الصوت الآلي الأنثوي: “خطّك خارج الخدمة”! … لـ: منذر مصري

منذر مصري
شاعر و فنان سوري

أظنّه، يتوجّب عليّ الآن، فقد تلهّيت زمنًا أكثر من اللازم، أن أتّصل بالممرّضة ذات الملامح الشرق آسيوية، التي أعطتني رقم هاتفها الجوّال منذ أسبوع، وأسألها ما إذا كانت أختي قد أنهت استشارتها الطبّية في العيادة الجلدية المركزية، الواقعة في الطابق الثالث من ذلك البناء الذي كانت تحتلّ واجهته بأكملها صورة ملونة ولامعة للرئيس بشّار الأسد، يرتدي زيًّا عسكريًّا مائلًا للصفرة، بكتفين عريضين وكمّين طويلين على نحو زائد، وكأنها لم تكن مخاطة خصيصًا له!

ولكنّ المشكلة، أنّي لم أحتفظ بالرقم الذي اتّصلت به معها أوّل مرّة، غير أنّي أستطيع معرفته بالعودة إلى تاريخ اتّصالي السابق ذلك اليوم؟ ها هو، وها أنذا أتّصل: “خطّك خارج الخدمة”! يقول الصوت الآلي الأنثوي. اتّصل مرّة ثانية، يجيب الصوت الآلي الأنثوي ذاته، مصرًّا على وضع صفة (الآلي) قبل صفة (الأنثوي) لافتقاده لأيّ إحساس بالإغواء، إلّا أنّه (أنثوي) لا مجال للإنكار!
ترى هل هو صادر عن آلة أم إنّه صوت طبيعي لامرأة ما، تمّت برمجته ليجيب آليًّا في هكذا حالات؟
مثال: “أضغط 1 للمبيعات”! لطالما تساءلت، ولم أعرف: “خطّك خارج الخدمة”. حسنًا، فليكن، عليّ إذن، أن أذهب للعيادة بنفسي، وهي ليست بعيدة جدًّا من حسن الحظّ!

ولكن من الأفضل قبل هذا أن أتّصل بزوجتي لأعلم ما إذا اتّصلت بها أختي خلال الوقت الذي أضعته في المرسم، لا أفعل شيئًا محدّدًا، وسألتها عنّي، أم إنّها لم تتّصل بعد؟
أيضًا يجيب الصوت الآلي الأنثوي، الذي خيّل لي للحظة، عند سماعي الحروف الأولى من مطلع العبارة، أنّه صوت زوجتي: “خطّك خارج الخدمة”!
شعور بالانزعاج والقلق معًا بدأ ينتابني، أذكر أنّي دفعت فاتورة الشهر الماضي منذ أيام قليلة. ولكن من يعلم!
ربما يتهيأ لي ذلك، ذاكرتي لا تعمل بشكل جيد عندما يكون هناك شيء ما يقلقني.
استخدم جهاز الهاتف الأرضي، الذي نادرًا ما بتّ أحتاجه، وأتّصل بالرقم الرباعي: 1234، سهل الحفظ، لمركز دفع فواتير الهاتف الذي أتعامل معه عمومًا لدفع فواتيري، وأطلب من الفتاة التي أجابت علي، دفع 25 ألف ل.س باسمي، صالح الحاج باكور، صاحب رقم 0877945932.
تصلني مباشرة، بعد لا أكثر من دقيقة واحدة، رسالة قصيرة تقول إنّه تمّ تسديد مبلغ 20 ألف ل.س من رصيدي، دون أي توضيح آخر!
أفهم أنّ مبلغ 5آلاف ل.س، اقتطع كعمولة للمكتب، مبلغ كبير نسبيًّا أليس كذلك؟
أنتظر نصف ساعة، أجرب رقمين ثلاثة، موضوعين في المفضلة، ما زال الخطّ مقفلًا، انتظر نصف ساعة أخرى، أجرب عدّة أرقام أخرى لا على التعيين، وفي كلّ مرّة يجيب الصوت الآلي الأنثوي، بالنبرة ذاتها، حياديًّا ومقتضبًا، دونما أدنى تغيير، ودونما حاجة لأيّ شرح: “خطّك خارج الخدمة”.

