غزة: مجاعة وقصف ومرض مجهول يحاصر السكان

نصف مليون فلسطيني يعانون الجوع وسط انهيار صحي شامل

في اللحظة التي أعلنت فيها الأمم المتحدة أن غزة دخلت مرحلة المجاعة رسميًا، أعلن الاحتلال أن القطاع أصبح “منطقة قتال خطيرة”.
سخرية سوداء تلخص المشهد: نصف مليون إنسان يتضورون جوعًا، والآخرون يسقطون تحت القصف، والعالم المتحضر يراقب كمن يشاهد عرضًا على الهواء مباشرة، صامتًا، باردًا، كأن موت الأطفال مجرد إحصاءات على شاشة.

الأمر لا يقتصر على الجوع والقصف. وزارة الصحة في غزة أعلنت الجمعة أن أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين وصلوا إلى المستشفيات وهم يعانون مرضًا مجهولًا، بأعراض تشمل ارتفاع الحرارة، وآلام المفاصل، وسيلان الأنف، والسعال، والإسهال. وفي القرن الحادي والعشرين، لا توجد حتى أبسط الإمكانات لتشخيص المرض: لا مختبرات، ولا تحاليل دم أساسية.

الطاقم الطبي يشتغل بوسائل بدائية: تثبيت الأرجل المكسورة بالطوب، إجراء العمليات الجراحية تحت إضاءة الهواتف المحمولة، والتنفس الصناعي يدوياً عند انقطاع الكهرباء. كل ذلك يحدث وسط إبادة جماعية وتجويع ممنهج، حيث الأحياء السكنية تتعرض للتفجير، وأهل غزة يواجهون الموت في كل زاوية بلا ملاذ آمن، بينما العالم يلتزم الصمت.

في جميع أنحاء غزة، أبلغ العاملون في الرعاية الصحية عن زيادة ملحوظة ومتسارعة في عدد الحالات المبلغ عنها من متلازمة غيلان باريه (GBS)، اضطراب مناعي ذاتي نادر يصيب الجهاز العصبي المحيطي. وقد سُجلت حتى الآن عشر وفيات مرتبطة به. يتجلى المرض عادة بضعف عضلي سريع التقدم يمكن أن يتطور إلى شلل، وفي الحالات الشديدة قد يضعف التنفس والوظائف اللاإرادية، مما يتطلب دعمًا طبيًا مكثفًا. أفاد فريق جمعية العون الطبي للفلسطينيين (MAP) في مستشفى ناصر بخان يونس أن الحالات التي كانت تستغرق عادةً أسابيع أو أشهر لتتفاقم، تتفاقم الآن خلال أيام قليلة. مخزون الغلوبولين المناعي الوريدي الضروري لعلاج المرض قد نفد تمامًا، مما يجعل إدارة هذه الحالات صعبة للغاية.

الأرقام تكشف حجم الكارثة: منذ نحو 23 شهرًا من الهجمات المستمرة، بلغ عدد الضحايا 63,025 قتيلًا و159,490 مصابًا. خلال 24 ساعة فقط وصل 59 قتيلًا و224 مصابًا إلى المستشفيات، فيما يبقى كثيرون تحت الركام، عاجزة فرق الإسعاف عن الوصول إليهم بسبب نقص المعدات واستمرار القصف.

منذ استئناف هجمات الاحتلال الإسرائيلية في 18 مارس، ارتفعت الحصيلة إلى 11,178 شهيدًا و47,449 مصابًا، فيما بلغ عدد الضحايا الذين كانوا ينتظرون المساعدات منذ 27 مايو 2,203 شهداء و16,228 مصابًا، بعد مقتل 23 فلسطينيًا وإصابة 182 آخرين خلال يوم واحد فقط.

غزة اليوم مزيج من ثلاث كوارث متشابكة:

  • المجاعة التي تفتك بالبشر بصمت.
  • القصف المستمر الذي يزرع الموت تحت الركام.
  • الأمراض والأوبئة، بما فيها متلازمة غيلان باريه، التي تنتشر في بيئة منهارة صحياً بلا أي دعم أو إمكانات.

ويبقى السؤال معلقًا: أي حضارة هذه التي تسمح بمشاهدة الأطفال يموتون من الجوع والمرض والقصف كعرض واقعي؟
وأي إنسانية هذه التي تختزل غزة في أرقام وإحصاءات، بينما المدينة بأكملها تُدفن حيّة؟

 


GAZA CITY, GAZA – JULY 22: Crowds form as Palestinians, including children, line up in Gaza City, Gaza to receive food distributed by a charity amid ongoing Israeli blockade and attacks on Gaza on July 22, 2025. (Photo by Ali Jadallah/Anadolu via Getty Images)


يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية