أصدرت وزارة الخارجية السورية بيانًا ردًا على تقرير لجنة الأمم المتحدة للتحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا الذي وثق ” أعمال العنف الوحشية” التي اجتاحت مدينة السويداء في شهر تموز/يوليو، وأسفرت عن مقتل أكثر من 1700 شخص وأجبرت ما يقارب 200 ألف شخص على النزوح من بيوتهم.
وأعربت الوزارة في بيانها، الذي صدر الجمعة 27 مارس/آذار، عن تقديرها لجهود اللجنة الدولية، مؤكدة أن الحكومة تعاملت “بأعلى درجات المسؤولية والشفافية” مع الأحداث منذ اللحظة الأولى.
كما أشارت الوزارة إلى تشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة في آب 2025، وإطلاق خارطة طريق وطنية في أيلول من العام نفسه لحل الأزمة، تضمنت دعوة رسمية للجنة الدولية للقيام بتحقيقها
تقرير دولي حول أحداث السويداء
أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية اليوم تقريرًا جديدًا حول أعمال العنف الوحشية التي اجتاحت مدينة السويداء في شهر تموز/يوليو، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 1700 شخص وأجبرت ما يقارب 200000 شخص على النزوح من بيوتهم.
ويستند هذا التقرير إلى 409 شهادات مباشرة من الناجين والشهود في المجتمعات المتضررة، إلى جانب زيارات ميدانية مكثفة إلى المناطق الأكثر تضرراً. وبعد منح الحكومة السورية الموافقة لدخول أعضاء اللجنة، وجد المحققون دمارًا واسع النطاق — لا سيما في القرى الدرزية، حيث أُحرقت عشرات الآلاف من المنازل والمحلات التجارية ودور العبادة.
وقال رئيس اللجنة السيد باولو سيرجيو بينهيرو: “إن حجم ووحشية أعمال العنف والانتهاكات الموثقة في السويداء أمر مقلق للغاية. فهناك حاجة ماسة إلى بذل جهود موسعة لمحاسبة جميع الجناة، بغض النظر عن انتماءاتهم أو رتبهم، من أجل إعادة بناء الثقة بين المجتمعات المتضررة، إلى جانب إجراء حوار صادق لمعالجة الأسباب الجذرية. “
وقد وثّقت اللجنة عمليات إعدام وتعذيب وعنف جنساني وحرق المنازل على نطاق واسع، من بين انتهاكات أخرى لحقوق الإنسان اعتبرت اللجنة أنها قد ترقى إلى جرائم حرب، وفي حال ثَبُتت العناصر اللازمة من خلال مزيد من التحقيقات قد ترقى أيضًا إلى جرائم ضد الإنسانية.
وكانت أحداث تموز/يوليو قد اندلعت في البداية بسبب التوترات بين الطوائف، وتطورت إلى ثلاث موجات مدمرة من العنف، استهدفت اثنتان منها المدنيين الدروز، واستهدفت الثالثة المدنيين البدو.
وفي الموجة الأولى والأكثر دموية، ارتكبت القوات الحكومية، برفقة مقاتلين من العشائر، انتهاكات واسعة النطاق للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان ضد المدنيين الدروز في الفترة ما بين 14 و16 تموز/يوليو في غرب محافظة السويداء وفي مدينة السويداء، بما في ذلك أعمال القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي والنهب. وتم فصل الرجال الذين تم التعرّف عليهم على أنهم دروز عن النساء والأطفال وإعدامهم. وأُطلق النار على آخرين في الشوارع أو قُتلوا في منازلهم إلى جانب أفراد أسرهم.
وبدأت الموجة الثانية في 17 تموز/يوليو بعد انسحاب القوات الحكومية، بعد الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت محافظتي السويداء ودمشق. ومن ثم هاجمت الجماعات المسلحة الدرزية المدنيين البدو، وارتكبت انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك أعمال القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي والتشريد القسري والنهب، مما أدى في النهاية إلى طرد مجتمع البدو بأكمله تقريباً من المناطق الخاضعة لسيطرة هذه الجماعات.
أما الموجة الثالثة والأكثر تدميرًا، التي نفذها مقاتلون من العشائر تم حشدهم في الفترة من أواخر 17 تموز/يوليو إلى 19 تموز/يوليو، فقد استهدفت مرة أخرى المدنيين الدروز ضمن أعمال انتقامية. فتم إحراق ونهب جميع المنازل والمحلات التجارية والمواقع الدينية تقريباً في حوالى 35 قرية ذات أغلبية درزية أو مختلطة.
ولم يؤدِّ التدخل العسكري الإسرائيلي، والجهود السابقة الرامية إلى عرقلة عمل الحكومة وتقويض المركزية وزرع الفتنة، إلى مقتل وإصابة أشخاص فحسب، بل ساهم ذلك أيضًا في زعزعة الاستقرار، مما أدى إلى تأجيج اتهامات الخيانة الموجهة إلى قادة المجتمع الدرزي، ودفع إلى مزيد من التحريض الإلكتروني على الكراهية والهجمات الانتقامية ضد المجتمع بأسره، ما أدى إلى تقسيمه.
ورافقت كل موجة من موجات العنف إهانات طائفية موجهة إلى المدنيين الدروز والبدو. وحددت اللجنة أنماطًا واضحة للاستهداف على أساس الهوية الدينية والعرقية والعمر والنوع الاجتماعي. واكتظت المستشفيات، وتراكمت الجثث مع اشتداد أعمال العنف.
وناشدت كل المجتمعات المحلية إلى تحقيق العدالة وتجديد العلاقات بين الطوائف. وتعهدت الحكومة بالمساءلة، ومنحت اللجنة إمكانية الوصول إلى السويداء، وأنشأت هيئة تحقيق وطنية أفادت مؤخرًا باعتقال 23 من عناصر الأمن والجيش. ولم يتم الإفصاح سوى عن معلومات محدودة بشأن التحقيقات المتعلقة بمسؤولية القيادة.
وقالت المفوضة فيونوالا ني أولين: “إن الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها أفراد من القوات الحكومية والجماعات المسلحة الدرزية قد ترقى إلى جرائم حرب، وتستلزم إجراء تحقيقات موسعة وسريعة وفعالة ونزيهة من أجل إحقاق العدالة وتقديم ضمانات بعدم التكرار. كما تثير الأحداث مخاوف جدية من أن الهجمات كانت جزءًا من هجوم واسع النطاق ومنهجي ضد السكان المدنيين في السويداء من قبل مجموعة فرعية من قادة القوات الحكومية – مما يتطلب اتخاذ مزيد من الإجراءات من قبل الحكومة للتحقيق في هذه الأحداث باعتبارها جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك من خلال طلب الدعم الدولي حسب الاقتضاء”.
وقد قُتل من المجتمع الدرزي 1190 رجلاً و99 امرأة و22 فتى و31 فتاة. أما المجتمع البدوي المحلي الأصغر حجمًا فقد قُتل منه 53 رجلاً و9 نساء و5 فتيان و3 فتيات. وكان معظمهم من المدنيين أو الأفراد الذين لم يشاركوا وقتها في الأعمال العدائية، على الرغم من أن الرجال الدروز والبدو الذين قُتلوا يشملون أيضًا أعضاء في الجماعات المسلحة أو مدنيين شاركوا مباشرة في الأعمال العدائية. كما أن ما لا يقل عن 225 من عناصر الحكومة لقوا حتفهم، وكثير منهم في غارات جوية إسرائيلية في الفترة من 14 إلى 16 تموز/يوليو في كل من السويداء ودمشق، وأُبلغ عن وقوع ضحايا إضافيين من العشائر. وفي المجمل، حصلت اللجنة على تقارير تفيد بمقتل أكثر من 1707 شخصًا.
وبالإضافة إلى ذلك، تعرّض العديد من الأشخاص للاختطاف أو الخطف أو الاحتجاز غير القانوني. وفي حين تم العثور على معظمهم وإطلاق سراحهم منذ ذلك الحين، لا يزال حوالى مئة درزي وعشرون شخص من البدو وثلاثون من موظفي الحكومة في عداد المفقودين، فضلاً عن متطوع في الدفاع المدني السوري فُقد أثناء مساعدته في عمليات الإجلاء. ولم تتأكد صحة التقارير الأولية التي أفادت بوجود أعداد كبيرة من النساء المفقودات. ولا يزال مصير ثلاث نساء بدويات وفتاة واحدة وثلاث نساء درزيات مجهولاً.
واتسمت أعمال العنف ببعد جنساني واضح، حيث استُهدف الرجال والفتيان بشكل خاص. كما أفادت كل من المجتمعات الدرزية والبدوية بوقوع أعمال عنف جنسي ضد النساء والفتيات، بما في ذلك الاغتصاب. ولم يتم تأكيد سوى عدد محدود من الحالات، ولا يزال التحقيق جاريًا لتحديد الحجم الكامل لهذه الأعمال.
ولا تزال محافظة السويداء منقسمة بشدة، مع انقطاع الحوار السياسي. ولم تتغير خطوط السيطرة منذ 19 تموز/يوليو، ولا تزال الاشتباكات مستمرة. ويجري التحقيق في التقارير المتعلقة بأعمال العنف بين الدروز وقيود التنقل التي تفرضها الجماعات المسلحة الدرزية المحلية.
ومن بين ما يقارب 200000 شخص نزحوا في تموز/يوليو، لا يزال حوالي 155000 شخص – معظمهم من القرى الدرزية المحروقة – غير قادرين على العودة. كما لا يزال جميع السكان البدو تقريبًا نازحين قسرًا، ولا يزال الكثيرون يعيشون في ملاجئ غير لائقة بعد مرور ثمانية أشهر. وتفيد مجتمعات أخرى، بما في ذلك المسيحيون والسنة من غير البدو، باستمرار انعدام الأمن والخوف من تجدد العنف.
وترى المفوضة منية عمار أنه: “في حين تعتبر الدولة هي المسؤولة في نهاية المطاف عن ضمان احترام حقوق جميع المتواجدين على الأراضي السورية، فإن الجماعات المسلحة الدرزية عليها أيضًا التزامات بموجب القانون الدولي الإنساني لمحاسبة أفرادها على الانتهاكات المرتكبة، وإعادة الجثث وتحديد مصير المفقودين، وضمان حق النازحين في العودة واحترام منازلهم وممتلكاتهم. وندعو جميع الأطراف إلى مضاعفة الجهود للوفاء بالتزاماتها القانونية، وحماية المدنيين، وحل الأزمة في السويداء حتى يتمكن جميع المدنيين من العودة إلى ديارهم وإعادة بناء مجتمعاتهم.”
وشهدت أحداث تموز/يوليو تصاعد خطاب الكراهية والتحريض على العنف بشكل كبير، وهو ما ازداد سوءًا بسبب المعلومات المضللة. وانتشرت على نطاق واسع مقاطع فيديو وادعاءات كاذبة ومفبركة، ومن بينها مزاعم شنيعة بإلحاق الأذى بالأجنّة والرُضّع، بما في ذلك من قبل مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية. ولم يتم إثبات صحة أي من هذه الروايات، لكنها عمّقت انعدام الثقة وجعلت آفاق المصالحة أكثر تعقيدًا.
ويدعو تقرير اللجنة إلى بذل جهود مكثفة لضمان المساءلة الشاملة، وتوفير ضمانات ملموسة واتخاذ إجراءات لمنع تكرار الأحداث، وتعزيز جهود بناء الثقة والمصالحة، واتخاذ تدابير متوافقة مع حقوق الإنسان لمكافحة التحريض وخطاب الكراهية، بما في ذلك عبر الإنترنت. كما يحث التقرير المجتمع الدولي على تقديم دعم متعدد المستويات للحكومة لتنفيذ توصيات اللجنة، لا سيما فيما يتعلق بسيادة القانون والمساءلة، ويدعو الأطراف الخارجية، بما في ذلك إسرائيل، إلى وقف الأعمال التي تنطوي على مخاطر تؤدي إلى مزيد من زعزعة الاستقرار وإلحاق الأذى بالمدنيين.
الخلفية: أنشئت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية بتاريخ 22 آب/أغسطس 2011 من قبل مجلس حقوق الإنسان بموجب القرار S-17/1. وتتمثل ولاية اللجنة في التحقيق بشأن كل الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي لحقوق الإنسان المرتكبة منذ آذار/مارس 2011 في الجمهورية العربية السورية. وكلف مجلس حقوق الإنسان اللجنة كذلك بإثبات الوقائع والظروف التي قد ترقى إلى مثل تلك الانتهاكات والخاصة بالجرائم المرتكبة مع القيام، حيثما أمكن، بتحديد الجناة بهدف التأكد من مساءلة المسؤولين عن تلك الانتهاكات، بما في ذلك الانتهاكات التي قد ترقى إلى الجرائم ضد الإنسانية. وقد مدد مجلس حقوق الإنسان ولاية اللجنة مرارًا منذ ذلك الحين، وآخرها حتى 31 آذار/مارس 2026.





ماهر حمصي