من المضحك أن تختار منصة إعلامية كردية ناطقة بالعربية اسم “شمس”، لتمارس ” خسوفاً ” متعمداً لأهم حوار سياسي في مرحلة ما بعد تطهير حلب .
إيلي ناكوزي، الذي دخل دمشق محاوراً ليخرج منها بذهنية “الخفير” الذي يئد الحقيقة في مقبرة الرقابة المأجورة، لم يسقط فقط في فخ الانبطاح لسياسات الممول إنما ارتكب مجزرة مهنية حولت “الصحفي” إلى أداة لحجب كل ما يفضح عورات المشاريع الانفصالية وتنصلها من العهود.
في عالم الصحافة، يقاتل المحاورون من أجل “الخبطة” (Scoop)، ويبذلون الجهد لانتزاع تصريح من رئيس دولة يغير مجرى التاريخ. غير أننا اليوم أمام “ابتكار” فريد سجلته قناة “شمس” ومديرها إيلي ناكوزي؛ وهو “الخبطة الْمَوْءُودَة “. لقد قرر المحاور، في لحظة تجلي بطولية زائفة، أن يحرم العالم من مشاهدة حوار مع الرئيس السوري أحمد الشرع، مدعياً في البداية أن سبب “تأجيل البث” يعود لأعطال تقنية ولوجستية، قبل أن ينصب نفسه وصياً على السلم الأهلي والعالمي، وكأن المشاهدين أطفال قُصّر يحتاجون لمن يحمي آذانهم من “حقائق” السياسة.
1. مأزق الهوية المهنية
المعايير الصحفية تقتضي وضوحاً كاملاً؛ فإجراء حوار بهذا المستوى دون نشره يضع مصداقية الوسيلة في مهب الريح. ناكوزي اختار “الحجر ” على المعلومة، محاولاً اكتساب مشروعية استثنائية من مقام الضيف، لكنه سرعان ما كشف عن حقيقة القناة كأداة تابعة لأربيل، وظيفتها حماية “الرمزية” التي تنفر من مواجهة الحقائق السورية.
2. رعب الأرقام
الرئيس الشرع لم يبعهم إنشائيات، إنما قدم “جرد حساب” بالأرقام عن النفط والغاز والقمح المنهوب تحت غطاء التنظيمات التي تحميها التفاهمات المشبوهة. استعرض الشرع تفاصيل اجتماعاته مع “مظلوم عبدي” باليوم والساعة، واضعاً يده على الجرح بكشف الجهة التي تنصلت من تنفيذ “اتفاق آذار”. واتفاق ” نيسان”.
هنا تحول ناكوزي من ناقل للمعلومة إلى طرف في الخصومة؛ وبدلاً من عرض المادة الخام وترك الحكم للجمهور، قرر أن يكون “السجان” للمعلومة، حمايةً لمصالح الممول التي تتقاطع مع بقاء حالة الفوضى والنهب المنظم.
3. “النصيحة” التي أفسدت “التهديد المزعوم “
بمنتهى الابتذال المهني، خرج ناكوزي ليدعي أن الكلام “تصعيدي”، متجاهلاً أن الشرع قصف جبهته ببرود سياسي حين قال له: “أنا لا أهدد.. أنا أنصح وأشرح السياقات”. وهنا تبرز الخطيئة الكبرى: كيف يجرؤ محاور على تقديم “تقييم شخصي” لمضمون لم يره الجمهور؟!
دور الصحفي ينتهي مهنياً عند إدارة الحوار، لا في لعب دور “الناطق الرسمي” باسم بارزاني الذي يبرر الجبن المهني بذريعة “تهدئة الوضع”.
لو كان ناكوزي محترفاً، لواجه تلك السياقات بأسئلة ندية ، لا بإعدام المادة.
4. منطق الدولة
الاعتراف الأشد فجاجة في بيان ناكوزي تمثل في خشيته على “رمزية مسعود بارزاني”. هنا يسقط القناع؛ فالمحاور يعترف بلسانه أنه يعمل “حارساً للأيقونات” وليس صحفياً.
الرئيس الشرع وجه رسائل طمأنة واضحة للمكون الكردي، وطرح مشروعاً للدمج الوطني (جيشاً، أمناً، برلماناً) ورد المظالم عبر منطق الدولة والمواطنة. هذا الطرح هو الذي خشيته القناة وملاكها؛ لأنه ينهي مبرر وجود “الإقطاعيات السياسية” ويضع الجميع أمام استحقاق المواطنة السورية الكاملة، بعيداً عن التبعية للخارج.
5.دمشق تسحق “عدم البث” بذكاء المترجم
في قمة الغباء المهني، ظن ناكوزي ومن خلفه أن “عدم البث” سيمحو الحقيقة في عصر الفضاء المفتوح. الرد السوري جاء “بالكردي الفصيح”؛ حين نشرت الإخبارية السورية المقاطع مترجمة، ليرى الكرد بأعينهم رئيساً يطمئنهم ويفضح “التنظيمات الوظيفية”.
دمشق لم تنشر فيديو، إنما نشرت “شهادة وفاة” لمصداقية إيلي ناكوزي ، وجعلت منه أضحوكة حاول ممارسة الوصاية على الوعي، فكانت النتيجة أن المقابلة “الممنوعة” أصبحت الصرخة الأكثر تأثيراً في كل بيت كردي.
زبدة الكلام
إيلي ناكوزي وقناته التابعة لم يحموا السلم الأهلي، بل حموا “بيزنس” المتاجرة بالوجع الكردي ورمزياتهم المتهالكة. خضوع الإعلامي لسياسات الممول يجعله “موظف مواءمات” لا صحفياً، والمهنية كانت تفرض عليه إما تسجيل موقف شجاع أو الامتناع عن لعب دور يتعارض مع قواعد العمل المستقل.
انطفأت شمسهم بضغطة زر سورية، وبقي ناكوزي وحيداً يلوك أكاذيبه أمام واقعية فضحت “اتفاق آذار” الموؤود وعرّت سدنة الرقابة المأجورة.




ماهر حمصي