كيف أخفى نظام أسد جرائمه ؟

من تزوير الوثائق إلى نقل المقابر الجماعية

تكشف آلاف الوثائق والمقابلات مع مسؤولين من حقبة نظام الطاغية بشار أسد كيف عمل النظام البائد على إخفاء أدلة فظائعه خلال الحرب.


وصل رؤساء الأجهزة الأمنية في مواكب من سيارات الدفع الرباعي السوداء إلى القصر الرئاسي لبشار أسد ، وهو متاهة من الرخام والحجر على تلة تطل على دمشق.

كانت التسريبات حول المقابر الجماعية ومراكز التعذيب التابعة للنظام تتزايد — وكان كبار القادة السوريين يريدون وقفها. لذلك، وفي خريف عام 2018، استدعوا قادة الأجهزة الأمنية المرعبين لدى أسد لمناقشة كيفية تحسين إخفاء آثارهم، بحسب شخصين أُطلعا على الاجتماع.

اقترح أحد المسؤولين الأمنيين محو هويات السوريين الذين ماتوا في السجون السرية من السجلات، بحسب الشخصين، نقلاً عمّا رواه مشاركون في الاجتماع. وبهذه الطريقة، لن يبقى أي أثر ورقي، كما قال المسؤول، كمال حسن، الذي كان يدير فرعاً سيئ السمعة من فروع الشرطة السرية السورية، وهو فرع فلسطين. ووافق علي مملوك، رئيس جهاز الأمن القومي وأعلى مسؤول أمني لدى أسد ، على النظر في الاقتراح.

وبعد أشهر من ذلك الاجتماع، بدأت الأجهزة الأمنية التدخل في الأدلة المتعلقة بجرائم النظام، وفقاً لتحقيق أجرته صحيفة نيويورك تايمز.

قام بعض المسؤولين الأمنيين بتزوير الوثائق بحيث لا يمكن تتبع وفيات المعتقلين إلى الفرع الأمني الذي احتُجزوا فيه وتوفوا داخله. وحذف بعضهم تفاصيل مثل رقم الفرع ورقم هوية المعتقل. كما أمر مسؤولون حكوميون كبار الأجهزة الأمنية بتلفيق اعترافات لسجناء ماتوا أثناء احتجازهم. وقد برروا ذلك بأن الاعترافات المكتوبة ستوفر للحكومة غطاءً قانونياً ما لعمليات الموت الجماعي للمعتقلين.

راجعت صحيفة نيويورك تايمز آلاف الصفحات من الوثائق السورية الداخلية، بما في ذلك مذكرات مصنفة «سري للغاية»، صُوِّر كثير منها داخل أكثر فروع الأجهزة الأمنية السورية سوء سمعة، بعد أن أطاح المتمردون بالحكومة العام الماضي. وكانت العديد من تلك الفروع الأمنية — المعروفة بأرقامها — تضم سجوناً داخل مقراتها.

كما أجرت نيويورك تايمز مقابلات مع أكثر من 50 مسؤولاً أمنياً وسياسياً، ومحققين، وحراس سجون، وأطباء شرعيين، وعمال مقابر جماعية، وموظفين حكوميين آخرين، ساعد كثير منهم في التحقق من الوثائق.

وبمجملها، توفر الوثائق والروايات الصورة الأكثر شمولاً حتى الآن لجهود النظام في التهرب من المساءلة عن نظامه القمعي واسع النطاق. كما تقدم نظرة نادرة على كيفية استجابة دكتاتورية شديدة السرية، في الزمن الحقيقي، لتصاعد العزلة الدولية والضغوط.

في ظل حكم الطاغية بشار أسد ، اختفى أكثر من 100 ألف شخص، بحسب الأمم المتحدة، وهو عدد يفوق ما شهدته أي دولة أخرى منذ الحقبة النازية. وتُظهر الوثائق أن الحكومة بذلت جهوداً معقدة، وأحياناً مرهقة، لإخفاء ذلك. عقد المسؤولون اجتماعات لمناقشة الرسائل الإعلامية والعلاقات العامة. ووضعوا استراتيجيات للتعامل مع عائلات المعتقلين. وأبدوا قلقهم من الأوراق التي قد تُستخدم ضدهم إذا واجهوا الملاحقة القضائية يوماً ما.

ومع ذلك، ظهرت أدلة واسعة على الفظائع قبل سقوط النظام، بما في ذلك آلاف السجلات والصور الخاصة بالمعتقلين. وعلى الرغم من أن كبار المسؤولين لم يُحاسَبوا بعد على دورهم في تلك الوحشية، فقد جرت محاسبة عدد محدود من المسؤولين ذوي الرتب الأدنى. فقد أُلقي القبض على مسؤولين اثنين وحُكم عليهما بالسجن المؤبد في ألمانيا، كما صدرت مذكرات توقيف بحق آخرين.

وتُعد الأدلة الجنائية المشوشة والوثائق المزورة من بين عوامل عديدة تعقّد الجهود الرامية إلى ملاحقة كبار المسؤولين قضائياً، ولا سيما عن الجرائم التي ارتُكبت في السنوات الأخيرة من الحرب السورية الطويلة.

Family members looked for signs of missing relatives as they foraged through papers in the Sednaya prison days after the fall of Bashar al-Assad.Credit…Daniel Berehulak/The New York Times

وتحدث معظم الأشخاص الذين قابلناهم بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، خوفاً من الانتقام أو الاعتقال. ويختبئ كثير منهم داخل سوريا وخارجها.

ولم تتفق أقوى الأجهزة الأمنية السورية في دمشق دائماً على إجراءات التستر، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الممارسات موحّدة في جميع الفروع الأمنية.

في السنوات الأولى من الحرب، احتفظت الأجهزة بسجلات دقيقة لأنشطتها وللسوريين الذين اختفوا أثناء احتجازهم. جرى تفريغ كل جلسة استجواب، وتسجيل كل حالة وفاة، وتصوير كل جثة.

لكن هذا الأرشيف التفصيلي انقلب عليهم في نهاية المطاف. ومع تسرب الوثائق، هددت الولايات المتحدة بفرض عقوبات قاسية بشكل خاص، عرّضت تدفق الأموال غير المشروعة إلى قادة النظام للخطر. وبدأت المحاكم الأوروبية بتوجيه اتهامات إلى الأسد وحلفائه.

ولا تزال جهود التستر تلك تتردد أصداؤها حتى اليوم. وقد أحبطت السوريين الذين يبحثون عن إجابات حول مصير أحبائهم الذين اعتُقلوا، وهو جرح مفتوح في بلد يحاول التعافي من وحشية دكتاتورية استمرت لعقود.

«كيف يمكنني أن أجد السلام؟» تساءل عبد الهادي العلي، 47 عاماً، الذي اختفى شقيقه منعم العبد الله في سوريا عام 2013.

لسنوات، دفع العلي وأقاربه آلاف الدولارات لوسطاء لديهم صلات بالنظام، وعدوا بالحصول على معلومات عن شقيقه.

وكل ما تمكنت العائلة من جمعه هو أنه اعتُقل عند حاجز حكومي قرب الحدود السورية-اللبنانية، واتُّهم بأنه متمرد، ثم نُقل في نهاية المطاف إلى أحد الفروع الأمنية في دمشق.

قال العلي: «ما زال هذا القلق ينهشني من الداخل. إلى أين أُخذ؟ كيف قُتل؟ هذه الأسئلة تطاردني».

بعد أن تحولت الانتفاضة الشعبية السلمية عام 2011 إلى حرب شنها النظام على الشعب ، تغيّر دور الشرطة السرية — التي كانت لفترة طويلة حضوراً مخيفاً في سوريا “الأسد”أسد”. فقد أُطيح بالقيود القانونية، فيما عملت الأجهزة الأمنية على سحق الثورة وكسر مقاومة السوريين.

أصبحت السجون مكتظة بالمعتقلين. وأفاد ثمانية محققين سابقين تحدثوا إلى نيويورك تايمز بأن المحققين صعقوا المعتقلين بالكهرباء في أعضائهم التناسلية، وألقوا الجثث وعبوات الغاز المفتوحة داخل الزنازين، وحرموا السجناء من النوم.

Files piled up last year in the complex of the Palestine Branch of Syria’s secret police.Credit…David Guttenfelder/The New York Times

وكانوا يحتفظون بسجلات دقيقة لكل معتقل.

في بداية الحرب، نصح حلفاء روس وتونسيون بشار أسد بذلك، قائلين إن اعترافات السجناء وغيرها من المعلومات يمكن أن توفر للنظام غطاءً قانونياً، بحسب إسماعيل كيوان، المسؤول السابق البارز في الفرع الطبي العسكري.

لكن تلك السجلات تحولت لاحقاً إلى عبء. ففي يناير/كانون الثاني 2014، جرى تهريب صور لأكثر من 6,000 جثة من السجون السرية، بعضها يحمل آثار تعذيب، إلى خارج البلاد على يد مصور عسكري سوري أُطلق عليه الاسم الرمزي «قيصر».

كانت تلك الصور أول دليل مفصل على التعذيب والإعدامات التي نفذتها حكومة الأسد منذ بدء الحرب. وبعد أشهر، قدمت فرنسا الصور إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مما منحها مصداقية أكبر وأثار احتمال توجيه اتهامات بجرائم حرب إلى النظام.

وقرر الجهاز الأمني شن دفاع منظم.

في أغسطس/آب 2014، عقد مسؤولون عسكريون وسياسيون واستخباراتيون كبار اجتماعاً مع خبراء قانونيين سوريين لمناقشة استراتيجيتهم، وفقاً لمذكرة اطلعت عليها نيويورك تايمز وصفت اجتماعاً لمكتب الأمن الوطني، وهو الهيئة التنسيقية لأجهزة الاستخبارات والأمن في سوريا. وقد تحققت الصحيفة من المداولات الواردة في المذكرة عبر مسؤولين سابقين اثنين أُبلغا بتفاصيل النقاشات.

A Syrian military photographer known as Caesar, in blue, testified before the Senate Foreign Relations Committee in Washington in 2020. Credit…Jim Lo Scalzo/EPA, via Shutterstock

بحسب المذكرة، خطط كبار المسؤولين، على مدى يومين، لتشويه مصداقية الصور. وبما أن الصور لم تكن مرتبطة بأسماء، فقد تمكنوا من الادعاء بأن عدداً قليلاً فقط منها يعود لمعتقلين سياسيين، وأن كثيراً منها لمقاتلين قُتلوا في المعارك أو لمجرمين عاديين، كما ورد في المذكرة.

كما نصح المسؤولون آخرين في الحكومة بـ«تجنب الخوض في التفاصيل وتجنب محاولات إثبات أو نفي أي وقائع»، وفقاً للمذكرة. وحثّوهم بدلاً من ذلك على «تقويض مصداقية» المسرّب، قيصر، الذي كانوا قد حددوا بالفعل اسمه الحقيقي، فريد المذهان.

بحلول عام 2018، كان ميزان الحرب قد انقلب لصالح النظام، بعد أن استعادت قواته العديد من المدن الكبرى. ومع النظر إلى بشار أسد على نطاق واسع بوصفه المنتصر، ضغط الحلفاء الروس عليه لإعادة بناء علاقات سوريا مع الدول الأخرى بعد سنوات من التعامل معها كدولة منبوذة.

لكن بعض المسؤولين في الحكومة خشيوا، في حال إعادة العلاقات الدبلوماسية، من أن يأتي محققون دوليون إلى سوريا ويعثروا على أدلة على الفظائع، بحسب مسؤولين سابقين اثنين.

وفي الوقت نفسه، كشفت تقارير جديدة صادرة عن منظمات حقوقية تفاصيل أكثر فظاعة عن العنف الذي تعرض له السوريون على يد النظام. وأدى ذلك إلى زيادة الضغوط من عائلات تطالب بإجابات حول مصير أحبائها، بحسب أحد هذين المسؤولين ومسؤول سابق آخر.

بعد اجتماع مديري الأجهزة الأمنية في القصر في خريف 2018، وضع علي مملوك، رئيس مكتب الأمن الوطني، استراتيجية لمحو أدلة الجرائم السابقة وإخفاء الوحشية المستقبلية بشكل أفضل، بحسب مسؤول سابق ووثائق، من بينها مذكرات تتضمن محاضر اجتماعات ونقاشات بين الأجهزة الأمنية.

وبادر قادة في بعض الأجهزة سريعاً إلى تغيير طريقة تسجيل وفيات السجناء.

فعادة ما كانت جثث المعتقلين السياسيين الذين ماتوا أثناء الاحتجاز في دمشق تُنقل إلى ثلاثة مستشفيات عسكرية في العاصمة، وقد كُتب على جباههم رقمان بقلم دائم أو على قطعة لاصقة. كان أحد الرقمين يشير إلى الجهاز الأمني المعني، والآخر إلى رقم تعريف المعتقل، وفقاً للوثائق ومقابلات مع مسؤولين سابقين في المستشفيات العسكرية.

Forensic specialists last year examined bodies found at Sednaya prison after the fall of the Assad regime. Credit…Daniel Berehulak/The New York Times

في عام 2019، بدأت جهازان أمنيان على الأقل — الفرع 248 وفرع فلسطين — بحذف بعض أو كل تلك المعلومات التعريفية عند نقل الجثث إلى المستشفيات العسكرية، بحسب مسؤولين في كلا الجهازين.

وسعى قادة الحكومة أيضاً إلى إيجاد طرق لتبرير وفاة سوريين قضوا أثناء الاحتجاز.

في مذكرات مصنفة «سري للغاية» تعود إلى عام 2020، اقترح ضباط في إدارة المخابرات الجوية تسجيل وفيات المعتقلين في السجل المدني السوري. وجادل الضباط بأن ذلك سيُعد بمثابة إشعار ويوفر نوعاً من الإغلاق النفسي لأقارب الضحايا، مما يقلل الضغط العام للمطالبة بإجابات حول المختفين.

لكن مسؤولين آخرين خشيوا من أن يؤدي ذلك إلى زيادة غضب العائلات وربما إلى احتجاجات، كما أظهرت المذكرات.

ورد اللواء محمد كنجو الحسن، رئيس إدارة القضاء العسكري، على الضباط في مذكرة قائلاً: «لا نرى ضرورة لمشاركة تفاصيل الجثث مع العائلات. قد يكون ذلك غير آمن».

كما أبدى مسؤولون في وزارة الدفاع اعتراضهم، نظراً إلى «الضغوط التي تواجهها البلاد» نتيجة قانون قيصر، وهو العقوبات الأميركية الجديدة التي فُرضت في أواخر عام 2019 وسُمّيت باسم المصور الذي سرّب الصور. وأعربوا عن قلقهم من أن يؤدي قيام الأجهزة الأمنية بإعداد قوائم بالمعتقلين الذين ماتوا أثناء الاحتجاز إلى تسريبها واستغلالها للضغط على النظام، بحسب مذكرات عام 2020 وأحد المسؤولين السابقين المشاركين في النقاشات.

وفي أواخر يونيو/حزيران 2020، شكّل علي مملوك لجنة داخل مكتب الأمن الوطني للنظر في الخيارات المتاحة، بحسب ذلك المسؤول السابق ومسؤول آخر.

The main building of the Palestine Branch.Credit…Nicole Tung for The New York Times
Blindfolds, handcuffs, chains and locks in the basement prison of the Mezzeh Air Base in Damascus last January.Credit…David Guttenfelder/The New York Times

وبعد مناقشات المجموعة، أمر مملوك الأجهزة الأمنية بتلفيق اعترافات لكل من توفي أثناء الاحتجاز، وإرجاع تاريخها إلى وقت سابق، بحسب المسؤولين السابقين. وتضمنت بعض تلك الاعترافات إقرارات بالانتماء إلى جماعة إرهابية دولية، على حد قولهم، رغم أنه من غير الواضح عدد الأجهزة التي اعتمدت هذا الأسلوب.

وكانت المشكلة الوحيدة هي التوقيعات. فالبروتوكول القانوني يقتضي أن يوقّع السجناء على الاعترافات ببصمة الإصبع. وخشي بعض المسؤولين من أن يؤدي استخدام أفراد الأمن لبصماتهم مراراً على الوثائق المزورة إلى كشف التزوير، بحسب أحد المسؤولين السابقين ومسؤول آخر.

لكن بعض المشاركين وجدوا حلاً بديلاً.

فقد وقّعوا الاعترافات الأصلية ببصماتهم باستخدام حبر خفيف جداً، ثم صنعوا نسخة مصورة بحيث تكون العلامات بالكاد مرئية، بحسب المسؤولين الأمنيين السابقين. وبعد ذلك، أتلفوا الأصل واحتفظوا فقط بالنسخة في الأرشيف. وقد اطّلعت صحيفة نيويورك تايمز على نسخة من اعترافات أكد مسؤول سابق أنها مزورة.

كانت بعض أكثر الأدلة إدانة لجرائم النظام تتمثل في المقابر الجماعية التي أُلقيت فيها جثث المعتقلين خلال الحرب .

وأشرف على عملية المقابر الجماعية في العاصمة العقيد مازن إسمندر، الذي نظم فرقاً لالتقاط الجثث من المستشفيات العسكرية في دمشق ودفنها في مواقع حول المدينة، بحسب ثلاثة من زملائه السابقين. وحاولت نيويورك تايمز التواصل مع العقيد إسمندر عبر وسيط، أفاد بأنه لن يتحدث إلى الصحافيين.

في أوائل عام 2019، علم العقيد إسمندر من أحد رؤسائه أن شخصاً ما سرّب معلومات إلى ناشطين معارضين وصحافيين حول مقبرة جماعية في القطيفة، وهي منطقة تقع شمال دمشق مباشرة، بحسب زميلين له. ونشر الناشطون لاحقاً معلومات عن المقبرة على الإنترنت، وقد جرى التحقق من وجودها باستخدام صور الأقمار الصناعية.

وأُمر العقيد إسمندر بنقل جميع الجثث إلى موقع جديد، بحسب الزميلين.

A mass grave north of Damascus, as seen earlier this month

وقد نُفذت تلك العملية، التي ذكرتها وكالة رويترز لأول مرة في أكتوبر/تشرين الأول، على مدى العامين التاليين. استخدم الفريق حفارات لاستخراج الجثث، ووضعها في شاحنات قلابة، ثم نقلها إلى موقع في صحراء الضمير شمال شرقي دمشق.

وأصبح العقيد إسمندر قلقاً من أن يرى السكان الجثث مكدسة في صناديق الشاحنات، فطلب من أحد مساعديه تأمين أغطية قماشية، بحسب الزميلين. ثم اقترح فريقه إلقاء طبقة من التراب فوق الجثث داخل الشاحنات لإخفائها أكثر، على حد قولهما.

قال أحمد غزال، وهو ميكانيكي في مدينة الضمير كان يصلح الشاحنات بشكل متكرر وتعرّف لاحقاً على السائقين: «كان هناك مدنيون، وأشخاص بملابس عسكرية، ومسنون بلحى بيضاء، وأشخاص عراة».

وأضاف أنه كان يحاول في كثير من الأحيان إلقاء نظرة على الجثث، على أمل العثور على رفات اثنين من أبناء عمومته اللذين اختفيا عام 2015، لكنه لم يعثر عليهما أبداً.

وفي إحدى الليالي، قال غزال إنه استُدعي إلى موقع المقبرة الجديدة للمساعدة في إصلاح حفارة معطلة. وكان العقيد إسمندر يقف إلى جانب الحفرة، ويداه مشبوكتان خلف ظهره.

ورأى غزال سائق الحفارة يغرس أسنانها في أحد الجثث، ثم يقذفها في الهواء قبل أن يُسقطها في الخندق.

ونظر العقيد إسمندر إلى غزال.

وقال له: «أحمد، هل رأيت شيئاً؟» يتذكر غزال. «قلت: لا، لم أرَ شيئاً. فقال: إذا قلت إنك رأيت شيئاً، ستنضم إلى الجثث في الخندق».

عندما أقرّت الولايات المتحدة قانون قيصر في أواخر عام 2019، رحّب كثيرون بالعقوبات باعتبارها خطوة نحو العدالة لضحايا جرائم الحرب التي ارتكبتها حكومة الأسد.

وقال النائب إليوت إل. إنجل من نيويورك، الذي ساعد في ترتيب شهادة قيصر أمام الكونغرس، في ذلك الوقت: «علينا الآن أن نضمن محاسبة الأسد، الذي يتحمل المسؤولية الرئيسية عن قدر كبير من معاناة شعبه».

Torn portraits of al-Assad on the floor of an office in the Palestine Branch complex.Credit…David Guttenfelder/The New York Times

لكن العقوبات بدت وكأنها لم تحقق تأثيراً رادعاً يُذكر.

فقد قال محققون في جهازين، الفرع 248 وإدارة المخابرات الجوية، إنهم وزملاءهم أصبحوا أكثر قسوة مع المعتقلين، لأنهم كانوا غاضبين من الانخفاض الحاد في قيمة رواتبهم مع تدهور الاقتصاد، جزئياً بسبب العقوبات.

وقال المحققون ومسؤولون أمنيون آخرون قابلتهم نيويورك تايمز إنهم لم يتلقوا قط تعليمات بوقف أو تقليص استخدام التعذيب بسبب العقوبات الجديدة.

Searching the faces of missing Syrians last year. Credit…Daniel Berehulak/The New York Times

وبعد قانون قيصر، برزت أيضاً مخاوف من أن يشهد معتقلون أُفرج عنهم يوماً ما حول التعذيب. ففي سنوات سابقة، تحدث بعض المعتقلين مع منظمات حقوقية، وخشي المسؤولون من أن تؤدي شهادات أكثر إدانة إلى فرض عقوبات أشد، بحسب محققين في ثلاثة أجهزة أمنية: الفرع 248، وفرع فلسطين، وإدارة المخابرات الجوية.

وقال أحد المحققين، الذي عمل في الفرع 248 لمدة عامين حتى عام 2020، إنه بعد دخول العقوبات حيز التنفيذ، أراد بعض مسؤولي السجون إبقاء السوريين معتقلين حتى وفاتهم.

ورغم جهود التستر، بحلول عام 2023 بدأت جرائم النظام تلحق به.

في أبريل/نيسان 2023، أصدر قضاة تحقيق جنائيون فرنسيون مذكرات توقيف بحق ثلاثة مسؤولين كبار في نظام أسد ، من بينهم علي مملوك، بتهم التعذيب والإخفاء القسري والتسبب في وفاة مواطنين سوريين فرنسيين اثنين. وبعد أشهر، أصدر قضاة فرنسيون مذكرات توقيف بحق بشار أسد ؛ وشقيقه ماهر أسد ، قائد الفرقة الرابعة سيئة السمعة في الجيش السوري؛ ومسؤولين آخرين اثنين، على خلفية استخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين عام 2013.

وأظهرت الوثائق أن هذه الإجراءات القانونية أثارت جدلاً داخل النظام.

وجاء في مذكرة صادرة عن القضاء العسكري في أكتوبر/تشرين الأول 2023: «نرى ضرورة التخلي عن النهج التقليدي في التعامل مع هذه الاتهامات، القائم على الاكتفاء باعتبارها ذات دوافع سياسية وتجاهلها».

وأضافت المذكرة أن قضية المختفين، «بما تحمله من تعقيدات وطنية وإقليمية ودولية»، «بحاجة إلى حل».

ولإظهار وكأنهم يتخذون إجراءات، دفع مسؤولون حكوميون باتجاه تشكيل لجنة يُفترض أن تحقق في مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان، بحسب الوثائق. كما كان من المقرر أن يجتمع فريق آخر من خبراء القانون الدولي السوريين لإعداد دفاع قانوني ضد القضايا المرفوعة أمام المحاكم الفرنسية.

ثم، في ديسمبر/كانون الأول 2024، انهار النظام سريعاً وبشكل مدوٍّ.

فقد دخل تحالف المتمردين بقيادة أحمد الشرع، الرئيس السوري الحالي، دمشق في هجوم خاطف. وفرّ بشار الأسد، وعلي مملوك، ومحمد الحسن، ومسؤولون كبار آخرون إلى روسيا.

كما فرّ العقيد إسمندر، المسؤول عن عمليات المقابر الجماعية. وفي الليلة التي وصل فيها المتمردون، سحب صندوقاً خشبياً من خزانة مقفلة خلف مكتبه، بحسب أحد مساعديه.

وكان داخل الصندوق بطاقات الهوية الخاصة بمدنيين سوريين ماتوا أثناء الاحتجاز أو أُعدموا. ووزع العقيد إسمندر تلك البطاقات على بعض أفراد طاقمه، معتقداً أنها قد تساعدهم على الفرار، بحسب المساعد.

ولا يزال العقيد إسمندر طليقاً.

Syrians clambering up to the Sednaya Prison last year. Credit…Daniel Berehulak/The New York Times

يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية