“أنا عمليًا من وضعته هناك”: كيف تغيّر المعنى بين واشنطن ودمشق؟

وما دلالات تكرار ثناء ترامب على الشرع؟

التصريح الذي أطلقه دونالد ترامب حين قال عن رئيس سوريا: «الذي أنا عمليًا من وضعته هناك» جاء ردًا على سؤال من مراسل قناة كردية، ولا يمكن قراءته قراءة حرفية معزولة عن بيئته الخطابية،
ولا عن البيئة السياسية التي سيتلقاه فيها الجمهور. فالجملة القصيرة تبدو للوهلة الأولى إقرارًا مباشرًا بصناعة أميركية للسلطة في دمشق، غير أن دلالتها تتشظّى بين سياقين مختلفين تمامًا:
السياق الأميركي الداخلي، والسياق العربي–السوري شديد الحساسية تجاه مسألة الشرعية والتدخل الخارجي.
وفي هذا الإطار، يبرز تكرار الثناء الشخصي من قبل ترامب على أحمد الشرع، عبر الصفات نفسها مرارًا وتكرارًا، مثل “رجل خشن”، “صلب”، و“يسعى لتوحيد البلاد”، مما يجعل الثناء جزءًا من النمط الخطابي ذاته الذي يرسخ صورة محددة للزعيم أمام الجمهور.

العبارة قد تكون مألوفة في واشنطن، لكنها ليست بريئة دلاليًا في دمشق

في الثقافة السياسية الأميركية، عبارة I essentially put him there لا تُفهم بالضرورة باعتبارها إعلانًا عن تنصيب رسمي أو تدخل مباشر. كلمة essentially هنا مفصلية؛ فهي تترك مساحة رمادية واسعة تعني “كنت العامل الحاسم” أو “سياساتي هي التي مهدت الطريق”.
هذا النوع من الصياغة شائع في الخطاب الرئاسي الأميركي، حيث يُعاد اختزال مسارات معقدة ومتداخلة في صيغة إنجاز شخصي مباشر.
ومن يعرف أسلوب ترامب يدرك ميله الواضح إلى تبسيط الوقائع الكبرى في جملة تقريرية حاسمة تنسب الفضل إليه، حتى لو كانت الوقائع تمتد زمنيًا أو مؤسسيًا إلى ما هو أبعد من شخصه أو ولايته.

غير أن انتقال العبارة إلى الفضاء العربي يغيّر معناها جذريًا. في الوعي السياسي السوري تحديدًا، القول “أنا من وضعته هناك” يُقرأ غالبًا بوصفه دلالة على رعاية خارجية مباشرة، أو دعم حاسم، أو حتى صناعة سياسية كاملة.
وحين يكون المقصود هو أحمد الشرع الذي جاء إلى السلطة بعد انهيار النظام وفرار بشار أسد إلى موسكو إثر عملية عسكرية قادتها فصائل معارضة، فإن أي إيحاء بدور أميركي حاسم يمسّ فورًا سردية “التحول الوطني” ويضعها تحت مجهر التشكيك. هنا لا تُقرأ العبارة باعتبارها مبالغة خطابية، بل كتصريح سياسي ثقيل الظلّ قد يُستخدم للطعن في شرعية السلطة الجديدة أو في استقلالية المسار الذي أدى إلى سقوط النظام.

وتزداد حساسية العبارة بسبب المفارقة الزمنية؛ إذ إن الانهيار السياسي والعسكري للنظام السوري وقع خلال ولاية جو بايدن، ما يفتح الباب لتفسير التصريح بوصفه محاولة ضمنية لاحتكار سردية الإنجاز في مواجهة إدارة سابقة. بهذا المعنى، قد يكون الكلام موجّهًا إلى الداخل الأميركي بقدر ما هو موجّه إلى الخارج، في سياق تنافس سياسي حول من يملك حق نسب التحول السوري إلى سياساته.

إذن، لسنا أمام جملة واحدة بدلالة واحدة، إنما أمام عبارة تتحرك بين مستويين: في أميركا، خطاب تبنٍّ للنتيجة ضمن أسلوب بلاغي مألوف؛ وفي سوريا والمنطقة، إيحاء ثقيل قد يُفهم كإقرار بصناعة خارجية. الفارق ليس في الكلمات نفسها، بل في الذاكرة السياسية التي تستقبلها، وفي حساسية كل بيئة تجاه فكرة “من يصنع السلطة”.


عندما يتكرر الثناء الشخصي من قبل دونالد ترامب على أحمد الشرع، وبالعبارات نفسها تقريبًا — “رجل خشن”، “صلب”، “يعمل جيدًا”، “ليس مرتبكًا”، “يسعى لتوحيد البلاد” — فإن الظاهرة لا تبدو عابرة أو انفعالية، إنما تنتمي إلى نمط خطابي معروف في أسلوب ترامب السياسي. فالرجل يميل، في مقاربته للعلاقات الدولية، إلى شخصنة السياسة الخارجية واختزال الدول في صورة الزعيم الفرد. هو لا يقدّم عادة توصيفات مؤسسية أو تحليلات بنيوية، لكن يفضّل رسم صورة مركّزة لقائد “قوي” يمسك ببلاده. هذا المعجم ذاته استخدمه سابقًا مع فلاديمير بوتين حين وصفه بالقائد القوي والذكي، ومع كيم جونغ أون عندما أشاد بذكائه وبقبضته المحكمة على بلاده، وكذلك مع رجب طيب أردوغان وشي جين بينغ حيث كرر ثنائية “القوة” و“القدرة على السيطرة”. إن تكرار الصفات هنا ليس زلة لسان ولا انطباعًا عابرًا، هو جزء من قاموس ثابت يرى في “الصلابة” معيارًا أوليًا لتقييم القادة.

غير أن هذا التكرار لا يؤدي وظيفة وصفية فحسب، إنه يقوم أيضًا بدور ترسيخي في الداخل الأميركي. فالرئيس، في البيئة السياسية للولايات المتحدة، يخاطب جمهورًا حساسًا تجاه فكرة “الدول الفاشلة” والتورط في نزاعات طويلة. وعندما يكرر توصيفًا إيجابيًا لزعيم دولة خرجت من حرب مدمّرة، فإنه لا يمدح الشخص بقدر ما يثبّت صورة مفادها أن هناك من يمسك الأمور، وأن المشهد ليس فراغًا فوضويًا قد يجرّ واشنطن إلى التزامات غير مرغوبة. بهذا المعنى، يصبح الثناء أداة ضبط سردية: فهو يحدد الإطار الذي ينبغي أن يُفهم ضمنه ذلك البلد، ويمنع تكوّن صورة مضادة قائمة على الانهيار الكامل أو العجز التام.

غير أن هذا الثناء لا يقتصر على الوصف فقط. فكل مرة يُشاد بصفاته، يتم تثبيت صورة محددة له أمام الجمهور، ويصبح عليه الالتزام بهذه الصورة. أي خروج لاحق عن هذه الصورة سيُفهم مباشرة كخلاف للتوقعات التي رسمها ترامب، ما يجعل الثناء أداة ضغط ضمني على الشرع نفسه، وليس مجرد تعبير إعجاب.

المقارنة بين السياق الأميركي والسوري تظهر أن عبارة واحدة يمكن أن تحمل دلالات متعددة تتفاعل مع الذاكرة السياسية لكل بيئة.
بينما في واشنطن يُقرأ التصريح كتقرير عن نجاح سياسي أو تأثير في مسار الأحداث، في دمشق يُفهم كإيحاء بنفوذ خارجي وربط للسلطة الشرعية الجديدة بداعم أجنبي.

إضافة إلى ذلك، فإن تكرار الثناء على أحمد الشرع يحدد الإطار الذي يُتوقع أن يعمل ضمنه، ما قد يؤثر في قراراته الاستراتيجية ويحد من هامش المناورة السياسي، ويحول المديح إلى أداة لتثبيت صورة القيادة السورية أمام الداخل والخارج، مع انعكاسات واضحة على مسارات السياسة المستقبلية.

 


يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية