اختفت ثم عادت: ما وراء حادثة المدعية العامة التي أربكت الكيان الاسرائيلي

حادثة تبدو فردية في ظاهرها، لكنها تكشف ارتباك منظومة العدالة داخل المؤسسة الأمنية

في ليلة بدت عادية على شاطئ تل أبيب، تحوّلت ساعات المساء إلى سباق مع الزمن. اختفاء غامض لضابطة برتبة عميد في جيش الاحتلال الإسرائيلي، تلاه استنفار أمني واسع، وانتهى بخبر العثور عليها حيّة قرب الساحل، بعد أن ظنّ الجميع الأسوأ.
المدعية العامة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، يفت تومر يروشالمي، كانت محور حدث هزّ المؤسسة العسكرية والإعلامية معًا.
سيارة متروكة، رسالة وداع، وعمليات بحث امتدت لساعات، قبل أن يتبيّن أن النهاية ليست مأساوية كما كان متوقعا، لكن الأسئلة بقيت مفتوحة: ما الذي دفع أبرز شخصية قانونية في الجيش إلى هذا المشهد المقلق؟
وهل ما جرى حادثة شخصية أم إنذار داخل منظومة تعاني من توتر متصاعد منذ أشهر؟


البداية

تفجّرت القصة عندما قُدمت ضد تومر–يروشالمي شكاوى تتعلق بتسريب فيديو من ملفات التحقيق في قضية حساسة عُرفت إعلاميًا باسم “قضية قاعدة شديه تيمان”، ما فتح باب تحقيق داخلي واسع في الجيش حول تسريب معلومات مصنفة “سرية”.
استقالت ، بعد اعترافها بمسؤوليتها عن تسريب فيديو يظهر جنودًا إسرائيليين يعتدون على أسير فلسطيني في مركز احتجاز عسكري سيئ السمعة، وفقًا لمقتطفات من رسالة استقالتها نُشرت في وسائل الإعلام الإسرائيلية.
جاءت الاستقالة بعد أيام من إعلان جيش الاحتلال الإسرائيلي عن فتح تحقيق في تسريب الفيديو، الذي عُرض لأول مرة العام الماضي على قناة 12 الإسرائيلية، يوثق حادثة تعرض فيها أسير فلسطيني من غزة للاغتصاب من قبل جنود في مركز سديه تيمان للاحتجاز في جنوب الكيان.
أثارت الحادثة جدلاً واسعًا ، حيث وصفها المدعون العامون بأنها تهديد للسيادة القضائية، بينما اعتبرها منتقدو الحكومة محاولة لكشف الفضائح.في رسالتها، التي نُشرت مقتطفات منها من قبل صحيفة “هآرتس” ، قالت يفات تومر-يروشالمي إنها وافقت على نشر بعض المواد للإعلام كجزء من استراتيجية لمواجهة “الدعاية الكاذبة والتحريض” الذي تقوده جماعات يمينية متطرفة.
وأضافت أن هذه الجماعات قادت اقتحامات جماعية لقاعدة سديه تيمان وللمحكمة العسكرية في محاولة لحماية الجنود المتهمين من التحقيقات.
ومع ذلك، لم يتم توجيه اتهامات رسمية لأي من الجنود المعنيين بالفيديو، حيث أُفرج عنهم جميعًا بعد الضغوط السياسية.رد وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس على الاستقالة بشدة، وقال إن تومر-يروشالمي لن تُعيد تعيينها، مضيفًا أن التحقيقات ستستمر لتحديد الأشخاص المسؤولين عن قرار التسريب.

اختفاء

بعد ساعات من تسليمها رسالة الاستقالة، أُبلغ عن اختفائها، لتبدأ عمليات بحث مكثفة شاركت فيها الشرطة ووحدات الإنقاذ، مدعومة بمروحية حلّقت فوق شواطئ تل أبيب. وقد عُثر على مركبتها قرب شاطئ تسوك (חוף הצוק) وبداخلها رسالة وداع، ما أثار مخاوف من احتمال إقدامها على الانتحار.
غير أن تلك المخاوف تبددت في وقت لاحق من الليل، عندما أعلنت الشرطة أنّها عُثر عليها “سالمة وبصحة جيدة” بعد تواصلها مع أحد أفراد أسرتها، لتضع بذلك حدًا لحالة الترقب التي سادت الأوساط الأمنية والإعلامية لساعات طويلة.

أبعاد سياسية ومؤسسية

لا يُعدّ منصب المدعية العامة للجيش مجرد وظيفة إدارية، بل يمثل صلة الوصل بين المؤسسة العسكرية والجهاز القضائي الإسرائيلي، ومسؤولًا مباشرًا عن مراقبة قانونية العمليات العسكرية وملفات التحقيق.
ولذلك، فإن ما جرى مع تومر–يروشالمي لا يُنظر إليه كحادث شخصي فحسب، بل كاختبار خطير لثقة الجمهور في منظومة العدالة العسكرية، خاصة في ظل الأجواء السياسية المتوترة داخل الكيان وتزايد الانتقادات حول الشفافية والمساءلة.

تكشف هذه الحادثة عن التوتر الدائم بين الشفافية والسرّية في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، حيث يختلط ما هو قانوني بما هو سياسي وإعلامي. فالقرار الذي برّرت به المستشارة فعلتها باعتباره “ردًا على الدعاية”، يسلّط الضوء على معضلة أعمق: كيف يمكن لمؤسسة تسعى لحماية القانون أن تبرّر خرقه باسم الدفاع عن صورتها؟


يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية