هل كان هذا مشهدًا بروتوكوليًا أم لقطة من كوميديا سوداء؟
ديلسي رودريغيز، نائبة نيكولاس مادورو، تؤدي اليمين رئيسةً مكلّفة للجمهورية أمام شقيقها خورخي رودريغيز، رئيس الجمعية الوطنية، بينما يتولى نيكولاس مادورو غيرا، نجل الرئيس المعتقل بعملية عسكرية تخطّت القانون الدولي، حمل دستور البلاد خلال مراسم التنصيب.
هناك في مانهاتن، نيكولاس مادورو معتقل ويُحاكم.
وهنا في كاراكاس، نجله يحضر مراسم التنصيب، يحمل دستور البلاد، ويعلن دعمه للرئيسة المكلّفة.
أي صورة تختصر المشهد أكثر من ذلك؟
في يومها الثالث من دون نيكولاس مادورو في السلطة، تستيقظ فنزويلا على صمت ثقيل، غارقة في هدوء متوتر وسط حالة من عدم اليقين، لكنها في الوقت نفسه شاهدة مذهولة على ما يبدو كأنه حالة من “الطبيعية المؤسسية” التي تحاول على عجل ملء فراغ السلطة الذي خلّفه الاعتقال السينمائي لرئيسها. وفي خضم هذا المشهد غير الواقعي، تبرز شخصية نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، التي تحولت بين ليلة وضحاها إلى المرأة الأقوى في فنزويلا، تحت ظل دونالد ترامب.
ديلسي رودريغيز، نائبة نيكولاس مادورو، تؤدي اليمين رئيسةً مكلّفة للجمهورية أمام شقيقها خورخي رودريغيز، رئيس الجمعية الوطنية، بينما يتولى نيكولاس مادورو غيرا، نجل الرئيس المعتقل ، حمل دستور البلاد خلال مراسم التنصيب.
— ebd3.net بلا رتوش (@retouchmag) January 6, 2026
هل كان هذا مشهدًا بروتوكوليًا أم لقطة من كوميديا سوداء؟ pic.twitter.com/AKOKJ5UjLE
أدّت رودريغيز، يوم الاثنين، اليمين رئيسةً مكلّفة للجمهورية البوليفارية الفنزويلية أمام جمعية وطنية استهلت، مثلها، ولاية جديدة. وقالت:
«آتي محمّلة بالألم بسبب المعاناة التي أُلحقَت بالشعب الفنزويلي إثر العدوان على وطننا، وبسبب اختطاف اثنين من أبطالنا، الرئيس نيكولاس مادورو، ومقاتلتنا سيليا فلوريس».
وفي الوقت نفسه، كان مادورو يمثل للمرة الأولى أمام القاضي الذي سيحاكمه في نيويورك بتهمة “الإرهاب المرتبط بالمخدرات”، قائلاً:
«أنا نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا، وأنا هنا مختطف».
القيادية التشافيزية المخضرمة، التي ترأست أول اجتماع لمجلس الوزراء يوم الأحد، تتولى السلطة بدعم من غالبية نواب الجمعية الوطنية البالغ عددهم 258 نائبًا، الذين باشروا أيضًا هذا الاثنين ولاية تشريعية تمتد حتى عام 2031. إنه برلمان تهيمن عليه أغلبية تشافيزية ساحقة، جرى انتخابها في اقتراع شابته اتهامات بالتزوير. ولا يزال شقيقها، خورخي رودريغيز، أحد أبرز مهندسي التشافيزية سياسيًا، يحتفظ برئاسة الجمعية. كل شيء يتغير، لكن لا شيء يتغير.
في مقاعد قصر الاتحادية التشريعي، لا يجلس سوى 12 نائبًا يمكن اعتبارهم معارضة حقيقية للنظام. أصوات معترضة جرى إسكاتها داخل البرلمان وخارجه. وكانت الجمعية الجديدة مقررة قبل أن يتبدل كل شيء في فنزويلا، لكنها اكتسبت دورًا غير متوقع عقب حدث تاريخي لم يكن أحد يتوقعه قبل أسابيع قليلة، حتى مع تخيّل سقوط مادورو: تنصيب رودريغيز رئيسةً مكلّفة بدعم من الولايات المتحدة.
جزئيًا، سارت الأمور وفق السيناريو المرسوم. فقد كان الطقس السياسي مدروسًا بعناية لإظهار الاستمرارية ووحدة الصف التشافيزي، الذي تلقّى ضربات عنيفة في الأيام الأخيرة. وقال النائب نيكولاس مادورو غيرا، المعروف باسم “نيكولاسيتو”، من على المنصة:
«ديلسي، لكِ دعمي ودعم عائلتي في هذا التحدي الهائل الذي تتحملينه. الوطن في أيدٍ أمينة».
وقد بكى نجل الرئيس التشافيزي أثناء حديثه عن والده. وتناقضت رسالته الداعمة مع نظريات تحدثت عن احتمال خيانة مادورو من قبل الزعيمة الجديدة.
ولا يزال من غير الواضح إلى أي مدى وكيف ستحكم رودريغيز، فضلًا عن توقيت إجراء الانتخابات. الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسم، يوم الأحد، مسارًا مفتوحًا وغير محدد المعالم. وقال:
«سنحكمها، سنُصلحها. سنجري انتخابات في الوقت المناسب. لكن الأهم هو إصلاح دولة فاشلة»، من دون أن يوضح الدور الذي ستلعبه كاراكاس أو هو نفسه في هذه العملية.
