كشف تحقيق موسع نشرته صحيفة “واشنطن بوست” عن تفاصيل دقيقة لعمليات دعم عسكري ومالي “سرية” تقودها إسرائيل في جنوب سوريا، استهدفت تسليح وتدريب ميليشيات لتعمل كقوة موازنة للحكومة المركزية الجديدة بقيادة أحمد الشرع عقب إسقاط نظام بشار أسد.
التحقيق كاملا ( دون أي تصرف ) :
تحت جنح الظلام، بدأت مروحيات قدمت من إسرائيل بالوصول إلى الجنوب السوري في 17 كانون الأول 2024، أي بعد مرور تسعة أيام على الإطاحة بالنظام البائد وفرار بشار أسد إلى موسكو .
وإلى جانب سلل المساعدات الغذائية التي حملتها كان هناك 500 بندقية، وذخائر وسترات واقية من الرصاص، وكل تلك المواد قامت إسرائيل بإسقاطها جوياً بهدف تسليح ميليشيا درزية تعرف باسم المجلس العسكري وذلك بحسب ما ذكره مسؤولان إسرائيليان سابقان شاركا في تلك العملية.
أتت شحنات الأسلحة تلك رداً على الصعود المفاجئ لأحمد الشرع، وهو مقاتل إسلامي كان في السابق يعرف باسمه الحركي: أبو محمد الجولاني، والذي تمكن من إسقاط نظام أسد ، فقد نظرت إسرائيل إلى الشرع بعين الريبة نظراً لترؤسه لفصيل مسلح ارتبط رسمياً بتنظيم القاعدة الذي يعارض وجود إسرائيل، ثم فك ارتباطه بها قبل عقد من الزمان. كما مايزال الشرع حتى الآن يحتفظ بمقاتلين متطرفين ضمن صفوف مؤيديه.
وبما أن إسرائيل أعتى قوة في الشرق الأوسط، لذلك فإنها تسعى لرسم مسار التطورات في سوريا عبر دعم رجال الميليشيات الدرزية الحليفة ضمن سعيها لإضعاف النسيج الوطني في سوريا، وذلك بحسب ما ذكره مسؤولون إسرائيليون سابقون وحاليون، الأمر الذي صعب على الشرع سعيه لتوحيد البلد بعد حرب أهلية طويلة.
كانت الإمدادات السرية الإسرائيلية من بين المساعي طويلة الأمد لدعم الطائفة الدرزية التي كان لها دور تاريخي في رسم شكل السياسة في عدد من دول الشرق الأوسط بحسب ما ذكره مسؤولون إسرائيليون سابقون وحاليون. وماتزال تلك المساعي متواصلة حتى اليوم بحسب ما اكتشفته صحيفة الواشنطن بوست.
وصلت عمليات تدفق الأسلحة إلى ذروتها في نيسان الماضي، بعد اشتباك مقاتلين دروز سوريين مع مسلحين إسلاميين تابعين للشرع، ثم تراجع ذلك التدفق في آب بعد أن اتجهت إسرائيل للتفاوض مع الشرع، وظهرت شكوك لدى المسؤولين الإسرائيليين حول مدى مصداقية الانفصاليين الدروز السوريين وجدوى الأغراض التي يسعون لتحقيقها.
غير أن إسرائيل مافتئت تنفذ عمليات إسقاط جوي لمعدات عسكرية غير فتاكة مثل الدروع المضادة للرصاص والإمدادات الطبية التي تقدمها للمقاتلين الدروز في سوريا، وهذا ما يقوض وبشكل كبير قدرة الشرع على الاحتفاظ بسلطات مركزية في البلد، بحسب ما ذكرته قيادات درزية في سوريا ومسؤول إسرائيلي سابق. ثم إن الإسرائيليين يقدمون رواتب شهرية تتراوح ما بين مئة ومئتين وتصل إلى نحو ثلاثة آلاف دولار لرجال الميليشيات الدرزية، بحسب ما ذكره مسؤولان درزيان، ما يؤكد استمرار إسرائيل في خلق مركز ثقل لمجابهة الحكومة السورية المركزية.
تحدثت الصحيفة إلى أكثر من عشرين مسؤول إسرائيلي وغربي سابق وحالي، كما تحدثت إلى مستشارين لدى الحكومة وقادة عسكريين في الميليشيا الدرزية، وقيادات سياسية في سوريا، وفي إسرائيل ولبنان، من أجل كتابة هذا التقرير، فاشترط معظم من أجريت معهم مقابلات عدم ذكر أسمائهم عندما تحدثوا عن المكائد السرية التي تقوم من خلالها إسرائيل بدعم الدروز في سوريا، وهذه العمليات تشتمل على عناصر تنسيق سرية لم يتم الاعتراف بها علناً أو إجراء أي تقرير عنها.
تجلت أكبر استراتيجية للحكومة الإسرائيلية منذ سقوط الأسد على ضمان عدم ظهور نظام قادر على تهديد إسرائيل من حدودها الشمالية الشرقية، ويعتقد المسؤولون الإسرائيليون بأن واشنطن كانت ساذجة عندما صدقت بأن الشرع قد تخلى عن أفكاره المتطرفة.
كما أعلنت إسرائيل أيضاً عن التزامها بالطائفة الدرزية المنتشرة في مختلف بلدان الشرق الأوسط، بما أن هنالك وشائج وطيدة تربط بين إسرائيل والطائفة الدرزية التي تتبع ديناً توحيدياً يختلف عن الإسلام واليهودية. فقد لعب الدروز دوراً بارزاً في إسرائيل، حيث شغل بعضهم مناصب رفيعة في الجيش والحكومة الإسرائيلية، ولهذا السبب يعتبر أبناء هذه الطائفة حلفاء طبيعيين في سوريا بنظر عدد كبير من المسؤولين في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
تعبر المساعدات الإسرائيلية للدروز السوريين عن شكوك إسرائيل بالشرع وتاريخه الطويل القائم على التدخل الهادئ بإحدى دول الجوار التي تقسمت بسبب الحرب الأهلية، ولهذا ترفض إسرائيل فكرة السماح للشرع بتوحيد البلد، ومن بين الوسائل التي تنتهجها لتحقيق ذلك الد7م المستمر الذي تقدمه للدروز، وهذا ما أصبح مصدراً للتوتر بين إسرائيل وسوريا وبين إسرائيل وإدارة ترامب التي جعلت من دعم الشرع جانباً من أهم جوانب السياسة الأميركية في المنطقة، بعد أن راهن كثيرون في الإدارة والكونغرس على الشرع وقدرته على نشر الاستقرار في سوريا، بما يسهم في تخفيف التوتر في المنطقة كلها، ويفسح المجال أمام عودة ملايين اللاجئين إلى بلدهم، كما يسهم في الحد من النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.
في مقابلة أجريت مع الشرع مؤخراً في واشنطن بعيد لقائه بالرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض، ذكر لصحفيي واشنطن بوست بأن سبب وجود دعم إسرائيلي للحركات الإنفصالية يتمثل في “الطموحات التوسعية”، إلا أن ذلك يهدد بإشعال “حروب أكبر في المنطقة، لأن هذا التوسع سيمثل تهديداً للأردن والعراق وتركيا ودول الخليج”.
غير أن سوريا وإسرائيل “قطعتا شوطاً طويلاً على مسار التوصل إلى اتفاقية (خفض التصعيد) بحسب ما ذكره الشرع، وأضاف بأنه يتمنى على إسرائيل سحب قواتها من الأراضي التي احتلتها في مطلع هذا العام “بما لا يفسح أي مجال أمام الأطراف أو الجهات الفاعلة التي لا تريد لسوريا الاستقرار”.
ذكر مسؤولون إسرائيليون بأنهم رغم ارتيابهم بالشرع نظراً لتاريخه السالف عندما كان قائداً لأحد فروع تنظيم القاعدة، فإن إسرائيل تبدي براغماتية عبر تخصيص دعمها للدروز في سوريا، وهذا ما خفف الضغط العسكري على هذا البلد ومنح المفاوضات فرصة خلال الأشهر الماضية.
