فضيحة إبستين تسقط رئيس موانئ دبي.. وتمتد إلى أبراج الإمارات

في ضربة قاصمة لأحد أعمدة الاقتصاد الإماراتي، أعلنت موانئ دبي العالمية (DP World) اليوم استقالة سلطان أحمد بن سليم من منصبي رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي، بعد أيام قليلة فقط من كشف وثائق وزارة العدل الأمريكية عن مراسلات استمرت لسنوات طويلة (من 2009 إلى 2018 تقريبًا) مع جيفري إبستين، المدان بجرائم الاتجار الجنسي والاستغلال الجنسي للقاصرات. التحرك السريع يأتي تحت ضغط استثماري غربي مباشر وشديد، حيث جمد صندوق التقاعد الكندي الثاني أكبر (La Caisse de dépôt et placement du Québec)، الذي يدير نحو نصف تريليون دولار، أي استثمارات جديدة مع الشركة، تلته المؤسسة البريطانية للاستثمار الدولي (British International Investment)، المملوكة لحكومة المملكة المتحدة، بوقف مشابه، مشددة على صدمتها من الكشوفات. هذان اللاعبان الرئيسيان يمثلان تهديدًا حقيقيًا بخسارة مليارات الدولارات في التمويل، في وقت تعتمد فيه دبي على تدفق الأموال الغربية للحفاظ على مكانتها كمركز لوجستي عالمي.

الوثائق المفرج عنها من وزارة العدل الأمريكية تكشف علاقة استمرت أكثر من عقد بعد إدانة إبستين عام 2008 بتهم تتعلق بشراء خدمات جنسية من قاصر. الرسائل بين بن سليم وإبستين ليست مجرد تحيات رسمية؛ إنها مزيج من النقاشات التجارية والحديث الشخصي الفاضح، تشمل إشارات صريحة إلى تجارب جنسية، مثل وصف بن سليم لفتاة جامعية في دبي بأنها “أفضل جنس جرّبته” مع “جسم مذهل”، ومناقشات حول تدليك حميمي ومرافقات. كما تضمنت مراسلات إشارة إلى “فيديو تعذيب” أرسله بن سليم، حيث رد إبستين قائلًا “أحببت فيديو التعذيب”، بالإضافة إلى وصف إبستين لبن سليم بأنه “صديق شخصي مقرب” و”أحد أكثر أصدقائي ثقة” على مدى سنوات. بن سليم، الذي كان يُعتبر رمزًا للقوة الاقتصادية في دبي وأحد أبرز الشخصيات غير القابلة للمساس، وجد نفسه فجأة في مرمى النيران الدولية، حيث لا تتسامح الأسواق والمستثمرون مع أي شبهة تتعلق بالسمعة في عصر ما بعد إبستين.

سلطان أحمد بن سليم ( يمين ) عيسى كاظم ( يسار )

الرد الإماراتي كان فوريًا وباردًا كالرياح القطبية: في بيان رسمي من مكتب إعلام حكومة دبي وشركة DP World، أُعلن تعيين عيسى كاظم رئيسًا لمجلس الإدارة ويوفراج نارايان رئيسًا تنفيذيًا للمجموعة، دون ذكر اسم بن سليم صراحة – كأنما يُمحى تاريخه الذي امتد أربعة عقود في بناء الشركة إلى عملاق يدير 10% من التجارة العالمية. هذا التحرك السريع ليس صدفة؛ إنه رسالة واضحة للمستثمرين الدوليين: “نحن نضحي بالأفراد مهما بلغت قوتهم لحماية المؤسسات وحوكمتها”. وبعد الإعلان، أكدت المؤسسة البريطانية استئناف شراكاتها، مما يشير إلى أن سقوط الرأس كان كافيًا لاحتواء الخسارة المالية المباشرة.

لكن الفضيحة لا تقتصر على بن سليم وحده؛ إنها تمتد إلى أعمدة أخرى في دولة الإمارات، مما يهز أبراج السلطة بأكملها من دبي إلى أبوظبي. هند العويس، الدبلوماسية الإماراتية البارزة ومديرة اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان في الإمارات، ظهر اسمها في نحو 469 بريد إلكتروني مع إبستين بين عامي 2011 و2012. الرسائل تشمل تنسيقات متكررة للقاءات مع “فتيات”، وإشارات صريحة إلى تقديم أختها الصغيرة، حيث كتبت العويس في إحدى الرسائل: “هي أجمل مني”، في تناقض صارخ مع دورها كمدافعة عن حقوق المرأة. كما تكشف وثائق أخرى عن هدايا مقدسة أُرسلت إلى إبستين، مثل قطع من كسوة الكعبة المقدسة في 2017 من شخصيات إماراتية مرتبطة بدائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي. بالإضافة إلى ذلك، ذُكر عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية السابق، ضمن قوائم الدعوات والمؤتمرات المرتبطة بإبستين، مما يثير تساؤلات حول مدى امتداد الشبكة داخل أروقة السلطة الإماراتية.
Late financier and convicted sex offender Jeffrey Epstein, right, and Sultan Ahmed bin Sulayem, former chairman and group CEO of DP World, are seen in this undated handout image from the Epstein estate [File: House Oversight Committee Democrats/Handout via Reuters]

Sultan Ahmed bin Sulayem and Jeffrey Epstein look at a fragment which resembles the Kiswa from Mecca in Saudi Arabia (Department of Justice)

التداعيات الآنية والمستقبلية على دولة الإمارات

الضرر لم يعد مجرد تهديد نظري: تجميد الاستثمارات الجديدة من صناديق تقاعد غربية كبرى يضرب قلب الاقتصاد اللوجستي الإماراتي، ويفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل يستطيع نموذج “الثقة السريعة” الذي بنته دبي أن يتحمل تسلسل كشوفات كهذه؟ الاستقالة السريعة لبن سليم قد تبدو خطوة حاسمة، لكنها في الوقت نفسه تعكس هشاشة: إذا كان رئيس أكبر مشغل موانئ في العالم يُسقط بهذه السرعة بسبب رسائل بريد إلكتروني قديمة، فما الذي ينتظر الشخصيات الأخرى التي ظهرت أسماؤها في نفس الملفات؟ ظهور اسم هند العويس – بصفتها وجهًا رسميًا لحقوق الإنسان في الإمارات – في 469 رسالة مرتبطة بإبستين ليس مجرد فضيحة شخصية؛ إنه ضربة مباشرة للسرد الذي تبنيه الدولة عن نفسها كمدافعة عن المرأة والحقوق. كيف يمكن للإمارات أن تواصل حملاتها الدولية في هذا المجال بعد أن أصبحت إحدى أبرز الوجوه الدبلوماسية مرتبطة بسياق كهذا؟ الهدايا المقدسة التي وصلت إلى إبستين من دوائر رسمية إماراتية تضيف طبقة أخرى من الإحراج: هل يُقبل بعد اليوم أن تُرسل قطع من كسوة الكعبة كهدية شخصية إلى شخص مدان بالاتجار بالقاصرات؟ السؤال الأكبر يبقى معلقًا: هل تستطيع الإمارات – التي بنت إمبراطوريتها على السرعة والثقة واللامحدودية – أن تتحمل تكرار مثل هذه الكشوفات دون أن يبدأ الغرب في إعادة حساباته جذريًا؟ أم أن الثمن الحقيقي لم يُدفع بعد، وأن ما بدأ كزلزال إداري في دبي قد يتحول إلى أزمة سمعة شاملة تمتد إلى أبوظبي وإلى قلب الصورة الدولية للدولة؟هذه الكشوفات تثير تساؤلات حادة ومقلقة: هل كانت الشبكة أوسع مما يُظهر؟ وهل ستستمر التضحيات الإدارية لاحتواء الزلزال، أم أن الأبراج الإماراتية على وشك المزيد من الانهيارات تحت وطأة الضغوط الدولية والكشوفات المتتالية؟ بن سليم، أخ الرئيس التنفيذي للاتحاد الدولي للسيارات محمد بن سليم، لم يُتهم بجرائم جنائية مباشرة حتى الآن، لكن الرسائل تكشف عن عالم خفي يختلط فيه التجاري بالشخصي بشكل مقلق وفاضح. في عالم ما بعد إبستين، حيث يسقط الملوك والمليارديرات والرموز السياسية واحدًا تلو الآخر، تثبت دبي مهارتها في إدارة الأزمات بسرعة البرق – لكن الوقت وحده سيحدد إن كانت الإمبراطورية ستنجو من الهزات القادمة، أم أن الزلزال سيستمر في هز أركانها.

مراسلات سلطان بن سليم مع جيفري إبستين (بما في ذلك إشارات إلى تجارب شخصية و”فيديو التعذيب”)

In one January 2012 email included in the released records, Al-Owais wrote to Epstein: Getting one girl ready is difficult enough; two girls, you can certainly call a challenge
عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية السابق، ضمن قوائم الدعوات والمؤتمرات المرتبطة بإبستين

هذه المقالة مبنية حصريًا على معلومات منشورة في وسائل إعلام عالمية موثوقة ووثائق رسمية مفرج عنها من وزارة العدل الأمريكية (U.S. Department of Justice – DOJ)، ولا تتضمن أي اتهامات جنائية مباشرة غير مثبتة قضائيًا. جميع التفاصيل مستمدة من مصادر عامة ومحايدة، والهدف الإبلاغ الدقيق عن الأحداث المنشورة دون تشهير أو تأويل شخصي: المعلومات مستمدة من تقارير حديثة (فبراير 2026) ولا تشكل اتهامًا قانونيًا أو تشهيرًا، بل تلخيصًا لما نُشر علنًا في وثائق رسمية ووسائل إعلام مرموقة.

يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية