السفارة والبغل لـ : عبود سعيد

السفارة والبغل

[dt_fancy_image image_id=”17077″ lightbox=”true” align=”center” animation=”zoomIn”]

عبود سعيد

كنت قد تلقيت هاتفاً من صديقتي الألمانية يخص دعوتي التي كنت أنتظرها في تركيا:
– عبود بكرا الصبح تكون قدام باب السفارة بأنقرة لأنو حكينا مع الخارجية وقالولنا بكرا رح تستلم الجواز.
ودعت أصدقائي .. استعرت سروالاً من الصوف من صديقي لأن صديقتي نبهتني إلى البرد القارص في ألمانيا ولا أريد أن أذكر اسم الصديق لكي لا أمنحه هذا المجد.
تخيل صديقٌ في سروال .. ولم لا طالما هنالك غيمة في سروال
لملمت أشيائي.. كمبيوتري الشخصي ولباس داخلي واحد، وجورب أعطاني إياه صهيب، ومبلغاً بالكاد يوصلني إلى المطار وانطلقت إلى السفارة الألمانية.
الساعة السابعة والنصف صباحاً أمام السفارة أدخن وزملائي السوريون والعراقيون المشردون طالبو القرب من بلد الشقار والعلم والأمن والأمان
بدأ البواب ينادي على أسماء من كان لديهم موعداً مسبقاً مع السفارة.
لم ينادني فليس لدي موعد!
أنا قادم إثر هاتف مستعجل من ألمانيا كي لا أتأخر عن موعد قراءاتي
ملل .. ضجر.. انتظار .. وكس أمك أيها البواب لا تفهم إلا الألمانية والتركية.
ذهبت إليه بدافع اليأس بانكليزيتي المتلعثمة:
-هالو .. أي وينتو انسايد غو
– باردوم..انكليزجا بيلمييورم .. نو انكليش
– بليييز آي آم رايتر .. آي ماست بي إن جيرمني تودي بيكوز آي هاف تو رييد ماي بوك.. آي آم رايتر يا ابن الله.
– نو انكليش.. نو انكليش
وأغلق طاقة الباب كما يغلق السجان باب الزنزانة.
أعود إلى بعض الزملاء السجناء المنتظرين فرج الله والفتح وشمس الحرية من داخل السفارة..
ندخن ونتبادل أحاديث المقطوعين المساجين
ينتخي رجل طويل عريض شاربيه يشبهان شوارب صدام حسين.
– شنو مشكلتك؟؟ أكو مشكلة عندك؟
– بحاجة لشخص يترجم للبواب
– تعال امشي آني اترجملك
ذهبنا إلى شباك الزنزانة وبدأ العراقي بالترجمة وصار يسألني:
– شتريد أقوله؟
– خيو قلو إنو أنا إجاني تلفون من ألمانيا قالولي تروح عالسفارة اليوم رح يعطوك الفيزا.. وأنا ما عندي موعد مع السفارة جايي لحالي .. بس أنا متأكد إنو إذا يخليني فوت رح لاقي فيزتي هنيك.. وفي موظفة تعرفني ورح تمشيلي أموري
.. قاطعني
– وين جوازك ؟
– جواز سفري جوا بدي استلمو .. جواز سفري ألماني
– ليش انت شننك؟ مو سوري؟
– سوري بس رح آخد جواز سفر ألماني
– وعليش الألمان يعطونك جواز سفر؟
– آني كاتب
– خيو ترا آني ماني جايي ألعب معاك.. إذا جايي تلعب هاي سفارة هاي .. هاي سفارة هي مو لعبة
– والله أنا كاتب
– ماشي إنت كاتب، عليش ما عندك جواز سفر؟
– لأني النظام ما يعطيني جواز سفر.. أنا من مدينة خارجة عن سيطرتو وهربان من الخدمة العسكرية.
– ياخي .. ياخي اشجعد تسون خربتم البلد سوريا خربت.. آني جنت بالألفين واثنين بسوريا .. أكو أماااان .. أكو حضارة.. أكو نسواااان.. أكو الروابي .. حجيات .. أكو حرية.. كلشي بي بسوريا.. شتريدون بعد؟ تريدون بنلادن؟
– خيو ترجملو.. الزلمة عم يستنا
-شتريد أترجملك؟؟ ماكو عندك جواز.. وجاي تقلي آني كاتب وثورة وما ثورة..
وابتعد وهو يدمدم كلمات غير مفهومة .. يبدو أنه كان يشتمني
عدت ووقفت تحت شباك الزنزانة
كان البواب يتكلم مع المراجعين الأتراك ويبتسم ويضحك وأنا أغني في سري:
أيضحك مأسورٌ وتبكي طليقةٌ ..
ويسكت محزون ويندب سالِ؟
أيا جارتا لو تشعرين بحالي
أويلي أويلي يايا يابا يابا …يابا معوّد على الصدعات قلبي..
– بليز آي وونت تو إن سايد.. بلييز آي دونت هاف تايم بلييز .. آي آم رايتر
-نو انكلش نو انكلش
يغلق باب الزنزانة، ويخيم اليأس مثل غيمة سوداء
الوقت يمر..
اتصل بصديقتي نيكولا لأخبرها أن تتصرف
طلبت مني أن أبقى أمام السفارة ولا أتحرك ريثما تتدبر الأمر
أقف بعيداً عن الصدامي.. أنظر إليه من بعيد وأصاب بالضحك
أخيراً يصيح البواب: عبود سعيد ..فأركض إلى الباب كسجين ينتظر زيارةً
-حاضر حاضر موجود!
حلّت الأمور خلال ساعتين في السفارة
خرجت من السفارة مواطناً ألمانياً.. وكان العراقي لا يزال ينتظر دوره
نظرت إليه مشهراً الجواز الألماني
– بخاطرك .. باي باي على ألمانيا
اتصلت فور خروجي بلقمان ديركي فقد كان خائفاً ألا أحصل على الجواز
– لقمان جواز السفر صار بجيبي وآني قدام السفارة
– اركض يا وال اركض ..انهزم .. بعّد بعّد عن السفارة ..أخاف يغيرون رأيهم.. بعّد شقد ما تقدر
أركض وأضحك من فرط السعادة وأقول للقمان: والله إذا تجي ميركل ما رح أرجع الجواز
أتكلم مع لقمان على الهاتف
ونضحك
وأركض
أسأل لقمان عن صديقنا البغل ونضحك
أركض
أضحك
ولقمان يضحك
وصلت استانبول
قطعت هنغاريا
أركض
وأضحك
وصلت برلين
ولازلت على الخط مع لقمان
نتكلم
ونضحك
وقبل أن ينتهي رصيدي بثوانٍ قال لي:
-عبود! .. صديقنا البغل صار في جنيف….
ينقطع الخط.

يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية