
أن تكتشف وجهك في الخمسين ليس اكتشافاً بيولوجياً، إنه “انتحار” مع وقف التنفيذ. أن تلمس هذا الجلد المتغضن وتدرك أنك كنت “غائباً” عن ملامحك ، وأنك لم تلحظ أن عينيك ليستا سوى ثقبين يسكنهما الخوف ؟
معناه كنت مجرد مساحة مستباحة، فراغاً مرئياً كان الجميع يضعون بصماتهم فوقه إلا أنت.
نحن الآن في ذروة الوليمة؛ شعبٌ خرج لتوّه من مسلخ التاريخ، وبدلاً من أن يبني بيتاً، راح ينهش في لحمه.
انظر إلى هذا الذي يظن أن كسر القيد منحه الحق في أن يكون “إلهاً” صغيراً بلسانٍ قذر، يتقيأ الشتائم في وجوه المارة ليثبت لنفسه أنه لم يعد مكمماً.
وانظر إلى ذلك الذي نصب نفسه حارساً لفضيلةٍ لم يعرفها يوماً، يجلد خيارات الناس ليعوض خصاءه القديم أمام الجلاد. هم لا يمارسون حياة، هم يمارسون “تشفيّاً” في ذواتهم.
والطامة الكبرى في أولئك الذين اختاروا الانسلاخ التام. ما يسمى بالنخب التي تدعي الرقي وتعتزل في قواقعها ، تراقب “دهماء الناس” باشمئزاز وكأنها لم تخرج من نفس الرحم المشوه.
وحيث يلهث “المتحرر” خلف القشور والمظاهر كأنه يرمي وشاحاً من الحرير فوق مستنقع، ليس إلا العرض الأخير لمأساة بدأت قبل عقود.
إنه السعار الذي يصيب من لم يتدرب على الضوء، فيحسب أن “الحرية” هي مجرد حق النباح أو حق المنع أو حق التعري فوق الركام.
رعبهم من قبح المرآة دفعهم إلى بناء جدران من الأنا المتضخمة، يعانون من ذعر الهوية، خائفين من اكتشاف أنهم يشبهون هذا الحطام البشري.





ماهر حمصي