أبي: “عندما كنت رئيس الأمن العام” .. لـ : منذر مصري

منذر مصري
شاعر وكاتب وفنان سوري

ولدت ونشأت ووعيت على الدنيا، وأنا أسمع أبي شكيب مصري يردد بمناسبة ومن دون مناسبة: “عندما كنت رئيس الأمن العام”! فالابن الوحيد لتاجر الحرير والملح الطرابلسي النازح إلى طرطوس بسبب تشريده لفتاة مسيحية قاصر، وزواجه منها على سنة اللـه ورسوله، ما إن نال شهادة (البكالوريا) من مدرسة اللاييك الفرنسية، حتى قام بأولى ثوراته على الجميع، وتقدم للعمل في سلك الأمن، الأبعد ما يكون عن بيئته وتربيته وصفاته الشخصية! مفتتحًا سلسلة من التمردات على إرادة الأب الصارمة وخططه المعدة لمستقبله بأن يكمل تعليمه ليغدو طبيبًا، أو محاميًا، أو أي مهنة أخرى ترفع الرأس! وصل به تمرده هذا إلى الزواج، من دون رضى أبيه، من معلمة رياضة شابة من أسرة لاذقانية متوسطة الحال مات معيلها باكرًا، جاء تعيينها في مدرسة ابتدائية بالدريكيش، لمحها صدفة مع صديقاتها، ووقع في حبها من أول نظرة، ثم راح يلاحقها ويحاصرها، حتى إنه كان يمضي راكبًا دراجته الهوائية، أمي ذكرت لي هذا، ما يقارب الـ30 كيلومترًا، صعودًا وهبوطًا من طرطوس إلى الدريكيش، ومن الدريكيش إلى طرطوس، لمجرد أن يراها! وعندما أخبرته بأنه من المستحيل أن تبادله عواطفه، لأنها مخطوبة لابن خالتها، كما هو مرسوم لهما منذ الصغر! سافر إلى بيروت في محاولة يائسة لنسيانها، وعاد أشد إصرارًا، ليقول لها: “لم أر سوى وجهك، ينعكس على واجهات المحلات!” ما اضطر (خالدية) في النهاية لأن تقوم بالتمرد المطلوب منها، وتفك خطبتها، وترضخ لإلحاح الشاب الذي نقل وظيفته إلى اللاذقية لأجل أن يكون قريبًا منها! تدرج عمل أبي في السلك، خلال ما يقل عن عشر سنوات، من مرتبة مراقب إلى رئيس شعبة إلى رئيس أمن عام، لكنه منذ عام 1956، ما عاد كذلك! بعد أن اعتقل أمام ناظري، وعمري لم يتجاوز السابعة، المشهد الذي أذكره وكأنه حلم! في طريق عودته للبيت، عند المدخل الغربي لسوق الداية، من قبل ثلاثة عناصر من الشرطة العسكرية، سلمني أحدهم، وكان من معارفنا، المعطف الذي خلعه أبي، صائحًا: “أوصله للبيت بسرعة”. وفي جيبه الداخلي أحد مناشير الحزب السوري القومي، كما أسر لي ذات يوم، وكيف مضى معهم، من دون أدنى مقاومة! بعدها غاب عنا 6 أشهر، “ضيفًا عزيزًا مكرمًا في سجن المزة العسكري”، على حد تعبيره في البطاقة البريدية التي أرسلها لأبيه بعيد إطلاق سراحه، بشبهة انتمائه للحزب السوري القومي، الذي اتهم باغتيال العقيد عدنان المالكي، وليسرح بعد هذا تعسفيًا، كما حدث لجميع المنتمين للحزب. ورغم قوله في البطاقة ذاتها: “لم يثبت عليّ القيام بأي نشاط حزبي”! فهذا لا يعني أنه لم يكن حزبيًّا. فحقيقة أن أبي شكيب مصري قومي سوري، رغم مفارقة الاسم، أقصد كنية الـ(مصري) الدالّة على أصولنا المصرية، يعرفها الداني والقاصي، وما كان لأبي أن يخفيها، وبالعكس، كثيرًا ما سمعته يتباهى بها، تباهيه بأقوال ومواقف وكتب أنطون سعادة، التي لم ألمحه يقرأ يومًا سواها، إضافة لصداقته مع كبار القوميين في المدينة، أمثال عبد العزيز أرناؤوط المنفذ العام للحزب، وفؤاد شواف قديس الحزب! وقاسم شواف صاحب كتاب (الكلمة الصافية) المهدى لأبي بخط يده، والمحامي محمد زغيبة، الحالم، ما زال، بالأمة السورية، وأغلبهم كانوا يزوروننا زيارات عائلية.
هنالك واقعة عامة عرفتها عن أبي، وليس لدي دليل على دقتها، إنه، بصفته رئيسًا للأمن عام باللاذقية، هو من رفع التقرير الرسمي بإلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية عام 1954! التي ثبت أنها تمّت بطريقة: “هات الهوية وخود المية”. إلّا أن الناجحين في الجولة الأولى نجحوا في الثانية! وصب انتقامهم على رافع التقرير بأن نقلوه من اللاذقية إلى حماة! نادرًا ما كان أبي يتحدث أمامي عن وقائع عايشها، أو عن أشخاص عرفهم خلال عمله، ربما لأن الكتمان من طبيعة العمل في الأمن العام! لكنه سمح لنفسه أن يخبرني مرة أنه كان هناك مقعدان محجوزان بشكل دائم له ولأمي في السينما الوحيدة في حماة آنذاك، وكانا حريصين ألّا يفوتا أي فيلم! “في حماة!”، أستغرب: “حماة الأصولية! مسيحيّوها أشد تشددًا من مسلميها، يقولون! رجل وامرأة سافرة يحضران السينما في حفلات العموم!”، “نعم، ما الغرابة!”، يرد أبي: “حماة التي عرفتها منفتحة ومتسامحة كاللاذقية، وربما أكثر”!


أبي شكيب مصري قومي سوري، رغم مفارقة الاسم، أقصد كنية الـ(مصري) الدالّة على أصولنا المصرية

يومًا لم أشعر بوصمة أن أبي كان يعمل في سلك الأمن العام. وذلك لأن سورية، حينها، دولة ديمقراطية، تتمتع بحياة سياسية، ومجلس نيابي ينتخب بصولات وجولات من الشعب، ورئيس يتبدل ويساءل، وأحزاب وزعامات من كل صنف، وصحافة حرة، وفصل سلطات، ما جعلها الصورة الأجمل، إن لم أقل الأمثل، التي يتمنى السوريون أن يروا بلدهم عليها، اليوم وغدًا. نعم، أبي كان يعمل في أمن عام تلك الدولة، التي، بعد عقود من غيابها، نزل السوريون إلى الشوارع، وهتفوا وثاروا وضحوا لتعود كما كانت! ولكن، كما سمعت أبي نفسه يقول: “الأمن العام، في أي مكان، وأي زمان، أمن”!


نعم، كون أبي رئيس أمن عام سابق كان يسمح لنا بدخول سينما الأمير، والجلاء، ودنيا، بالمجان، فقد كان يملكها صديق أبي، آلان بسكليدس، أما سينما الأهرام، وأوغاريت، اللتان كان صاحبهما السيد (ك. ن)! فقد كنا نحتاج إلى بطاقة موقعة من أبي. كما أني وأخي درسنا الابتدائية في مدرسة الأرض المقدسة، الملقبة باسم مديرها (الأب سالم)، صديق العائلة! وكنا أنا وأخوتي، وخالي غاندي أيضًا، نقبل يده! عندما يجيء بحلته الدينية السوداء ذات الزنار البنفسجي، ويبارك لنا في المناسبات، وبالمقابل كنا ندرس في مدرسته مجانًا! وفي حدود معرفتي، لا يوجد تفسير لهذا سوى بالصداقات التي أقامها أبي مع هؤلاء الناس، أو كعرفان بالجميل على خدمات قدمها لهم ذات يوم، أما القول إنهم كانوا يخشونه بطريقة أو بأخرى، فهذا، ليس لأني ابنه، بل لأني أعرفه تمام المعرفة، ما لا يمكن أن يكون صحيحًا، مهما تعددت التأويلات. الرجل، خلال كل سنوات خدمته في الأمن العام وبعدها، ورغم اضطراره للعمل عند أناس من أصحاب النفوذ، لم تذكر عنه أي قصة تمس سمعته، أو تتضمن إساءته لأحد، عدا عن طبعه الذي عرف به حتى وفاته في 6/ 12/ 2003، كمثال نادر للرقة والرقي!
يلحّ علي كثيرًا ذكر قصتين تظهران أي نوع من القوميين السوريين كان أبي، ولا ريب أن هناك قوميين كثيرين أمثاله، الأولى، أنه في 1/ 3/ 1959 كان أبي وبعض هؤلاء الرفاق على سطح منزل (ع. س. دايه)، ذي الإطلالة المثلى على شارع بورسعيد، الذي سيعبره بعد حين موكب جمال عبد الناصر، بعبعهم الأيديولوجي، زعيم الأمة العربية التي تهدد ببلع أمتهم السورية، في زيارته الأولى للاذقية. وكيف، هذه اللاذقية بقضها وقضيضها، تركت بيوتها فارغة ومشرعة الأبواب، واحتشدت على رصيفي هذا الشارع الطالع شرقًا من باب المرفأ الجنوبي إلى حي الطابيات، وعلى نوافذ وشرفات أبنيته. فأي قوميين سوريين؟ شيوعيين؟ إخوان مسلمين؟ وبعثيين؟ يستطيعون مواجهة هذا العملاق الأسمر، صاحب الكتفين العريضين والابتسامة الساحرة، الذي ما إن أطل يحييهم ملوحًا بكفه السمراء الكبيرة، وهو يقف ممسكًا باليد اليسرى طرف واجهة سيارته المكشوفة، حتى زحفوا إليه كمسحورين، يريدون لمس يده، لمس كم سترته، لمس سيارته، حتى ما عاد هناك رصيف، وما عاد هناك شارع، بل نهر مائج وجارف من البشر! أما أبي وصحبته: “لم نستطع تمالك أنفسنا، رحنا نقفز كالقرود!” قال لأمي. هو نفسه بعدها سمعته يردد: “لم يبق سوى أن يطبعوا صورته على جوكر الشدّة!” ولكنه، في 28/ 9/ 1970، وهذه هي القصة الثانية، عندما وصله خبر وفاة عبد الناصر، هرع إلى الشرفة، وراح يجهش بالبكاء!
كل هذا بكفّة، وما فعلته أنا في عام 1982 بكفّة! بعد وفاة أمي بأربع سنوات، تركنا أبي وتزوج. في الواقع، ترك كل شيء. إحدى صفات أبي التي تصل لمستوى فلسفته الوجودية، الحياة بلا ماض! وبلا مستقبل في الوقت ذاته. كان أحد أولئك الذين يعيشون حاضرهم، ساعتهم، لحظتهم، مكتفين بمن حولهم، يسمعونهم ويرونهم، ويلمسونهم، فلا وقت لديه ولا قدرة ولا حاجة، للاهتمام بما مضى، أو بعيد، أو لم يأت بعد! وهكذا باتت الدرفة الثالثة، المقفلة دائمًا، من خزانة غرفة النوم، التي يضع فيها أغراضه الخاصة، مستباحة لي لأول مرة. لم يكن لديه أغراض خاصة! ما عدا 5 أضابير قديمة، مرقمة (51 ـ 52 ـ 53 ـ 54/ 1954). ألف لعنة ولعنة! لا أريد فتحها، ولا معرفة ماذا في داخلها. السؤال الصاعق: “ماذا أفعل بها؟”، “كيف أتخلص من هذه الجثة المحشورة في زاوية الخزانة؟”. الجواب جاء سريعًا، من دون إبطاء، من دون مشورة أحد، حملتها، بكل العث العالق بها، إلى برميل قمامة الحارة، وأولعت فيها النار!
قال لي ميشيل كيلو ضاحكًا: “اللـه يعطيك العافية! كان يمكنك أن تعدّ منها كتابًا فريدًا عن اللاذقية في تلك الحقبة”!




يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية