أكبر مسجد في أوسع خراب

هذه المدينة لم تكن “منسيّة” ومطرودة من الذاكرة ، ولم تكن ضحية إهمال عابر، ولم تسقط سهواً من حسابات الدولة.
ما جرى كان ترتيبا مقصوداً ومتواصلاً على مدى خمسة عقود وتزيد.
مدينة تُطعم البلاد وتُحرم من لقمتها، تجلس فوق النفط وتعيش في العتمة، ، تُستخدم ولا تُبنى.
أُريد لها أن تبقى هكذا: مفيدة إلى حد الاستنزاف، يلفها عجاجها وقالها وقيلها . وضعيفة لا تقوى على النهوض.

ثم جاءت الثورة ، لم تكتفِ بتهميشها ولم تفتح جرحاً جديداً فقط ، لقد كشفت الجرح القديم وهو يتعفّن. أربعة عشر عاماً من السحق جعلت الخراب لغة يومية. انتهت بانتصارٍ يُفترض أنه بداية، فإذا به استمرارٌ مُحسّن للكارثة. سبعون بالمئة من المدينة صار حطاماً ، والباقي يعيش كأنه ينتظر دوره بين الجوع والفوضى والخوف.

﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾

[المائدة: 32]

في الفقه الإسلامي، إنقاذ حياة إنسان واحد يعدل إحياء البشرية كلها.

الآن:
وزير ومحافظ يضعان حجر أساس لـ : خمسين ألف متر مربع !!
ليس لمستشفى  ولا لمدارس ولا لإعادة إعمار ولا لشبكات مياه ولا……………..
الحجر لتشييد أكبر مسجد بثلاث مآذن في قلب مدينة لم تُرفع عنها الأنقاض بعد.
نعم..

المدينة التي لا تجد ماءً تشربه ستجد مساحة تتوضأ فيها.
التي تغيب عنها الخدمات الصحية ستجد سقفا للدعاء .
التي تعيش وهم الأمن والاستقرار ستجد  شعورا بالاحتماء ، ومآذن أعلى من البيوت المهدمة.

المشكلة ليست في المسجد
المدينة  فيها مساجد. كانت فيها مساجد وهي تحترق، وظل الناس يصلون فيها بين الركام ويدفنون موتاهم ، والعبادة لم تشكُ يوماً من ضيق المكان.

أما المكان ، فهذا شأن آخر:
أرض الحديقة المركزية ، جرداء، قذرة، تُركت لسنوات حتى صارت مثالاً مصغّراً عن المدينة كلها: إهمال قديم يلبس ثوب الإهمال الجديد.
والناس لم تكن تأتي إليه لتتباهى به، كانت تأتي لأن لا شيء غيره موجود، لأن المدينة أُفرغت من أي مساحة يمكن أن تُحتمل. ..

الخطاب الرسمي سيقول “أكبر مسجد” ولن يقول “أوسع خراب”.

سيقف المسجد في النهاية، كبيراً، واضح الظل فوق المكان. ولن يتغير ما تحته كثيراً. إلا شيئاً واحداً صغيراً: الخراب صار له الآن سقفاً أعلى، وزاوية تصوير أفضل، وجواباً جاهزاً لكل سؤال: “ألا ترى؟ الإعمار بدأ.”



يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية