تدرس إدارة الرئيس ترامب فعلياً خيار احتلال بري محدود أو حصار بحري لجزيرة خارك بهدف ممارسة ضغط اقتصادي مباشر على إيران وإجبارها على إعادة فتح مضيق هرمز، الذي يمر منه نحو 21% من تجارة النفط العالمية. الجزيرة تبعد 15-25 كم فقط عن الساحل الإيراني، وتتعامل مع نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية (1.5-1.7 مليون برميل يومياً).
تقرير أكسيوس (20 مارس/آذار 2026) ينقل عن أربعة مصادر مطلعة أن الإدارة تناقش الاحتلال أو الحصار لإجبار طهران على وقف إغلاق المضيق. جيروزاليم بوست (22 مارس/آذار ) تؤكد أن مسؤولين أمريكيين رفيعين أبلغوا نظراءهم الإسرائيليين وحلفاء آخرين أن «الخيار البري قد يكون الحل الوحيد المتبقي». البيت الأبيض أكد أن «الجيش الأمريكي قادر على التعامل مع خارك في أي وقت إذا أمر الرئيس». هذا ليس قراراً نهائياً متخذاً، بل خياراً قيد الدراسة الجادة، مع الاعتراف الصريح بأنه «مقامرة محفوفة بالمخاطر العالية».
إمكانية تكتيكية ومخاطر الاستنزاف
تمتلك الولايات المتحدة القدرة اللوجستية والتكنولوجية لتنفيذ إنزال برمائي أو جوي بقوات المارينز (حجم محتمل يتراوح بين 800 إلى 5000 جندي حسب سيناريوهات البنتاغون)، مدعومة بغطاء جوي وبحري من حاملات الطائرات، وطائرات أوسبري، ومروحيات بلاك هوك، وطائرات ف-35، وزوارق الإنزال البرمائي (مثل يو إس إس تريبولي ويو إس إس نيو أورلينز التي يُرسلان آلاف المارينز). السيطرة الأولية على الجزيرة الصغيرة (مساحتها محدودة) قد تتحقق في ساعات أو أيام قليلة إذا سبقتها ضربات جوية تستهدف المواقع العسكرية (كما حدث جزئياً في 13 مارس 2026).
ومع ذلك، القرب الجغرافي الشديد من الساحل الإيراني (15-25 كم فقط) يجعل الاحتفاظ بالجزيرة تحدياً لوجستياً وعسكرياً كبيراً جداً. الإمدادات من القواعد الأمريكية في الكويت أو البحرين (حوالي 225 كم) ستكون عرضة للتهديد المستمر. الخسائر المتوقعة للقوات الأمريكية ليست هامشية أبداً، وتشمل:
- خسائر بشرية ومادية ملحوظة نتيجة هجمات بالصواريخ الباليستية قصيرة المدى، والطائرات المسيّرة (لويترينغ)، والمدفعية الساحلية التي يمكن أن تصل الجزيرة في دقائق معدودة.
- تعرض السفن والمروحيات والطائرات لزوارق كاميكازي مسيّرة («أسطول البعوض») وصواريخ أرض-جو محمولة على الكتف.
- صعوبة إقامة غطاء دفاعي جوي كامل بسبب محدودية المساحة وطبيعة الهجمات المكثفة والمستمرة من البر الرئيسي، مع قصور محتمل في أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية تحت مثل هذه الظروف.
- حرائق نفطية متعمدة قد تخلق دخاناً ساماً وكثيفاً يعيق العمليات الجوية والبحرية ويسبب إصابات تنفسية وتسمم إضافية للقوات، مع نقص محتمل في المعدات المتخصصة للتعامل معها.
- حد زمني عملي للوحدات (10-15 يوماً كحد أقصى بدون إمداد مستدام)، مما يجعل أي تأخير في الإجلاء تحت نيران مستمرة خطراً وجودياً.
الخبراء العسكريون (أمريكيون وبريطانيون ودوليون) يصفون الاحتفاظ بالجزيرة بأنه «صعب للغاية» و«مكلف جداً»، وقد يتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تشبه تحذيرات غاليبولي أو تجارب أخرى تاريخية. حتى لو نجح الإنزال الأولي، فإن القوات الأمريكية قد تصبح عرضة للاستنزاف أو الانسحاب تحت ضغط، مع خسائر بشرية ولوجستية غير هينة.
التداعيات في إيران
داخلياً: يوفر الاحتلال للنظام الإيراني فرصة واضحة لتعزيز التماسك الوطني عبر رواية «الدفاع عن السيادة الإيرانية» ضد «الاحتلال الأجنبي». الحرس الثوري والقيادة العليا يستطيعان تنظيم حملات تعبئة شعبية واسعة، حملات إعلامية مكثفة، وتضييق على أي معارضة داخلية، مما يعزز موقف المتشددين داخل المؤسسات على المدى القصير والمتوسط. اقتصادياً، خسارة الإيرادات النفطية الرئيسية ستؤدي إلى نقص حاد في السيولة الحكومية، انهيار محتمل لقيمة الريال الإيراني، ارتفاع التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، وبطالة متزايدة في المحافظات النفطية مثل بوشهر وخوزستان. هذا الضغط قد يؤدي إلى احتجاجات اقتصادية محدودة أو واسعة حسب طول فترة السيطرة، لكن النظام يمتلك أدوات أمنية فعالة وشبكات ولاءات تمكنه من احتوائها لفترة معينة. النتيجة المتوقعة: تماسك سياسي مؤقت ووطني مقابل ضعف اقتصادي مستمر وخانق يضغط على النظام طويل الأمد ويجبره على حسابات صعبة بين خيار الصمود الطويل أو التنازل في التفاوض تحت الضغط.
خارجيا :سيؤدي انقطاع الإيرادات النفطية إلى تقليص ملحوظ في الدعم المالي واللوجستي للحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان والميليشيات الشيعية في العراق وسوريا، مما يخفف مؤقتاً الضغط العسكري المباشر على إسرائيل ودول الخليج. في المقابل، من المحتمل أن تحول إيران الحدث إلى حملة دبلوماسية عالمية تُصوّرها كضحية احتلال إمبريالي، مما قد يكسب تعاطفاً دولياً محدوداً في بعض الأوساط. التقارب مع روسيا والصين سيزداد بشكل ملحوظ عبر صفقات طاقة مقابل دعم عسكري وتكنولوجي أعمق، مما يجعل إيران أكثر اندماجاً في المحور المضاد للهيمنة الأمريكية، رغم انخفاض نفوذها الإقليمي المباشر مؤقتاً.
التداعيات إقليمياً
دول الخليج (السعودية والإمارات والكويت وقطر) لها مصلحة مباشرة في إعادة فتح هرمز لأن اقتصاداتها تعتمد عليه بشكل كبير. من المتوقع أن تقدم تسهيلات لوجستية واستخباراتية للعملية الأمريكية دون إعلان مشاركة علنية واسعة، مع تسريع خطط التنويع الطاقي وتخزين المخزونات الاستراتيجية. ومع ذلك، يبقى خطر الرد الإيراني المباشر على المنشآت النفطية والموانئ (أرامكو، جبل علي، فجيرة، محطات الشحن) قائماً ومرتفعاً، مما يرفع مستوى التوتر الأمني في المنطقة بأكملها. إسرائيل قد ترى في العملية أداة ضغط مفيدة لكنها ستحسب مخاطر التصعيد عبر جبهات أخرى مثل حزب الله. الإقليم ككل قد يشهد زيادة في الوجود العسكري الأمريكي، مع ارتفاع أسعار النفط العالمية (تقديرات تصل إلى 120-160 دولاراً للبرميل) وركود اقتصادي محتمل يؤثر على التجارة والسياحة والاستثمارات.
التداعيات دولياً
أوروبا: (الاتحاد الأوروبي ودول مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وغيرها) لن تكون متفرجة محايدة، بل ستتخذ موقفاً واضحاً يركز على تجنب التصعيد العسكري. الدول الأوروبية تعتمد بشكل كبير على واردات النفط من الخليج، وأي ارتفاع حاد في الأسعار (120-160 دولاراً للبرميل) سيؤدي إلى تضخم مرتفع، أزمة طاقة، وركود اقتصادي يضرب قطاعات الصناعة والنقل والزراعة والطاقة في أوروبا بشكل مباشر وشديد. الموقف المتوقع الكامل: دعوة رسمية عبر الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة إلى «حل دبلوماسي فوري»، «احترام السيادة الإيرانية»، و«تجنب التصعيد العسكري» (كما أكدت الممثلة العليا للسياسة الخارجية كاجا كالاس في اجتماع وزراء الخارجية). رفض صريح أو تردد واضح في المشاركة العسكرية المباشرة في عملية هرمز أو احتلال خارك، مع «لا رغبة» في توسيع المهام البحرية الحالية مثل عملية أسبيدس في البحر الأحمر. بريطانيا وفرنسا قد تقدمان دعماً محدوداً لوجستياً أو بحرياً لحماية الملاحة إذا هدأ القتال، لكن بدون التزام كبير أو مشاركة في الاحتلال البري، ومع التأكيد على أنها لن تكون مهمة ناتو. ألمانيا تؤكد «لا مشاركة عسكرية» لكنها مستعدة لدعم دبلوماسي. مخاوف أوروبية شديدة من «أضرار لا رجعة فيها» للاقتصاد العالمي والأوروبي، مع محاولات لتنويع الإمدادات (زيادة واردات من النرويج أو الولايات المتحدة أو مصادر أخرى). توتر محتمل في العلاقات عبر الأطلسي، حيث ترى أوروبا العملية الأمريكية أحادية الجانب ومكلفة للجميع، وقد تؤدي إلى خلافات داخل الناتو. هذا الموقف يعكس حسابات أوروبا الواقعية: مصلحة في فتح هرمز لتجنب الأزمة الاقتصادية، لكن رفضاً قوياً للتصعيد العسكري الذي قد يضر بها أكثر من غيرها.
الصين: كأكبر مستورد للنفط الإيراني، تتأثر مباشرة بانقطاع الإمدادات. بكين ستدعو دبلوماسياً إلى حل سلمي واحترام السيادة، بينما تسرّع تطوير طرق إمداد بديلة وتستفيد من فرص شراء نفط إيراني بأسعار منخفضة عبر قنوات غير مباشرة. استراتيجياً، ستستخلص دروساً عسكرية من العملية الأمريكية (خاصة فيما يتعلق بالإنزال) لتطبيقات محتملة في تايوان، وتعزز نفوذها الاقتصادي في الشرق الأوسط عبر مبادرة «حزام وطريق»، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
روسيا: تستفيد من إلهاء الولايات المتحدة عن مسارح أخرى مثل أوكرانيا. موسكو ستحذر من تصعيد خطير وتقدم دعماً دبلوماسياً وتسليحياً غير مباشر لإيران، وقد توسع التعاون العسكري إذا طال الاحتلال. الهدف الأوسع هو تعزيز النظام متعدد الأقطاب وإضعاف الهيمنة الأمريكية الأحادية.
سيناريوهات بديلة محتملة
السيناريو البري ليس الخيار الوحيد المطروح داخل البنتاغون والبيت الأبيض. هناك أربعة سيناريوهات بديلة رئيسية تمت مناقشتها أو يتم النظر فيها حالياً، بناءً على التقارير والتحليلات:
-
- سيناريو الحصار البحري المكثف (الأكثر احتمالاً حالياً): بدلاً من إنزال بري، يركز على نشر أساطيل بحرية أمريكية وبريطانية وفرنسية محدودة لمنع الوصول إلى خارك وإغلاق المضيق جزئياً أو كلياً. الهدف: إجبار إيران على إعادة فتح المضيق دون احتلال أرضي. المخاطر أقل (خسائر بحرية فقط)، لكن الفعالية محدودة لأن إيران تستطيع استخدام زوارق كاميكازي مسيّرة ومسيّرات للرد. هذا السيناريو يُفضّل حالياً لتجنب «مستنقع بري».
- سيناريو الضربات الجوية المتكررة فقط (دون احتلال): استمرار الضربات الجوية على المواقع العسكرية في خارك (كما حدث في 13 مارس) مع تجنب البنية النفطية. الهدف: تدمير القدرات الدفاعية الإيرانية تدريجياً. هذا أقل تكلفة بشرياً، لكنه قد يطول لأشهر ولا يضمن فتح المضيق فوراً، وقد يؤدي إلى تصعيد إيراني غير متوقع (ضربات على منشآت خليجية).
-
سيناريو الإنزال الساحلي المحدود أو احتلال جزر مجاورة (Qeshm أو Larak أو Abu Musa): بدلاً من خارك مباشرة، احتلال جزر أو موانئ ساحلية إيرانية أخرى للسيطرة على جانب المضيق. هذا يقلل المخاطر المباشرة على خارك، لكنه يتطلب قوات برية أيضاً ويثير نفس مشكلات الاستنزاف.
-
سيناريو التفاوض الدبلوماسي المباشر أو غير المباشر (عبر وسطاء مثل عُمان أو الصين): دمج الضغط العسكري مع عرض تفاوضي (رفع بعض العقوبات مقابل فتح المضيق). هذا السيناريو يُناقش داخلياً كخيار «خروج مشرف» إذا طال التصعيد، وهو الأقل تكلفة لكن يعتمد على مرونة إيران.







ماهر حمصي