بلا رتوش
حين أعلنت وزارة العدل الأمريكية نشر ما قيل إنه ثلاثة ملايين صفحة من ملف إبستين، بدا الأمر وكأنه ذروة الشفافية.
لكن ما نُشر كان مفرغاً من الأسماء، مطموس الوجوه، محذوف الفيديوهات، ومثقلاً بالسواد أكثر من الوقائع.
ومع تسريبات تتحدث عن أرشيف يتجاوز ستة ملايين صفحة، يظل السؤال معلقاً:
هل كُشف نصف الحقيقة… أم نُشرت الكمية الكافية فقط لإغلاق الملف دون فتحه؟
ليس هناك أسهل من إدانة “الرذيلة” في مجتمع يدّعي الفضيلة نهاراً ويمارس نقيضها تحت جنح الظلام. لكن حكاية جيفري إبستين ليست حكاية “دعارة” كما يُراد لجمهور المستهلكين أن يصدقوا؛ فالدعارة أقدم مهنة في التاريخ، وهي اليوم صناعة بمليارات الدولارات، تُقنّن في دول “متحضرة” وتُحاط بالرعاية الضريبية في أخرى.
إذن، لماذا كل هذا الضجيج حول رجل لم يفعل سوى تنظيم “سوق” لنخبة النخبة؟
لماذا اسم “إبستين” بكل هذا الوضوح والحرارة، بينما ينسون في الوقت ذاته أسماء طغاة أغرقوا مدناً بأكملها في الدم، وحوّلوا شعوباً إلى لاجئين على قارعة التاريخ، ولم يجدوا من الإعلام العالمي سوى تغطية فاترة ثم نسيان مريح؟
الجواب ليس في حجم الجريمة. الجواب ليس في عدد الضحايا. الجواب في من يشترك فيها، وفي ما تكشفه عن الطبقة التي تحكم العالم وتُديره وتُلقي خطبه في المحافل الدولية. وللوصول إلى هذه الإجابة كاملةً غير منقوصة، لا بد أن نسلك الطريق الوعر الذي يتجنبه كثيرون بوعي أو بغير وعي، لأن الطرق السهلة في مثل هذه القضايا لا توصل إلى الحقيقة، بل توصل دائماً إلى الأماكن التي يريدنا أصحاب المصلحة أن نصل إليها.
الدعارة وحدها لم تُشعل هذه النار، ولم تكن يوماً جوهرها
لنبدأ من الواقعة المؤسِّسة التي فتحت الملف على مصراعيه، أو على الأصح، من الطريقة التي أُغلق بها الملف في أول مرة، لأن تلك الطريقة تقول عن هذه القضية ما لا تقوله عشرات الوثائق والشهادات مجتمعةً.
إبستين حين أُلقي عليه القبض للمرة الأولى عام 2005 لم يتظاهر بالبراءة الملائكية، ولم يُحاضر في المحكمة عن شرف مُهدَر وسمعة مظلومة. قبل التهمة بهدوء مريب، بهدوء من يعرف سلفاً أن الأمر لن يتجاوز حجمه المرسوم، ومشى بصفقة تسوية نظيفة أشبه بمن يدفع غرامة مرور لا بمن يواجه ملف اتجار بالبشر يطال عشرات الضحايا القاصرات. ثلاثة عشر شهراً كانت هي العقوبة الكاملة، نصفها يقضيه في إقامة “منزلية” بشروط فضفاضة لا تستحق هذا الوصف، إذ كان يغادر مركز الاحتجاز ست ساعات يومياً لما يُسمى رسمياً بـ”العمل”. هذا لم يكن حكماً قضائياً بالمعنى الحقيقي ولا بالمعنى الشكلي، كان مسرحاً هزلياً بميزانية حكومية، وبمؤلف يعرف جيداً من يمسك بالمقص في الكواليس ومن له الكلمة الأخيرة في صياغة النص.
ولفهم لماذا تلك الصفقة المُقزِّزة كانت ممكنة أصلاً، يكفي أن نضع إلى جانبها هذه الحقيقة البسيطة: المواخير وبيوت الدعارة تُدار في وضح النهار في أمستردام وبانكوك وعشرات العواصم الأخرى حول العالم، وتدفع ضرائبها بانتظام، وتُصدر فواتيرها بالأسود على الأبيض، وتُعلن عن خدماتها في نشرات سياحية مُرخَّصة. ومع ذلك، لا أحد يعرف أسماء مديريها، ولا يُقام لهم تحقيق يشغل شاشات العالم لسنوات، ولا يكتب عنهم الصحفيون الاستقصائيون بهذه الشراهة والمثابرة. إذن الدعارة كظاهرة، بكل ما تحمله من إشكاليات أخلاقية وقانونية وإنسانية، لم تكن يوماً جوهر ملف إبستين، وإن كانت هي البوابة الأولى التي دخل منها الملف إلى دائرة الضوء وبقي فيها.
فخ السذاجة: هل القاصرات هنّ السبب؟
ما إن تجاوزنا سؤال الدعارة حتى واجهنا الطبقة الأعمق والأكثر إيلاماً من الجريمة، وهي الحقيقة التي لا يمكن لأي خطاب قانوني أو سياسي أن يُلطِّفها أو يُؤطِّرها: الضحايا كنّ قاصرات، فتيات لم يبلغن سن الرشد القانوني ولم يكنّ في موقع يُتيح لهن اتخاذ قرارات حرة واعية بمعنى الكلمة. وهذا وحده يكفي قانونياً وأخلاقياً وإنسانياً لتصنيف الملف بشكل مختلف جذرياً عن أي ملف دعارة عادي.
لكن الفارق الحقيقي الذي يجعل القضية تحترق بهذا الوهج المتواصل لا يتوقف عند سن الضحايا وحده، إنما يمتد ليطال طبيعة المنظومة التي أُديرت بها الجريمة من أولها إلى آخرها. إبستين لم يكن منحرفاً وحيداً يعيش في قبو مظلم، تلك الصورة النمطية المريحة التي يستريح إليها الإعلام عادةً لأنها تُحاصر الجريمة في فرد شاذ ولا تُزعج منظومات بأسرها ولا تستدعي أسئلة تتجاوز القصة الشخصية. لكن كان يدير ما يشبه وكالة خدمات فاخرة مُهندَسة بدقة لا تخلو من عبقرية مريضة، مصمَّمة خصيصاً لاستقطاب صفوة الصفوة من أصحاب النفوذ والثروة والشهرة. الفتيات المُجنَّدات كنّ يُجنِّدن بدورهن فتيات أخريات في سلسلة مُحكمة الحلقات لا ينكسر أي منها إلا بثمن باهظ. والجزيرة الخاصة وقطعة الطائرة الخاصة والقصور المتناثرة عبر القارات من مانهاتن إلى باريس لم تكن مجرد زينة ثروة مبتذلة، لقد كانت أدوات عمل مُهندَسة بعناية، كل قطعة منها تؤدي وظيفة محددة في المنظومة الكاملة.
وحين تتحول الجريمة من فعل فردي شاذ إلى نظام مؤسسي يعمل بأدوار محددة وهرمية واضحة وموارد ضخمة واستمرارية ممتدة لعقود، تتغير طبيعتها تغيراً جذرياً لا يمكن تجاهله. لم يعد الأمر جريمة أخلاقية تُناقَش في زاوية الحوادث وتُنسى في الأسبوع التالي، إنما أصبح أداة سلطة بمعناها الكامل، أداة للتحكم والابتزاز وبناء شبكات نفوذ تتجاوز حدود الدول والمؤسسات. وهذا التحول بالذات هو الجسر الذي يقودنا مباشرة إلى ما هو أخطر وأبعد أثراً من كل ما سبق.
الأسماء هي المتفجرة الحقيقية في قلب الملف
إذا كانت القاصرات ، الصاعق الذي فجّر القضية في وجه العالم، فإن الأسماء هي المتفجرة الكاملة، وهنا الحريق الفعلي الذي لا يمكن السيطرة عليه بخراطيم الإعلام الرسمي، ولا بمياه البيانات القضائية الباردة، ولا بطوابير المتحدثين الرسميين الذين يُتقنون فن الكلام الكثير الذي لا يقول شيئاً.
حين تقرأ قائمة ركاب الطائرة التي صارت تُعرف شعبياً بـ”طائرة اللولو”، لا تجد مجرمين هامشيين تسلل إليهم الفساد من أسفل السلم الاجتماعي وهم لا يعلمون. لا تجد أناساً ضعفاء استُغلوا وانزلقوا. تجد رؤساء دول سابقين، وأمراء من عائلات حاكمة، ومليارديرات يُلقون خطب الفضيلة والمسؤولية الاجتماعية وضرورة محاسبة الفاسدين في منتدى دافوس السنوي، ومدراء تنفيذيين يموّلون مؤسسات حقوق الإنسان ويرعون مؤتمرات الحوكمة الرشيدة وتمكين المرأة، وعلماء ومثقفون كانوا يُتوِّجون إبستين بصفة “المحسن” المستنير لأنه دسّ في جيوبهم تمويلاً سخياً لا يتساءلون عن منبعه. هذا التناقض الصارخ المُقزِّز بين الواجهة المصقولة والخلفية العفنة هو بالضبط ما يجعل الملف يُرعب أصحاب مصالح حقيقية ودائمة في إبقائه مطوياً، أو على الأقل في تقديمه مُجزَّءاً مبتوراً لا يرسم صورة كاملة.
والأخطر من الأسماء المعروفة التي تسرّبت للرأي العام وملأت التقارير الاستقصائية تلك الأسماء غير المعروفة حتى الآن، الأسماء التي لا تزال محجوبة خلف وثائق قضائية مُختومة ببند السرية، والتي ترتبط وفق ما يتسرّب من هنا وهناك بملفات مخابراتية لأكثر من دولة تعمل في اتجاهات متقاطعة وأحياناً متعارضة.
إبستين كانت له علاقات موثقة بأجهزة استخباراتية متعددة، وهذا ليس ادعاءً مؤامراتياً مستقى من منتديات الإنترنت المظلمة أو من قنوات يوتيوب تتاجر بالإثارة الرخيصة. بل هو استنتاج يُشاركه كثير من المحققين والصحفيين الاستقصائيين المتخصصين الذين تناولوا القضية بجدية ومنهجية وأمضوا سنوات في تتبع خيوطها المتشعبة.
وفي هذا السياق تحديداً، تبدو جزيرة “ليتل سانت جيمس” التي عرفها العالم بـ”جزيرة اللولو” ليست ملاذاً فاخراً للمتعة الخاصة بعيداً عن الأضواء وحسب ، إنها أقرب بكثير إلى فخ استخباراتي مُصمَّم بعناية فائقة لتوريط كبار القوم، وتصويرهم في لحظات لا يريدون أن يراهم فيها أحد، وابتزازهم لاحقاً بما يُغنم من معلومات ونفوذ وولاءات مفروضة. وهذا أسلوب له تاريخ طويل وموثق وعميق في سجلات العمليات الاستخباراتية عبر عقود من الحرب الباردة وما بعدها.
بين التجارب البيولوجية ونظريات المؤامرة
هنا، يجب التوقف والتنفس بعمق وبتأنٍّ، لأن هذه النقطة بالذات هي أكثر النقاط عرضةً للاستغلال من الجهتين في آنٍ واحد: جهة التضخيم التي تريد تحويل كل شيء إلى مؤامرة كونية، وجهة التعتيم التي تريد التشكيك في كل شيء حتى الموثق منه.
إبستين فعلاً موّل أبحاثاً علمية متعددة، وأبدى اهتماماً صريحاً لا يحتمل التأويل بنظريات تحسين النسل التي تعود بجذورها إلى أيديولوجيات مظلمة جرّبها القرن العشرون وعرف عواقبها. بل تجاوز ذلك إلى الإفصاح العلني والمتكرر عن رغبته في “بذر” الجنس البشري بمادته الوراثية الخاصة على نطاق واسع، وذلك من منطلق اعتقاده أن جيناته تستحق الانتشار والهيمنة على الجنس البشري. وهو ما وثّقته صحيفة نيويورك تايمز عام 2019 بأدلة وشهادات لا تقبل التشكيك الجدي. هذا كله يعكس نرجسية مرضية في أبهى صورها، وأيديولوجية يوجينية مقززة ترى البشر موارد وراثية لا أرواحاً ذات كرامة. لكنه في الوقت ذاته لم يثبت وجود مختبرات سرية تحت الأرض، ولا شبكات منظمة لتجارة الأعضاء، ولا طقوساً شيطانية تجري في أنفاق مخفية تحت الجزيرة، وتلك مزاعم قد تؤكد الأيام التالية صحتها من عدمه.
والخطر الحقيقي في الخلط بين ما هو موثق بالأدلة وما هو افتراضي يبقى قائماً ومؤثراً حتى حين يأتي هذا الخلط من رغبة صادقة في كشف الحقيقة كاملة. لأن هذا الخلط تحديداً هو ما يمنح المتورطين الفعليين فرصة ذهبية لا يفوّتونها، إذ يختبئون خلف فوضى المعلومات قائلين باستعلاء مُريح: “انظروا إلى ما يقوله هؤلاء عن شياطين ومصاصي دماء ومختبرات سرية وأنفاق تحت الأرض، لماذا تصدقونهم في أي شيء؟” وهكذا تتحول نظريات المؤامرة الهاذية من سلاح في يد الباحثين عن الحقيقة إلى درع في يد من ينبغي محاسبتهم، لتخدم في النهاية مصالح من صنعتهم تهمة الترهيل والتجنّي. الحقيقة الموثقة في هذه القضية لا تحتاج إلى تهويل لتكون صادمة ومُقلِقة، هي فاقعة الفجاجة بما يكفي على حقيقتها المجردة دون إضافة أي بهارات درامية.
لماذا يُفلت من هم أشد منه خطراً وأكثر دماً ؟
كل ما سبق، من الصفقة المُقزِّزة الأولى إلى المنظومة المُهندَسة، ومن الأسماء المُرعبة إلى مصيدة التهويل، يقودنا بمنطق محكم لا فكاك منه إلى السؤال الأكثر حدة والأكثر صدقاً في آنٍ واحد، وهو السؤال الذي يكشف عن ازدواجية راسخة ومنهجية لا يمكن تجاهلها أو تفسيرها بمجرد الصدفة أو اختلاف الأذواق الإعلامية.
لماذا تشغل قضية إبستين العالم لسنوات بهذا الحجم وبهذه الاستمرارية، بينما زعماء يقتلون شعوباً بأكملها ويُهجِّرون الملايين ويُحوِّلون مدناً عريقة إلى ركام لا يجدون من الإعلام العالمي والقضاء الدولي سوى تغطية باردة متقطعة تأتي وتذهب كالأمواج، ثم نسيان تام لا يُزعجهم ولا يُقلِّل من استمتاعهم بفنادق جنيف ودافوس؟
الجواب القاسي الذي لا تُريح الإشارة إليه بشكل صريح، لأنه يكشف عن عيوب بنيوية في المنظومة الإعلامية والقضائية والدولية برمتها: آليات التغطية والمحاسبة لا تعمل بمنطق العدالة الموضوعية، بل تعمل بمنطق المصالح وخرائط النفوذ وطبيعة الجريمة وقابليتها للتسويق.
حين يقتل زعيم شعبه ويُهجِّر الملايين ويُحوِّل مدناً إلى ركام، ثمة دول كبرى تتصارع حول الملف بحسب مصالحها الجيوسياسية المتباينة، ومصالح متضاربة على النفط والغاز والممرات الاستراتيجية والقواعد العسكرية تجعل الإدانة الكاملة الصريحة ثمنها مرتفعاً جداً ولا يريد أحد دفعه. وإعلام مُحاصَر في الميدان أو مُوجَّه من بعيد بيد من تملك المال والوصول إلى المصادر والاعتمادات الصحفية. الجريمة السياسية الكبرى تُمتص تدريجياً في معادلات المصالح الدولية كما يُمتص الدخان في الهواء، وتُداس تحت البساط الدبلوماسي الناعم، وتُقيَّد في سجلات التاريخ بحبر شاحب لا يؤلم أحداً ولا يُحرج أحداً ولا يُعيق صفقات الأسلحة والاستثمارات المتبادلة.
أما ملف إبستين فهو من نوع مختلف في جوهره ومختلف في خطورته. لأنه ليس فضيحة قتل أو فضيحة فساد مالي من النوع المألوف الذي يمكن تأطيره ضمن خانات جاهزة.
هو فضيحة شخصية وأخلاقية وجنسية لأناس يُقدِّمون أنفسهم أمام العالم كنخبة حضارية وأخلاقية وتنويرية، كأناس يحملون راية الحداثة والعقلانية وحقوق الإنسان ومستقبل الجنس البشري المستنير. الفضيحة هنا ليست قتلاً جماعياً يمكن تأطيره كـ”نزاع مسلح” تحكمه معادلات معقدة، ولا فساداً مالياً يمكن تفسيره بالجشع الإنساني المفهوم. بل هي انهيار كامل ومُدوٍّ وبلا رتوش للرواية الأخلاقية التي تقوم عليها شرعية طبقة بأسرها وتُبرر تسيُّدها على مقدرات العالم. وهذا ما يجعل القضية مثيرة بطريقة مختلفة وأكثر حميمية وأكثر استفزازاً للوجدان الجمعي، لأنها تمس النفاق الطبقي بجراحة لا تستأذن ولا تُخدَّر قبلها المنطقة المُراد شقّها.
ويضاف إلى ذلك سبب آخر لا يُعلَن صراحة في أي مؤتمر صحفي أو خطاب تحريري، لكنه يعمل بهدوء وفاعلية صامتة خلف كواليس صناعة الإعلام: المحتوى الجنسي يبيع. وهذه حقيقة بشعة مُزعجة لكنها راسخة لا تنفع إزاءها قصائد الرثاء. الإعلام العالمي يتناول هذه القضية بشراهة لا تنضب ليس لأنه بات فجأة أكثر اهتماماً بحقوق ضحايا الاتجار بالبشر من فلوريدا إلى كمبوديا، فلو كان كذلك لكانت عشرات الملفات المشابهة لكنها أقل بريقاً وأقل “إثارة” تحظى بالاهتمام ذاته وبالموارد الاستقصائية ذاتها. إنما لأن لها جمهوراً أوسع وأكثر ولهاً بتفاصيلها من تقارير الإبادة والتهجير القسري التي تُرهق المتلقي وتُثقل كاهله بالذنب الجماعي. الإثارة الجنسية تُرفع في سلم أولويات الكليكات والمشاهدات والاشتراكات فوق الفجيعة الإنسانية الجماعية في معادلات الإعلام التجاري الذي يبيع الانتباه ويُؤجّر الضمير بالساعة.
الوثائق غير المعلنة وغير المنقحة بعد
في مقابلة على قناة Newsmax، قالت النائبة لورين بوبرت إنها اطلعت على وثائق غير منقحة تتعلق بـ جيفري إبستين، وجاء في حديثها:
“لقد قمت بمراجعة بعض الوثائق غير المنقحة لجيفري إبستين أمس، واللغة الموجودة فيها مرعبة. هناك رسائل بريد إلكتروني تتحدث عن التعذيب. هناك حديث متكرر عن ‘الاستهلاك’ — ويجب أن نسأل: هل هذا استهلاك بشري؟ هناك حتى إشارات إلى مطعم يُدعى ‘The Cannibal’، ومالك هذا المطعم مدرج في بعض هذه الوثائق.
رأيت المزيد من الرسائل عن التعذيب، وهذه المحادثات المشفرة لها موضوع واضح جدًا: أن التعذيب كان أمرًا كبيرًا — كان دافعًا رئيسيًا بالنسبة لهم — وهؤلاء أشخاص مرضى يقومون بأمور مريضة جدًا جدًا.
يبدو أن الأمر لم يكن مجرد الاتجار بالفتيات الصغيرات كما تقول الرواية الرسمية. النساء المحيطات بإبستين كن متورطات بعمق أيضًا في الاتجار بالأطفال. هناك الكثير من النساء اللواتي عملن مع غيسلين ماكسويل وجيفري إبستين مباشرة، وكن بمثابة ‘مجندات’ أو ‘ملازمات’ في هذه الشبكة.
هناك حديث كثير عن ‘beef jerky’ (لحم مجفف)، ومالك مطعم ‘The Cannibal’ مذكور عدة مرات في الوثائق. يجب أن نسأل: هل هذه كلمات مشفرة؟ هل هناك إشارة إلى استهلاك بشري؟
هؤلاء أشخاص مرضى، مرضى جدًا. نحتاج إلى شفافية كاملة — لا مزيد من التنقح، لا مزيد من الألعاب. الشعب الأمريكي يستحق معرفة من كان متورطًا بالضبط.”
خلاصة غير مريحة، لمن يتحمّل سماعها حتى النهاية
قضية إبستين لم تُثِر كل هذا الغضب الدائم والاهتمام المتواصل على مدى سنوات لأن الناس باتوا فجأة أكثر وعياً بحقوق ضحايا الاتجار بالبشر وأكثر تفاعلاً مع آلامهم، ولا لأن المنظومة الإعلامية والقضائية الدولية أصبحت أكثر عدالةً وحيادية وجرأة على محاسبة الأقوياء. ولو كان الأمر كذلك حقاً لكانت مئات الملفات المشابهة المنتشرة في قارات مختلفة، تلك التي تطال أناساً أقل ثروةً وأقل شهرةً لكن ضحاياها لا يقلون إنسانيةً ولا ألماً، قد استقطبت الاهتمام ذاته وحظيت بالموارد القضائية والإعلامية ذاتها.
ما يجعل هذه القضية تحترق بلا توقف ولا خمود هو ذلك المزيج الاستثنائي النادر المركّب من عناصر لا تجتمع عادةً في قضية واحدة بهذا التراص والتشابك: فتيات قاصرات تحولن من ضحايا صامتات مرعوبات إلى شاهدات يتحدثن بأصوات ترفض الصمت وترفض المقايضة، وأسماء من القمة المطلقة للسلطة والثروة والشهرة العالمية وكل ما يمنح صاحبه الحصانة الضمنية في عالمنا، وصمت مؤسسي مريب ومُريح لأصحابه طال سنوات طويلة قبل أن يتصدع تحت ثقل الشهادات والوثائق المتراكمة، ثم في النهاية وفوق كل ذلك ذلك الموت الغامض في زنزانة مركز احتجاز يتمتع بأعلى درجات المراقبة الأمنية في نظام سجون يفترض به أن يكون الأشد حراسةً وصرامةً، في توقيت أثار تساؤلات لم تُجَب حتى اليوم بأي شكل مُقنع لأي عقل يعمل بحد أدنى من المنطق.
إبستين ليس أسوأ مجرم في التاريخ بالمعنى الكمي للكلمة، وتاريخ الجنس البشري المكتوب وغير المكتوب مليء بمن ارتكبوا ما هو أشد وأبشع وأكثر ضحايا ولا يزالون طلقاء يتنعمون بحصانة السلطة أو في قبورهم بلا محاسبة ولا ذاكرة جمعية تحفظ أسماء ضحاياهم. لكنه ربما يكون الأكثر فضحاً لحقيقة واحدة جوهرية يعرفها كثيرون في قرارة أنفسهم لكنهم لا يريدون مواجهتها في ضوء النهار الساطع، وهي أن العدالة ليست عمياء كما تقول الأسطورة الجميلة التي علّمونا إياها في المدارس ورسمونا إياها على جدران المحاكم. العدالة ترتدي نظارة مدفوعة الثمن بعناية، وتسمع بأذن انتقائية مُدرَّبة، وأن الفارق بين من يُحاكَم ومن يُكرَّم، بين من يُودَع الزنزانة ومن يُودَع قائمة أكثر الشخصيات تأثيراً في العالم، لا يقوم دائماً ولا في كثير من الأحيان على الفارق بين البريء والمذنب.
بل يقوم في المقام الأول على الفارق بين من يملك الحماية الكافية ومن لا يملكها، بين من يعرف الأسرار الصحيحة ومن لا يعرف، وبين من تحميه المنظومة لأنه جزء منها ومن لم يعد يفيدها فيُترك للمحاسبة المتأخرة أو يُرحَّل بصمت.
وهذا، للأسف الشديد، هو الجرح الحقيقي الذي تضغط عليه قضية إبستين بكل صخبها وضجيجها وكل موجة جديدة من الوثائق المُسرَّبة والشهادات المُحجوبة، حتى في أحلك لحظات التعتيم المتعمد وأكثرها تنظيماً. إنه الجرح الذي لا يُشفى بتغيير الحكومات ولا بإصدار التقارير ولا بتصفيق الجمهور لمحاكمة تأتي بعد فوات الأوان. لأن المشكلة ليست في إبستين وحده، بل في كل نظام سمح لإبستين أن يكون ممكناً، وأن يبقى محمياً، وأن يموت قبل أن يتكلم.




ماهر حمصي