
تُعرض الرداءة كما هي، عارية، ثم تُترك قليلًا تحت الضوء. لا أحد يصفّق في البداية، لا أحد يعترض أيضًا.
تمرّ، تُعاد، تُعاد مرة أخرى، ثم يعتادها النظر. الوجوه لا تتغير، اللغة لا تتحسن، التفاصيل تتآكل، ومع ذلك يستمر العرض. ليس لأن أحدًا أقنع أحدًا، ولا لأن معيارًا انتصر، فقط لأن الاعتراض مجهد، ولأن المقاطعة تتطلب جهدًا إضافيًا.
مع الوقت، يصبح البقاء أسهل من الانسحاب، والتجاهل أسهل من التسمية، والتعايش أذكى من المواجهة.
هكذا لا تُفرض الرداءة، تُترك تعمل وحدها، بهدوء، ومن دون مقاومة تُذكر.
بعد هذه اللحظة الأولى، يبدأ عمل الآلية من دون إعلان. الذائقة تُعاد ضبطها ببطء عبر عرض متكرر ونبرة واثقة. ما كان يثير النفور يُقدَّم بثبات أعلى، وما كان مرفوضًا يُمرَّر كخيار مطروح.
اللغة تتبدّل قبل المعايير، وحين تتبدّل الكلمات يتغيّر الحكم من دون أن يُعلَن.
تمرّ الإشارات أحيانًا من دون توقف: ممثلة بملامح صادمة كانت تُستعمل في البداية ككسر بصري متعمّد، ثم صار وجهها نفسه يُقدَّم كذوق خاص ويُحتفى به في مجلات الموضة من دون أن يتغيّر شيء سوى الوصف.
ممثل بوجه محفور وتاريخ ثقيل أُعيد استخدامه عشرات المرات في الدور نفسه، حتى تحوّل القالب إلى قيمة، وصار الحضور وحده كافيًا لتبرير الظهور.
المثالان لا يُشرحان، لأنهما معروفان، ولا يُناقشان، لأن النقاش استُهلك. الإشارة تكفي لفهم كيف ينتقل الشيء من نفور إلى قبول، ثم إلى دفاع.
هنا تتضح الحيلة: القبح لا يُفرض، يُطبَّع. التفاهة لا تُعلن، تُغرق بالسياق حتى تفقد ملامحها. الأداء الضعيف لا يُدافَع عنه، يُترك يمرّ إلى أن يصبح مألوفًا. التكرار وحده يقوم بالمهمة، ومعه يختفي السؤال خطوة خطوة.
يتكرر المنطق خارج الفن بالطريقة نفسها. في الخطاب العام، الامتداد يُكافأ، والاختصار يُساء فهمه. في الإعلام، ملء الوقت يتقدم على قول شيء. في السياسة، الحضور يُعامل كإنجاز. لا قرارات فاصلة، فقط اعتياد يزحف ببطء ويستقر.
الجمهور يتكيّف. يخفف حدّته، يبدّل مفرداته، يختار المرور بدل التسمية. ليس خداعًا ولا وعيًا كاملًا، هو اقتصاد في الجهد. ومع كل تنازل صغير، تتآكل المعايير من الأطراف.
ليست المشكلة في القبح ولا في التفاهة، المشكلة في العين التي تعلّمت أن تمرّ. حين يصبح التكرار حجة، والاعتياد دفاعًا، تختفي المعايير من دون صراع. عندها لا يعود السؤال عمّا يُعرَض، بل عمّن قرّر ألّا ينظر.





ماهر حمصي