بعد المصافحة الأولى بين ترامب والشرع في أيار الماضي، قطعت إسرائيل إمدادات الأسلحة للدروز في آب، وذلك بحسب ما ذكره مسؤولون إسرائيليون ودروز، أما على الصعيد الداخلي، فقد علق المسؤولون الإسرائيليون المحادثات وذلك لتحويل دروز سوريا إلى ميليشيا مسلحة تابعة لهم وسط تخوف من حدوث اقتتال داخلي بين قادة الدروز السوريين ما يهدد بتورط إسرائيل في سوريا، وذلك بحسب ما ذكره مسؤولون إسرائيليون ومستشارون لدى الحكومة فيها.
وتعليقاً عل ذلك قال مسؤول إسرائيلي: “كنا نساعد عندما كانت المساعدة ضرورية حتماً، وإننا ملتزمون بأمن الأقليات، ولكن ليس إلى درجة إرسال قوات مغاوير لتتخذ مواقع لها بجانب الدروز، أو الخوض في عملية تنظيم القوات التابعة”، وقد وصف هذا الرجل الدعم الإسرائيلي المقدمة للدروز بأنه محسوب بدقة، وأضاف: “نحاول أن نكتشف مدى تطور الأمور هناك، ولست أخفي سراً إن قلت بإن الإدارة الأميركية تؤيد فكرة إبرام اتفاق بشدة”.
وتابع المسؤول بالقول بإن هنالك اعتراف كبير داخل إسرائيل بعدم التفاف جميع الدروز حول الزعيم الروحي الدرزي السوري حكمت الهجري الذي قاد الدعوات المطالبة بالانفصال عن دمشق بمساعدة إسرائيل.
وعندما طلبنا من أحد المسؤولين في الحكومة الإسرائيلية الرد بشكل رسمي، قال: “بعد هجوم حماس في السابع من تشرين الأول، عزمت إسرائيل على الذود عن مستوطناتنا المقامة على الحدود، والتي تشمل تلك الموجودة على الحدود الشمالية، إلى جانب منع ترسيخ وجود الإرهابيين وأي أعمال معادية لنا، وذلك لحماية حلفائنا الدروز، ولضمان أمن دولة إسرائيل تجاه أي هجوم بري أو غير ذلك من الهجمات الآتية من المناطق الحدودية”، إلا أن هذا المسؤول اشترط عدم ذكر اسمه، كما رفض الجيش الإسرائيلي التعليق على هذه المادة.
يرى بعض المحللين الإسرائيليين والأميركيين بأن الاستعانة العدوانية لإسرائيل بالقوة العسكرية في سوريا وما تمارسه من أعمال مشبوهة لدعم التوجه الانفصالي الدرزي أتى بنتائج عكسية وأسفر عن تقويض للعلاقات في وقت بدا الشرع حريصاً على تحقيق انفراجة دبلوماسية.
تعلق على ذلك دانا سترول وهو مسؤول رفيعة سابقة في البنتاغون أيام إدارة ترامب، قامت بدراسة هذا البلد عن كثب، فتقول: “لقد زادت موجة السخط في واشنطن تجاه ما تمارسه إسرائيل من أفعال تسفر عن إلحاق نكسة بشيء تريد له واشنطن وكل الشرق الأوسط أن ينجح، ألا وهو سوريا موحدة ومستقرة. وحجة إسرائيل في ذلك هو أنه صحيح لديكم قادة في دمشق على استعداد لأن يلفظوا كلمة (إسرائيل) وأن يتحدثوا عن مستقبل لتطبيع العلاقات، ومع ذلك مازلتم تقصفون ذلك البلد أو تبحثون عن بديل لتتعاونوا معه”.
على شفير الهاوية
قبل سقوط الأسد بأشهر، أدرك مسؤولون من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن الشرق الأوسط بات على شفير تغيير كبير، فلقد أضعفت العمليات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية في عام 2024 أهم حلفاء الأسد، أي إيران وحزب الله اللبناني، ما أقحمه في عزلة أكبر. ولذلك سعت القيادات الدرزية في إسرائيل للبحث عن نظير درزي سوري لهم بوسعه قيادة 700 ألف درزي موجودين في سوريا في حال انهيار نظام أسد ، وذلك بحسب ما ذكره مسؤولان إسرائيليان سابقان شاركا بشكل مباشر في تلك المساعي، فوقع اختيار تلك القيادات على طارق الشوفي، وهو ضابط سابق وصل إلى رتبة عقيد في جيش الأسد.
روى أحد هؤلاء المسؤولين الإسرائيليين السابقين كيف اختاروا “عشرين رجلاً يتمتعون بخبرة عسكرية، فوزعنا الرتب والمهام عليهم، وبدأنا بالعمل على ما أسميناه بـ”المجلس العسكري” في محافظة السويداء معقل الطائفة الدرزية بجنوب سوريا”. في ذلك الوقت، تمتع المجلس العسكري الذي ترأسه الشوفي بدعم من الشيخ الهجري، 60 عاماً، والذي تحمس للفكرة كثيراً. وهذا الرجل ولد في فنزويلا وأصبح شيخاً لتلك الطائفة، وأصبح يطالب بإقامة دولة يحكمها الدروز بأنفسهم بدعم من إسرائيل، وذلك بحسب ما ذكره عضو مؤسس آخر للمجلس العسكري.
ولمساعدة الشوفي على ترميم البناء القديم ليصبح مركز قيادة وعلى شراء البزات العسكرية والمعدات الأساسية، حول له دروز من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مبلغاً قدره 24 ألف دولار عبر قوات سوريا الديمقراطية، وهي ميليشيا ذات قيادة كردية أقامت علاقات مع إسرائيل، بحسب ما ذكره أحد المسؤولين الإسرائيليين السابقين، وأضاف بأن ذلك المبلغ رصد لتغطية نفقات المجلس العسكري إلى أن سقط نظام الأسد، وخلال الفترة نفسها، أرسلت إلى المجلس العسكرية مبالغ وصلت إلى نصف مليون دولار عبر قوات سوريا الديمقراطية، وذلك بحسب ما ذكره مسؤول إسرائيلي سابق وقائدان عسكريان درزيان سوريان.
ولدعم القضية الدرزية، دربت قسد دروز سوريا أيضاً، فكان بينهم نساء، وذلك في المناطق الكردية بالشمال السوري، وهكذا نشأت علاقة بين الطرفين ماتزال مستمرة حتى اليوم بحسب ما ذكره مسؤول كردي رفيع، وقائد عسكري درزي سوري، ومسؤول إسرائيلي سابق، في حين لم يرد الناطق الرسمي باسم الجناح العسكري لقسد عندما طلب منه التعليق على الموضوع.
في تلك الأثناء، قام الزعيم الروحي الهجري بتجهيز الخرائط المستقبلية للدولة الدرزية المقترحة والتي تمتد لتصل إلى العراق، ثم عرض تلك الخرائط على حكومة دولة غربية كبرى على الأقل في بداية عام 2025، بحسب ما ذكره مسؤول غربي.

إرسال طائرات الأباتشي
عند إسقاط نظام أسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، بعد هجوم خاطف استمر لأحد عشر يوماً وترأسه الشرع وجماعته المقاتلة (هيئة تحرير الشام)، انطلقت إسرائيل للعمل، فدخلت قواتها البرية سوريا واحتلت أكثر من 400 كيلومتراً مربعاً من الأراضي السورية، كان بينها مواقع على قمة جبل الشيخ، تلك القمة الاستراتيجية الواقعة على الحدود بين لبنان وسوريا. كما شن سلاح الجو الإسرائيلي مئات الغارات الجوية على منشآت عسكرية سورية بهدف حرمان القيادة السورية الجديدة من وضع يدها على الأسلحة. وفي غضون عشرة أيام، أرسل كولونيل في الجيش الإسرائيلي من القيادة الشمالية مروحيات الأباتشي لتنقل البنادق والأموال والمساعدات الإنسانية للدروز بهدف دعمهم، وذلك بحسب ما ذكره مسؤول إسرائيلي سابق.
وصلت شحنات الأسلحة لذروتها في أواخر شهر نيسان وسط تخوف إسرائيلي من خطر يحيق بالطائفة الدرزية، ومع وصول التوتر الطائفي في سوريا إلى ذورته، اندلعت اشتباكات بين مسلحين إسلاميين يدعمون حكومة الشرع الجديدة ومقاتلين دروز، ما أسفر عن مقتل العشرات، ما دفع مسؤولين إسرائيليين إلى التعهد بحماية تلك الطائفة خوفاً عليها من أي اجتياح أو حصار أو قتل.
وأتى الرد عبر إرسال أسلحة مستعملة اغتنمها الجيش الإسرائيلي من قتلى حزب الله وحماس حسبما ذكر مسؤول إسرائيلي سابق وقائد عسكري درزي سوري وأحد الوسطاء الماليين. كما ذكر قائد لميليشيا درزية سورية بأنه حصل على بنادق للقنص، ومعدات للرؤية في الليل، وذخيرة لرشاشات ثقيلة من عيار 14 و23 ملم.
الدفع لتسليح جهة وكيلة
أسست القوات الإسرائيلية على الأرض ما أسمته منطقة عازلة، زودت من خلالها الأهالي الدروز في عشرين قرية وبلدة بالـ”الحطب والبنزين والمازوت والغذاء والقليل من الماء”، بالإضافة إلى العلاج الطبي في مستوصف للجيش أسس خارج بلدة حضر الدرزية، وذلك بحسب ما ذكره مسؤول عسكري إسرائيلي.
أما داخل الحكومة الإسرائيلية، فقد أنشأت وحدة تنسيق أنشطة الحكومة في الأقاليم والتي تتبع لوزارة الدفاع الإسرائيلية مكتباً إدارياً جديداً يعمل على تنسيق عمليات إرسال المساعدات الإنسانية وغيرها من المساعدات والتي تشمل الأسلحة الخفيفة إلى الدروز السوريين، بحسب ما ذكره حسون حسون وهو عميد إسرائيلي سابق وسكرتير الشؤون العسكرية لدى الرئاسة نظراً لمشاركته في تلك العمليات.
ترأس حسون الذي ينتمي للطائفة الدرزية وهو مقرب من الهجري، فريقاً داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يرى بأنه ينبغي على إسرائيل أن تضغط بكل ما لديها لصالح دروز سوريا بوصفهم الجهة الوكيلة المسلحة التي تتبع لها في هذا البلد، وقال حسون في مقابلة أجريت معه: “يجب على إسرائيل رفع مستوى أدائها لتتصرف وكأنها قوة استراتيجية، بوسعها إقامة تحالفات مع كل أنواع البشر والجهات الوكيلة بحيث تحولهم إلى موالين لها إلى جانب موالاتها لهم”.
أيد مسؤولون إسرائيليون فكرة تسليح الدروز بناء على اعتبارين اثنين بحسب ما ذكره أحد المسؤولين الإسرائيليين، وذلك لأن أغلبهم يعتبرون سعي أميركا وأوروبا للتعامل مع الشرع ضرباً من السذاجة، وينظرون إلى الشرع كمقاتل إسلامي لم يصلح من حاله شيئاً، ولهذا يمثل خطراً على إسرائيل في حال صارت القوة بيده. كما شعر هؤلاء بواجب أخلاقي يتمثل بحماية الأشقاء السوريين للطائفة الدرزية صاحبة النفوذ في إسرائيل.
تاريخ من الدعم السري
يعود خوف إسرائيل من وصول إسلاميين إلى حكم الجارة سوريا وتدخل إسرائيل في الشأن السوري إلى سنين سبقت كل ذلك، إذ بعد أن سقطت سوريا في مستنقع الحرب الأهلية في عام 2011، دخل ضباط من الجيش الإسرائيلي إلى سوريا بهدف تدريب الميليشيات الدرزية كما وزعوا السلاح والعلاج الطبي على بقية الثوار، وقد تم ذلك في معظم الأحيان بالتنسيق مع الأردن والولايات المتحدة، بحسب ما ذكره مسؤولون إسرائيليون سابقون.
رفض تامير هايمان، وهو جنرال سابق في الجيش الإسرائيلي ترأس القيادة الشمالية التي تشرف على الجبهة السورية مناقشة مسألة الدعم الإسرائيلي للدروز اليوم، لكنه ذكر بأن إسرائيل والأردن ساعدتا الفصائل التي اعتبرتاها معادية للمتطرفين السنة خلال فترة الحرب السورية.
وأضاف هايمان: “كانت هنالك مصلحة مشتركة بين إسرائيل وهؤلاء الثوار المحليين في الذود والدفاع عن الحدود الإسرائيلية ضد الدولة الإسلامية.. ومقابل ذلك، قدمنا لهم اللوجستيات التي تمثل معظمها بالعلاج الطبي في المستشفيات الإسرائيلية، إلى جانب تزويدنا لهم بالماء والوقود وبعض الأسلحة في بعض الأحيان”.
واليوم، يحذر محللون إسرائيليون من فكرة دعم دولة درزية مستقلة أو ميليشيا وكيلة، لما يمثل ذلك من وصاية تختلف تمام الاختلاف عن التعاون مع هاتين الجهتين لتأمين الحدود الإسرائيلية. كما ذكر مستشار لدى الحكومة بأن إسرائيل لم تكتسب “خبرة جيدة في الجنوب اللبناني” حيث دعمت ميليشيا عرفت باسم جيش لبنان الجنوبي قبل عقدين من الزمان، فانهارت تلك الميليشا أمام تقدم حزب الله في عام 2000.
ثم إن دعم دولة مستقلة يمكن أن يخلق وضعاً تصبح من خلاله إسرائيل “بحاجة لتدافع عن سكان تفصلهم عن حدودها مسافة 100 كيلومتراً” بحسب رأي أحد المستشارين الإسرائيليين، الذي تابع قائلاً: “لو كانت لدينا مصلحة هنا، فلن تكون في إقامة دولة درزيستان المستقلة”.
وما أثار قلق المسؤولين الإسرائيليين أيضاً مسألة الصراع على السلطة التي ظهرت بين الدروز في الداخل السوري، إذ في شهر آب، قام الهجري بمناورات حتى يتم الاعتراف به بوصفه ممثلاً وحيداً للسلطة العسكرية الشرعية للطائفة الدرزية السورية، ثم حل “الحرس الوطني” وهي ميليشيا جديدة أسسها الهجري مع ابنه سليمان، محل المجلس العسكري لتصبح الجهة التي تستلم السلاح الآتي من إسرائيل، وذلك بحسب ما ذكره قادة عسكريون دروز سوريون ومسؤولان إسرائيليان سابقان شاركا في تلك العمليات بصورة مباشرة.
خلقت تلك الخطوة انقسامات بين القادة العسكريين الدروز، إذ اتهم الشوفي وهو القائد السابق للمجلس العسكري بالتعاون مع الشرع فتوارى عن الأنظار خوفاً من الاعتقال على يد رجال الهجري، فيما اتهم الهجري بارتكاب عمليات اختطاف، كما اتهم ابنه بعقد صفقات مع شبكات تهريب المخدرات في المنطقة، وعلى رأسها حزب الله، وذلك بحسب ما ذكره مسؤول إسرائيلي سابق، وقائد عسكري درزي سوري، ووسيط مالي.
وذكر أحد المسؤولين الإسرائيليين السابقين ممن شاركوا في تلك العملية بأن: “الإسرائيلين يعرفون بأنه لا يوجد أحد بوسعهم التعاون معه من الجانب الآخر، وبالتأكيد لا يمكن التعاون مع أي أحد منهم على المدى الطويل”.
لم يجب ثلاثة أشخاص مقربين من الهجري وهم ابنه وأحد مستشاريه وابن شقيقه عندما طرحت عليهم أسئلة مفصلة وطلب منهم التعليق على الموضوع، كما لم نتمكن من التواصل مع الشوفي ليعلق على المسألة.
الأدوية والأموال والدروع المضادة للرصاص
خلال الأسابيع التي سبقت جلسة الجمعية العمومية للأمم المتحدة في أيلول الماضي، وعندما كان المسؤولون الإسرائيليون يناقشون فكرة عقد اجتماع ما بين نتنياهو والشرع في نيويورك، غير أن تلك الفكرة لم تتحقق في نهاية المطاف، أبدى مسؤولون سوريون عدم وجود أي رغبة لديهم لتقوم إسرائيل بتسهيل عملية انفصال الدروز، وذلك بحسب ما ذكره مستشار لدى الحكومة الإسرائيلية، كما انهار الاتفاق الأمني المقترح بين سوريا وإسرائيل، ويعود أحد أسباب ذلك إلى مطالبة إسرائيل بضمانات خاصة بالدروز كان من بينها إقامة ممر إنساني مسيج يمتد من إسرائيل حتى السويداء، بحسب ما ذكره المستشار نفسه.
واليوم، قدم مسؤولون إسرائيليون وغيرهم إحاطة حول ما يفكرون به، ذكروا فيها بأن الوضع ي سوريا مايزال مائعاً وكذلك الأمر بالنسبة للسياسة الإسرائيلية تجاه الدروز. ففي شهر تشرين الثاني الماضي، زار نتنياهو العساكر الإسرائيليين المنتشرين داخل الأراضي السورية المحتلة، فانتقدت سوريا بحدة هذا الخرق لسيادتها.
يذكر أن إسرائيل طالبت خلال المفاوضات بشأن الاتفاق الأمني بين البلدين بأن يكون الجنوب السوري منطقة منزوعة السلاح مع عدم دخول القوات السورية إلى السويداء من دون تنسيق مسبق مع إسرائيل، وذلك بحسب ما كشفه مسؤول إسرائيلي سابق شارك في تلك المفاوضات. وفي مقابلة أجرتها الواشنطن بوست مع الشرع، رفض ما طلبته إسرائيل بتحويل المنطقة الواقعة جنوبي دمشق إلى منطقة منزوعة السلاح.
غير أن إسرائيل ستواصل الضغط خلال مفاوضاتها مع الشرع من أجل “استقلال ذاتي مؤسساتي” لصالح الدروز، بحسب ما ذكره أحد المسؤولين الإسرائيليين، وأضاف بأن شحنات المساعدات القادمة من إسرائيل ماتزال مستمرة إلا أن كمياتها أصبحت أقل وبوتيرة أضعف.
وفي تصريح رسمي، أعلن مسؤولو الحكومة الإسرائيلية بأن: “إسرائيل تتوقع من سوريا إقامة منطقة عازلة منزوعة السلاح تبدأ من دمشق وتصل إلى المنطقة العازلة، وتضم الطرق المؤدية إلى جبل الشيخ وقمته… ومن الممكن التوصل إلى اتفاق مع السوريين، غير أننا سنلتزم بمبادئنا، والتي تشمل توفير حماية دائمة لأشقائنا وشقيقاتنا الدروز الذين تعرضوا لمذبحة خلال هذا الصيف ذكرتنا بما شهدناه من فظائع في السابع من تشرين الأول”.
منذ أواخر أيلول الفائت، نقلت مروحيات إسرائيلية أدوية ومعدات عسكرية دفاعية شملت دروعاً واقية من الرصاص إلى السويداء، بحسب ما ذكرته قيادات درزية في سوريا ومسؤول إسرائيلي سابق. كما استمر دفع الرواتب الشهرية لمقاتلي ما يسمى الحرس الوطني الذين وصل عددهم إلى قرابة ثلاثة آلاف مقاتل، وذلك بحسب ما أورده مسؤولان درزيان.
فيما ذكرت كارميت فالينسي، وهي خبيرة بالشؤون السورية لدى معهد دراسات الأمن القومي بتل أبيب، أن الاحتضان والتبني الذي أبدته إسرائيل في بداية الأمر تجاه عدد من القيادات الدرزية الانفصالية وعلى رأسها الهجري قد تراجع اليوم، وهنالك تشكيك بمدى واقعية الإفراط في تقديم المساعدات، مثل الكهرباء والماء لدولة درزية انفصالية.
وأضافت فالينسي أنه “ينبغي على إسرائيل أن تعترف بوجود حد لمدى تدخلنا بالشؤون الداخلية، لاسيما أثناء قيامنا بحوار مع نظام يحاول أن يتوصل إلى اتفاقية أمنية… ومع بقاء حالة الجمود وعدم توصلهم إلى اتفاق أمني، أرى بأن إسرائيل ستواصل دعمها للدروز”.





ماهر حمصي