يرتفع مستوى الأدرينالين في دمي، لديّ قرون استشعار خفيّة، تطوّرت قدراتها على الإحساس بالأخطار، من أيّ نوع كانت، حتّى المتنكّرة منها، والتي تبدو في البداية تافهة، ولا يجب التوقّف عندها، والتفكير بها، ولو للحظة، وذلك خلال سنين طويلة، قضيتها تحت وطأة الاستدعاءات والتحقيقات في فروع الأمن، تبعها أمر باعتقالي كيفيًّا وبأيّ طريقة متاحة، وذلك يعني أنّه يسمح باتخاذ أي إجراء يقتضيه اعتقال الشخص المطلوب، ومنها إطلاق الرصاص، كما فسّره لي أحد المحامين الذين استشرتهم آنذاك، أصدره بحقّي قاضي تحقيق الغرفة الثانية في محكمة الإرهاب، هذه القرون الخفية تخبرني الآن أنّه هناك، في المدى القريب، مشكلة. مشكلة كبيرة سأجد نفسي واقعًا فيها.
ذلك أنّه لم يحدث، منذ /20/ سنة وأكثر، منذ أن بدأت، متأخّرًا عن أغلب أصدقائي الذين سبقوني، باستخدام الهاتف النقّال، أن تعرّض خطّي لشيء كهذا.
ذلك الاتّصال الخاطئ عن طريق الشبكة المحلّية بدل الاتصال على تطبيق الواتساب، مع (ن. ش) الفلسطيني المقيم في عكّا داخل إسرائيل، رئيس تحرير موقع (ث. ض) الذي أكتب به، هو السبب!
ورغم أنّ الاتصال لم يتم، أقصد أنّ المحادثة برمّتها لم تحصل، فالخط لم يفتح، ولو لثانية واحدة، لأنّ رمز 00972 في الأساس محجوب في المقاسم السورية كلّها، أيّام النظام السابق وبعده، إلا أنّه ليس شيئًا عاديًا أن يتّصل رقم سوريّ برقم إسرائيلي، حتى وإن كان الأمر متعذرًا، يكفي المحاولة، المحاولة وحدها تكفي لخلق الشبهة.
أصدف (أ. ش) جالسًا وحده على إحدى الطاولات الخشبية المستديرة الصغيرة على رصيف مقهى (البستان)، أفاجئه بالجلوس بجانبه، من غير أن يدعوني، مخالفًا بذلك ما ألفه مني، فكثيرًا ما كنت أعتذر بتلويحة يد عابرة، أو أكتفي، في حال أنّي أحمل شيئًا، بهزّة من رأسي، استجابة لدعواته المتكرّرة.
أطلعه مباشرة على ما يقلقني، يجدها فرصة سانحة لأن يأخذ ثأره منّي، فيقول موبّخًا: “أهذه غلطة يا صالح، تسرّعك الذي كثيرًا ما حذرتك منه، طيشك، هو ما أوصلك إلى هذا. كيف لم تنتبه؟” ثم، بعد هذه البداية غير المطمئنة، كما كنت آمل، يتحوّل (أ. ش) من التوبيخ للهزء: “يا رجل، الدولة السورية كلّها، بقضّها وقضيضها، تجري اتصالات مع إسرائيل.
فأين المشكلة؟ ثم أنّك معروف بعدائك الزائد، المبالغ به، لإسرائيل، مقالاتك عن /7/ أكتوبر، وقراءتك المصورة لقصيدتك عن غزّة، شاهدها وسمعها الجميع، ما يجب أن تخافه بعد كلّ هذا، هو أن تستهدفك إسرائيل، وليس سواها، من بين الذين ستستهدفهم قريباً، إسرائيل تعرف أعداءها، أنت قلت”. مصاحبًا المقطع الأخير من كلامه بضحكة استعراضية!
أفكر بالجزء الذي همّني من ترّهاته، نعم الدولة كلّها تتّصل بإسرائيل، وهذا ليس سرًّا، كما أنّه ليس أيضًا جديدًا، لا في العهد الحالي ولا في سابقه، لكنّ ذلك لا يعني أنّه يسمح للمواطنين، للناس العاديين، بالاتصال مع من يشاؤون في أيّ دولة في العالم!
اتّصال الدول مع الدول شيء واتّصال الأفراد شيء آخر، بالتأكيد. وهذه المقالات والقصيدة التي شاركت بها في تظاهرة 168 شاعرًا عالميًا يقرؤون قصائد من أجل وقف الحرب في غزّة، من السهل عليهم من أن يعدّوها نوعًا من التغطية والتستّر! أن تكون جاسوسًا لإسرائيل، يعني أن تفعل أيّ شيء لتظهر عداءك الكبير لها! وهذا ما لا يجهله أحد.

ولكن.. ماذا ينبغي علي أن أفعل الآن، ليخبرني أحدكم؟ يا اللّـه الآن تذكرت، هناك شخص ذو صفة دينية معينة تعرّفت عليه مؤخّرًا، بعد سقوط النظام، وتوطّدت علاقتي معه، إثر لقاءات عامة وخاصة، درجت كثيرًا في الفترة الأخيرة على نحو واسع بين المحدثي سياسة الناشطين في الشأن العام من أبناء المدينة، والذين سابقًا، أيّام النظام البائد، ما كانوا يجرؤون على أن ينبسوا بحرف، إلّا أنّي قاطعتها جميعها تقريبًا، سوى تلك التي أضمن، أنّي لن أرى ولن أسمع ما سوف يزعجني ويخرجني عن طوري، فيها. منها علمت، أنّ لديه علاقات جيّدة مع المسؤولين الأمنيين الجدد في المحافظة. حسنًا، سأشرح له، والاحتمال الأكبر أنّه سوف يصدّقني، آمل ذلك، خاصّة وإنّه، منطقيًّا، من يرغب بالتواصل مع شخص أو جهة داخل اسرائيل، يستطيع أن يفعل ذلك على الواتس، أو الماسنجر، أو البوتيم، وكلّها، كما يدّعي مشغلّوها، تؤمّن اتّصالات آمنة، ولا حاجة له أن يستخدم شبكة الاتّصالات المحلية، وهو يعلم أنّها تحت المراقبة وأنّ الأرقام التي يتّصل بها أيّ مشترك ستكون معروفة، وستورد في الفاتورة الشهرية، وهذا، أعني ما قلته للتوّ، معلومات عامة يعرفها الكبير والصغير. وجدت الباب المكتب، مفتوحًا على مصراعيه، استغربت قليلًا، واستبشرت خيرًا، صديقي هذا، بما أعرفه عنه من حسن التفهّم، سيبدّد لي كلّ مخاوفي، يكفي أن يقول لي: “يا له من أمر تافه! خطأ قد يقع فيه أيّ واحد منّا، صديقي أنت قلق لأجل لا شيء!”. ولكن، لسوء حظّي، وجدت داخل المكتب شخصًا آخر، يرتدي ثيابًا عسكرية، أو قريبة لأن تكون عسكرية، قربها لأن تكون ثيابًا، أخبرني، بلغة عربية ذات لكنة، بأنّ صديقي الشيخ خارج البلد! وبأنّ موعد عودته ليس قريبًا.

أتّجه إلى مكتب دفع الفواتير، لحسن حظّي، هذه المرّة، لا يبعد كثيرًا. وهذا كما يقال في هكذا حالات: “حظّ صغير جيد داخل حظّ كبير سيء”. هناك فتاة تستقبل الزبائن، ربما هي الفتاة نفسها التي سدّدت لي المبلغ، أستفهم منها ما إذا كان باستطاعتها معرفة سبب اغلاق خطّي، ذي الرقم 0877945932، مع أنّي قد سدّدت الفاتورة مرّتين، حسب ظنّي.
تجري الفتاة اتّصالًا برقم #123# خدمة الشبكة التي يعمل عليها خطّي، تجيب عليها بعد انتظار قليل فتاة أخرى، ثم بعد انتظار قليل ايضًا، تخبرها بأنّها قامت بالتدقيق في وضع الرقم 0877945932، وبأنّ سبب انقطاع الخطّ، عدم تسديد مبلغ مستحقّ من فاتورة الشهر أيّار – مايو الماضي، لا يزيد عن /1500/ ل.س. وأنّه سيعاد تفعيل الخطّ، بعد ساعة من الدفع، في أقصى حدّ.
يا إلهي.. كلّ قلقي، كلّ هلعي، كما لو أنّه صحيح أنّي أجريت اتّصالًا مع العدو الإسرائيلي، وأنّه قد انكشف أمري، واعتقلت، وحقّق معي، واتّهمت، ولا أدري ماذا يمكن أن يحكم علي، كان هراء، هبلًا، قرون استشعاري الخفية تلك، التي حدثتكم عن تطوّر قدراتها، لا أظنّها فحسب، بل بالتأكيد، صدئت، واهترأت، وتكسّرت رؤوسها.

أطلب من الفتاة سداد المبلغ مباشرة، وأترك لها فوقه ما يزيد عن ضعفه مرّتين، مقابل انقاذها لي من تلك الورطة، وأخرج من المحل وأنا في راحة عظيمة.
ودون أيّ مبالغة، أستطيع القول: “كأنّي خلقت من جديد”! انتهى كابوسي الأسود هذا بأفضل خاتمة!
والآن بات كلّ شيء خلفي، وعدت أشعر وكأنّ الحياة عادت لمجراها الطبيعي بعد أن توقّفت لساعات.
ليت مشاكلي كلّها تحلّ على هذا النحو، ولو أنّ الأمر لم يكن سهلًا لهذه الدرجة!
عليّ الآن أن أنتظر ساعة، أخبروني أنّ هذا هو الحدّ الأقصى، لا أدري بماذا أفكر، ولا أدري ماذا أفعل، أحاول الاستماع إلى أغنية ما أحبّها، كثيرًا ما ساعدني هذا على تبديد الوقت وقتله!
أحتاج أغاني كثيرة، هناك وقت طويل!
أتّصل، الصوت الآلي الأنثوي، وكأنّه لا يوجد في العالم صوت آخر، يجيب: “خطّك خارج الخدمة”.
أجرّب مرّة ثانية، لا فائدة الصوت نفسه والعبارة نفسها.
أنتظر ساعة أخرى، الصوت الآلي الأنثوي يجيب: “خطّك خارج الخدمة”!
ما هذا؟ الآن مرّت ثلاث ساعات.. سأجرّب!


يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية