مقطعٌ من أبوابٍ مغلقة..لـ: وليد الحسين

وليد الحسين
كاتب سوري

أحدُهم كان يطرقُ البابَ بقوّة.. 
كان يطرق بكلّ قوتهِ.. 
كان يملكُ يداً كبيرة وأصابعَ غليظة.. وأظافرَ طويلة.. 
طويلة تشبه مخالب وحشٍ مفترسٍ.. 
والغريب أنه كان يملكُ قلباً عملاقاً.. 
هل رأيتم أحداً من قبلٍ يملك قلباً كهذا..؟ 
لا أظنّ ذلك..
الطرقُ والضربُ على البابِ بهذه الطريقةِ المتوحّشة استمرّ لمدّةٍ طويلةٍ.. 
ثلاثة أشهر.. أو خمسة.. 
لم أعدْ أذكرُ بالضّبط.. 
كلّ الذي أذكرُه أنّ البابَ تعرّضَ لكدماتٍ وضرباتٍ عنيفةٍ وقاسيةٍ من المنتصفِ.. وكدمات أقلّ عنفاً من جهةِ الأطراف.. 
ولكنّه بقي صامداً.. 
صامداً كشجرةٍ وحيدة وسطَ صحراء قاحلة.. 
نحن في الدّاخلِ اجتمعنا في غرفةٍ واحدة والتصقنا ببعضنا البعض.. 
أصبحنا كقطعةِ عجينٍ دائريّة الشّكلِ.. كنا نتصبّبُ عرقاً من شدّة الخوف.. لانستطيع الكلامَ.. 
كنا نتواصلُ فيما بيننا بلغةِ التمتمة.. والعيونِ.. 
طفلي الصغير كان يبتلعُ ريقَه بصعوبةٍ بالغةٍ.. أيضاً هو الآخر كان خائفاً ومذعوراً مع أنه لم يبلغْ السنةَ من عمرِه بعد.. 
أما ابنتي الوحيدة فبقيَ رأسُها مرفوعاً إلى الأعلى محدّقةً بسقف الغرفة.. تحرك بؤبؤُ عينيها باتجاه صدى صوت الضربات المنهالةِ على الباب.. 
بقينا هكذا لمدّة طويلةٍ إلى أن توقّفَ الطّرقُ على الباب.. 

توقّف بشكلٍ مفاجئ.. وأصبح الجوّ هادئاً في الخارج.. 
التقطنا أنفاسنا وبهدوءٍ حذرٍ تسلّلنا باتجاه النافذةِ.. 
النافذة الوحيدة في المنزل.. تسللنا لمعاينةِ الأضرارِ التي حلّت بالباب.. 
الباب الذي بقي صامداً كل هذه الفترة.. 
ما أن شعرنا بالأمانِ والطمأنينةِ حلّت على قلوبنا حتى بدأنا نسمعُ أصواتاً غريبةً آتيةً من الجهة الداخليةِ للباب.. أصوات تشبه تمزقاً ما.. 
ركضنا مسرعين لنرى عن قربٍ ما الذي يحصلُ أو ما الذي حصلَ بالضبط.. 
ما أن وصلنا حتى انهارَ الباب.. انهارَ دفعةً واحدة.. 
هكذا.. 
زوجتي و أطفالي بما فيهم طفلي الصغير أصابتهم نوبةُ ضحكٍ هستيرية.. 
أما أنا.. 
أخذتُ وضعيّةَ القرفصاءِ أمامهم وتملّكتني رغبةٌ عارمةٌ بالبكاء.. 
البكاء المطلق فقط..


الغلاف للفنان : محمد كوركي

يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية