ثمة نوع من الهدر الروحي يتخفى خلف قناع اللطافة، تارة يسمى “دمًا خفيفًا” وتارة يُصنف كذكاء اجتماعي، وفي الجوهر ليس سوى انتحار بطيء لمخزون الكيان الشخصي.
الرغبة أن تكون “حلوًا” في حياة الآخرين تجعل منك مشاعًا عامًا. هنا تتقاطع مع كتب التحفيز الرخيصة في النتيجة، وتفترق عنها في الفاتورة؛ الكتاب يبيع الوهم ليقبض ثمنه، وأنت تمنح الحقيقة لتخسر نفسك.
هذا النزيف الذي تسميه “عطاءً” ليس وقتاً ولا انتباهاً؛ إنه المادة الخام للروح، تلك التي تفيض في حضرة وجوه عابرة وتجف تماماً حين تخلو بنفسك.
تنتهي الحفلة وتعود إلى ركنك مجرد فائض قيمة تم استهلاكه، مفرغاً من المعنى، ومطروحاً خارج الحسابات.
الناس يلوكون قصب السكر لاستخلاص حلاوته، ثم يلقون بالألياف الجافة دون التفاتة واحدة. هذا ليس جحوداً، إنه قانون البلادة البشرية.
المشكلة؛ إصرارك المريب على توزيع “الابتسامات المجانية” في أزقة لا ترد التحية، وحشر حضورك في مجالس تبتلعك ثم تتقيؤك وحيداً لتلوك فراغك تحت سقف غرفتك.
عبثية الذوبان
تتوهم أنك تذوب كالسكر، لكن السكر الحقيقي؛ لا يتدرب على الرقة، ولا يدرس فنون التملق. يذوب في اللحظة المناسبة، في الكوب الذي يستحق، وبالحرارة التي تليق به.
أما أنت، فتختار الذوبان في أوساط آسنة، أو في صقيع لا يطلب أصلاً من يحلّيه. هذا “اللطف” المبالغ فيه هو عناد صامت ، رغبة في البقاء “سائلاً” وسط عالم لا يعترف إلا بالأجسام الصلبة والزوايا الحادة.
القابلية للذوبان خيارك أنت. لا نبل في هذا التلاشي ولا تضحية مقدسة؛ هو مجرد قرار بممارسة الاحتراق الذاتي لتدفئة من لا يشعرون بالبرد.
أنت مادة قابلة للاستهلاك بقرار شخصي، وهذا يفسر الفراغ الذي يسكنك الآن. العالم لن يغير قوانينه الصارمة لمجرد أنك قررت أن تذوب في أحشائه دون ثمن.




ماهر حمصي