وذﻻ وحقدا وكراهية وجوعا وبردا وحرمانا بين دول ﻻ بد أن يعبروها من شرق أوربا إلى غربها “الموعود” . يتناثرون على اﻷسﻻك وقضبان القطارات ومراكب الموت لكي يصلوا إلى “التغريبة”.
هذا الغرب اﻷوربي العجوز الذي وجد في هؤﻻء الشبان طاقة يجدد بها حيوته . ويدا عاملة خبيرة ومتعلمة جاءته حلالا زلالا بلا أي جهد منه . شبان نموا وترعرعوا في أوطان لم تقدم لهم الحد اﻷدنى من سبل العيش فغادروها مكرهين .


ماذا لو حذفنا نقطة من التغريبة ، أو قلبناها لتغدو التشريقة


4 – أﻻ يحق لنا أن نتساءل : ماذا لو حذفنا نقطة من التغريبة لتصبح “التعريبة” .ولكن الجواب ستكون فيه ضحكة المرارة والسخرية ؛ فالعرب اليوم في أسوأ حاﻻتهم التاريخية . وأبوابهم موصدة بألف قيد ورتاج وتأشيرات مستحيلة . والعرب اﻷغنياء يستعينون بملايين اﻵسيويين . ليس لدى العرب اﻷغنياء ﻻجئ سوري واحد .. والموجودون أصحاب عقود عمل أو خبرات أو أموال .
لقد كانت بلاد الشام عبر تاريخها الجنة التي يقصدها الوراد فتفتح لهم ذراعيها . وﻻ تنصب لهم الخيام وﻻ تسألهم عن جوازات وتأشيرات . وفي الجزيرة العربية مثل شعبي قديم ( الشام شامك لو الدهر ضامك ) . وهذا ما يفسره وجود أسماء ﻷسر مثل : مصري . مغربي .جزائري . يماني .حجازي . مكي .بغدادي .عجمي . أفغاني …) 
5 – وما لو طرحنا تساؤﻻ آخر : أﻻ يمكننا أن نقلب التغريبة لتغدو “التشريقة” . ومرة أخرى سيكون الجواب مريرا . رغم البعد الإسلامي للشرق . ورغم البعد اﻵسيوي الذي يشكل ثلثي سكان العالم .
نحن نريد تشريقة من نوع آخر . هي أن يعود المغتربون السوريون فيتوجهوا شرقا عائدين من مغتربهم الى وطنهم المشرقي . ونخشى أن يكون ذلك بعيدا ؛ ﻷن التجربة علمتنا أن أجيال المغتربين تذوب في مجتعاتها الجديدة . وهي لن تعود إﻻ إذا وفر لها الوطن اﻷصلي ظروف العيش الكريم .

يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية