في ذروة الجوع، ومع تزايد مشاهد اقتحام شاحنات الإغاثة من قبل المدنيين الفلسطينيين، نشر إعلام الاحتلال الاسرائيلي مقطعًا مصورًا يوثّق اقتحام شاحنة مساعدات داخل قطاع غزة، مرفقًا بتعليق باللغة العبرية:
توثيق دراماتيكي للفوضي في غزة .
תיעוד דרמטי מהכאוס בעזה: “הרס מוחלט, רוצים רק אוכל ושתייה
مشهد حقيقي، لكنه لا يُعرض بوصفه صرخة إنسانية، بل كسلاح دعائي مدروس.
ليس الهدف عرض الجوع، إنما إعادة تعريفه، وإعادة صياغة الضحية في هيئة “خطر فوضوي” لا يستحق إلا الحصار.
ما يوثّقه الفيديو ليس مشهد جوع مجرد، إنما أداة ضمن ماكينة دعائية مدروسة.
إعلام الاحتلال لا ينقل مأساة غزة لإثارة التعاطف، بل يُعيد قولبتها ضمن سردية تُجرد الفلسطيني من إنسانيته وتُبرئ الجلاد من جريمته.
حين يُوصف الجوع بـ”هجمات”، تتحوّل الضحية إلى خطر، ويتحوّل الركض خلف الطحين إلى غوغائية تُهدد “النظام العام”.
بهذه الحيلة تُعاد تسمية المأساة: من معاناة إنسانية إلى تهديد أمني.
وفي التوقيت ذاته الذي تتساقط فيه المساعدات جوًا فوق غزة المنكوبة، يُقدَّم هذا المشهد للعالم على هيئة فوضى محلية، وكأن الاحتلال غائب عنها، أو كأنه “يُحاول المساعدة”.
بهذا تُسوَّق المجاعة كخلل في “السلوك الفلسطيني”، لا كنتيجة لحصار ممنهج.
يُعاد تركيز اللوم، وتُمنح إسرائيل نافذة لادعاء البراءة: “ها نحن نُدخل الطعام، لكنهم لا يعرفون كيف يتلقونه”.
الجمهور الداخلي الإسرائيلي هو الآخر هدف مباشر لهذا المشهد، ليُعزز قناعته بأن “هؤلاء الناس لا يصلحون إلا تحت الحصار”.
كل شيء في هذا التسجيل محسوب: زاوية التصوير، العبارة العبرية، توقيت النشر، والسياق العاطفي العالمي الذي أرادت إسرائيل أن تشوشه بصريًا ودلاليًا.
ما وراء المشهد:
هذه الصورة، وإن بدت توثيقًا عابرًا، تكشف عن واحدة من أدوات الاحتلال في الحرب النفسية والإعلامية ضد الفلسطينيين.
فالجوع ليس نتيجة عشوائية للحرب، بل سياسة محسوبة لتجويع غزة، كشفتها منظمات حقوقية كبرى:
العفو الدولية: إسرائيل ترتكب انتهاكات ممنهجة قد ترقى إلى الإبادة الجماعية
هيومن رايتس ووتش: الاحتلال يستخدم التجويع كسلاح حرب
الأمم المتحدة: الوضع في غزة يقترب من تعريف المجاعة الكاملة
بتسيلم (إسرائيلية): ما يحدث ليس كارثة طبيعية، بل جريمة ممنهجة