وقد اعتبرت المحكمة العليا أن اعتقال مادورو يشكل «غيابًا قسريًا» لرئيس الدولة، وأمرت بتولي رودريغيز الرئاسة. غير أن القواعد ما زالت ضبابية. فالدستور يحدد الإجراءات في حال غياب الرئيس، لكنه بطبيعة الحال لا يتناول سيناريو كالذي تشهده البلاد اليوم. ولو طُبّق النص الدستوري حرفيًا، لتوجب على رودريغيز الحكم لمدة 90 يومًا، مع إمكانية تمديدها 90 يومًا أخرى من قبل الجمعية، ثم منح مهلة 30 يومًا للدعوة إلى انتخابات. حتى الآن، لا يزال كل شيء مجهولًا.
وتعيش البلاد في «حالة طوارئ بسبب اضطرابات خارجية» منذ يوم السبت، حين فُعّل المرسوم الذي وقّعه مادورو قبل اعتقاله. وقد بدأ هذا الاثنين ما يشبه العودة إلى الحياة اليومية، إلا أن نقاط تفتيش شرطية بعناصر ملثمة ظهرت في الشوارع. ولم تعلن الحكومة رسميًا تفاصيل إجراءات الطوارئ، غير أن تسريبًا أظهر نشر المرسوم في الجريدة الرسمية. وينصّ النص على تكليف الشرطة بـ«البحث عن أي شخص متورط في الترويج أو دعم هجوم مسلح أجنبي والقبض عليه»، ما يعني تشديد الرقابة والملاحقة.
وكشفت الجلسة أيضًا صورة واضحة عمّن يشرّع اليوم في فنزويلا. ففي صفوف التشافيزية، سادت مواقف دفاعية مطلقة عن زعيمهم «المختطف» وإعلان حرب على الإمبريالية. في المقابل، استغل التكتل المعارض الصغير مداخلاته ليأخذ مسافة من برلمان هو جزء منه، لكنه يعتبره، بشكل أو بآخر، غير شرعي. وقدّم أعضاؤه مذكرة اعتراض على جدول الأعمال، ورفضوا ترشيح أسماء لهيئة المكتب، وامتنعوا عن التصويت على المرشحين المطروحين. وقال ستالين غونزاليس، من الحزب الاجتماعي الديمقراطي «زمن جديد»:
«تصويت هذه الكتلة هو فعل وفاء لأمة لم تعد قادرة على الانتظار. أنتم لم تشرّعوا من أجل الفنزويليين».
وندّد غونزاليس بسنوات من إسكات العمل السياسي، محذرًا:
«لن نكون شركاء ولن نقبل بمؤسسات شكلية».
وأضاف: «نطالب بالوقف الفوري للملاحقات والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين». ولم تلقَ كلماته سوى تصفيق خجول. وتحدث المعارض باسم مجموعة النواب الاثني عشر، ومن بينهم هنريك كابريليس، ولويس إميليو روندون، وتوماس غوانيبا، وهم سياسيون معتدلون لا يتفقون مع استراتيجية وأسلوب الزعيمة ماريا كورينا ماتشادو. وقال غونزاليس:
«لم نأتِ لنوقّع شيكًا على بياض لأي انتقال».
وطالب من على المنصة بعفو عام عن المعتقلين السياسيين، مضيفًا:
«النضال من أجل فنزويلا التي نحلم بها موجود هنا، وسنستنفد كل السبل السلمية من أجل حل فنزويلي».
وأشار خطابه إلى «هذه الأيام الصعبة التي تمر بها الأمة»، من دون أن يتطرق إلى الهجمات أو إلى اعتقال نيكولاس مادورو وسيليا فلوريس.
أما الغياب الأبرز، فهو مجددًا غياب المعارضين في المنفى. عشرات القادة لا يزالون خارج البلاد، ومن بينهم المقربون من ماريا كورينا ماتشادو، التي لم تعد إلى فنزويلا منذ تسلمها جائزة نوبل للسلام في منتصف ديسمبر. وماتشادو، الفائزة في انتخابات يوليو 2024 عبر مرشحها إدموندو غونزاليس — الموجود هو الآخر في المنفى — تُعد من الشخصيات المحورية في هذه اللحظة، وإن لم يكن للأسباب التي توقعتها. فبعد أسابيع من الاتصالات غير العلنية مع محيط ترامب، شكك الرئيس الأميركي علنًا في قيادتها عقب اعتقال مادورو، قائلًا:
«لا تحظى بالدعم الكافي».
وقد علّقت ماتشادو، يوم الاثنين، عبر منصة «إكس» للمرة الأولى منذ هذا التجاهل. وجاءت نبرتها مختلفة عن تغريدتها الأولى عقب اعتقال مادورو، حين أعلنت استعدادها لتولي السلطة. وشكرت المعارضة ترامب على «حزمه وتصميمه على تطبيق القانون»، في عملية انتهكت السيادة الفنزويلية. واعتبرت أن اعتقال نيكولاس مادورو يشكل «خطوة هائلة» تمثل بشكل «حتمي ووشيك» بداية مرحلة انتقالية في فنزويلا.
El bravo pueblo de Venezuela salió a las calles en 30 países y 130 ciudades del mundo para celebrar un paso enorme que marca la inevitabilidad e inminencia de la transición en Venezuela.
— María Corina Machado (@MariaCorinaYA) January 5, 2026
Los venezolanos agradecemos al Presidente Donald Trump (@POTUS) y a su administración por… pic.twitter.com/yKPoxp2dPp








ماهر حمصي