سدنةُ الجهل: حين يكسرُ “الوزيرُ” وزنَ الوطن

الشعر في جوهره هو “الأنا” في أبهى تجلياتها؛ هو الصرخة الفردية والوحي المتفرد الذي لا يقبل القسمة على اثنين.
لكن في “أقدم عاصمة مأهولة”، يبدو أننا نشهد ولادة عصر “الشعر التشاركي”؛ حيث يجلس الوزير ومدير مديرية المراكز الثقافية جنباً إلى جنب كأنهما في جلسة “عصف ذهني” في مناقصة توريد كلمات ، ليطبخا لنا “ديو غنائياً” يزعمون أنه نشيد سوريا القادم.

هي ليست مجرد سقطة أدبية، إنها  “خيانة” لذائقة أمة وعراقة دمشق.
اعترافٌ صريح بـ الإفلاس الإبداعي؛ فالعجز عن صياغة “أنا” وطنية قوية دفع “أصحاب المعالي والسيادة” إلى الاستقواء ببعضهم البعض، ليخرج النص مسخاً هجيناً، بلا هوية وبلا روح.
وهي سقطةٌ أخلاقية ومهنية لا تُغتفر. الوزيرُ يُفترض أن يكون “ناظماً” للعملية الإبداعية، لا “منافساً” لرعاياه من الشعراء المبدعين.
هذا السلوك هو قمة الاستعلاء الثقافي، حيث تتحول المسابقة الوطنية من بحثٍ عن الأفضل إلى “منصة استعراض” لأصحاب الكراسي.

من ” العلّة ” إلى ” الكسر “

المخزي والمخجل، أنَّ هذا “الثنائي الرسمي” الذي يقبضُ على ناصيةِ الثقافة، لم ينجح في حمايةِ اسمِ الوطن من الكسرِ العروضي.
في بيتٍ يُفترضُ أن يكونَ مطلعَ الفخر:
“يا سوريا يا موطنَ الحرفِ القديمْ

كيف لم تلحظ “لجنة تقييم النصوص” هذه التعتعة الإيقاعية في بوتقة البحر الكامل ؟.
فضيحة تقنية تبرهن أن النص كان “مقاولة إنشائية”، وأنَّ من كتبه لا يملك الذائقة الموسيقية لضبط اسم وطنه ، وأنَّ “المناصب” تمنح أصحابها حق العبث بكل شيء، حتى بإيقاع الوطن.

لم تكن خطيئةُ الكسر مجرد هفوة عابرة، إنها استمرار لمسلسل “العفن المؤسساتي” الذي يضرب مكاتب الوزارة بدمشق.
فقبل أسابيع فقط، طالعتنا مديرية الثقافة بجهلٍ فاضح في أبجديات اللغة، حين أصرّت على إبقاء حرف العلّة في “لم تروى”، وكأن الجهل في مكاتبهم موظف فاسد لا يقوى أحدٌ على صرفه.

إنَّ الرابط بين فضيحة ملصق “معرض الكتاب” وفضيحة “النشيد التشاركي” هو الخيانة اللغوية. الوزارة التي تُنصّب نفسها حارسةً للهوية، سقطت مرتين في اختبارات المرحلة الابتدائية ، المرة الأولى حين عجزت عن ضبط جزم الفعل بـ “لم”، والثانية حين عجز الـ”ديو” الغنائي البائس عن صهر اسم وطنهم في بحر الكامل دون تعتعة إيقاعية.


يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية