في دير الزور: جثة طفل مشوّهة قرب المحكمة، وبيان يسمّيها “أنباء تداولت”

محمود راشد الحاج عبدالله، اثنا عشر عاماً. اختُطف من حي الشيخ ياسين في رابعة النهار. لا في زقاق مظلم، لا في ساعة غفلة — في النهار، من حي سكني، أمام الناس. أسبوع كامل والجزار ينهش جسده بينما المدينة تتنفس وتنام وتصحو من حوله. ثم رُمي في مبنى مهجور قرب القصر العدلي — قرب المحكمة تحديداً، كأن القاتل أراد أن يُقدم جثة الطفل لرمز العدالة هدية.

الأم  وجدت بقايا ابنها وتهاوت فوقها.

هذه ليست استعارة ولا مبالغة أدبية — هذا ما جرى في دير الزور ، مدينة فيها مديريات وأجهزة وبيانات رسمية وشعارات عن الأمن والاستقرار.

هكذا وصف البيان لمديرية إعلام دير الزور ما جرى. “بعد تداول أنباء عن العثور على جثمان الطفل محمود راشد.” أنباء تداولت. طفل قتل بوحشية ، وأم منهارة فوق بقايا ابنها، وجريمة تقشعر لها الأبدان — كل هذا اختُزل في مصطلح يصلح لوصف إشاعة عن خبر كاذب عن تخفيض سعر الكهرباء.
“أنباء تداولت.” اختاروا هذه الكلمات بعناية ليضعوا بين القارئ وبين الجريمة طبقة سميكة من البرود الإداري، ليجعلوها تبدو أبعد وأصغر وأقل مما هي، ليحولوا الذبح إلى “ملابسات” تحتاج “توضيحاً.”

البيان يبدأ من لحظة اكتشاف الجثة. الأسبوع الذي سبقه — الأيام السبعة التي كان فيها محمود حياً يُذبح — غير موجود في البيان. لا سطر، لا كلمة، لا إشارة، لا اعتراف بوجوده.
عبارة “توضيح ملابسات القضية” تتجاهل تماماً الفترة الوحيدة التي كان يمكن فيها إنقاذ محمود.

هذا الغياب المحدد، في هذا الموضع بالذات، في بيان  يدّعي التوضيح — ليس إغفالاً. هو اختيار . لأن الاعتراف بذلك الأسبوع يعني الاعتراف بسؤال لا يريدون الإجابة عنه: أين كانت الأجهزة الأمنية طوال الأيام السبعة؟
ماذا فعل “التنسيق” الذي يتباهى به البيان؟
لماذا لم يصل إلى محمود قبل أن يصل إليه الجزار؟

البيان لا يسأل هذا ولا يُجيب عنه. يقفز فوقه بأناقة موظف يمشي حول بقعة دم لا يريد أن يدوسها.

البيان يستعرض بفخر لافت منظومة كاملة تحركت فور ورود البلاغ: دوريات الأدلة الجنائية توجهت فوراً، فرع المباحث باشر تحقيقاته الموسعة، النيابة العامة حضرت، الطبيب الشرعي أجرى المعاينة، الأدلة ضُبطت، القرائن جُمعت. قائمة طويلة من المؤسسات والإجراءات تملأ السطور وتوحي بدولة تعمل وأجهزة تسهر وكفاءة تستحق الإشادة.

لكن البلاغ ورد بعد اكتشاف الجثة.

كل هذه المؤسسات، بكل ثقلها وأسمائها وإجراءاتها المُفصّلة، تحركت بعد أن انتهى كل شيء. حضرت لتوثق جريمة اكتملت، لتضبط أدلة جريمة وقعت، لتُجري معاينة لجسد أتمّ القاتل عمله فيه.
هذه الأجهزة لا تحمي الأحياء — تُدوّن الوفيات. وحين يستشهد البيان بحضورها المتأخر دليلاً على الكفاءة، فهو يعترف دون أن يدرك بأن هذه الكفاءة كلها تأتي في الوقت الخطأ دائماً.

 

وردت هذه العبارة في بيان صدر بعد أن وُجد الطفل جثة مشوّهة في مبنى مهجور وسط المدينة. في محافظة اختُطف فيها طفل من حي سكني في النهار وقضى أسبوعاً يُذبح قبل أن يُرمى قرب المحكمة. هنا تتحدث المديرية عن الأمن والاستقرار. هنا، في هذه اللحظة بالذات، تختار هذه العبارة.

الأمن الذي يحتاج بياناً ليثبت وجوده بعد أن يُذبح طفل وسط المدينة — غائب.
والاستقرار الاجتماعي الذي تتحدث عنه المديرية اسمه الحقيقي شيء آخر: أن يدفن الناس أطفالهم ويعودوا إلى بيوتهم ويصمتوا. هذا هو الاستقرار المطلوب. لا أمان حقيقي، لا عدالة، لا محاسبة — فقط صمت منظم يُسمى استقراراً.

هذا هو جوهر البيان. هذا سبب وجوده الحقيقي. ليس الإعلان عن الجريمة، وليس طمأنة أهل دير الزور، وليس الإعلان عن ملاحقة القاتل وتقديمه للعدالة — إنما التحذير من الشائعات.
الخاتمة التي اختارتها المديرية لبيانها ، بعد كل الحديث عن الإجراءات والأجهزة والتنسيق، هي تذكير الناس بأن يضبطوا ألسنتهم ويراقبوا ما ينشرونه على مواقع التواصل.

سؤال واحد لن يُجيب عنه أحد: ماذا جرى في الأيام السبعة بين اختطاف محمود واكتشاف جثته؟ هل أُبلغت الأجهزة الأمنية باختفائه؟ هل بحث أحد؟ هل تحرك أحد؟ هل علم أحد؟

البيان لا يسأل ولا يُجيب. يتجاوز هذه الفترة كلها بصمت مريح ويبدأ من لحظة اكتشاف الجثة كأنها نقطة الصفر. هذا الصمت المحدد، في تصريح يدّعي توضيح الملابسات، هو أبلغ ما في البيان وأفضحه. لأن الإجابة عن هذا السؤال، أياً كانت، تُدين. إما أن الأجهزة أُبلغت ولم تتحرك، وإما أن أحداً لم يُبلّغها لأن الناس فقدوا الثقة بها. كلا الاحتمالين كارثة — ولهذا يصمت البيان.

دماء محمود لن تُغسل ببيانات. هذه الوثيقة ستبقى شاهدة: القائمون على إعلام دير الزور وجدوا في ذبح طفل مشكلةً إعلامية — لا جريمة.

محمود ذُبح أسبوعاً كاملاً لأن القاتل لم يكن يخشى شيئاً. لم يخشَ أجهزة تحمي، ولا عقوبة تردع، ولا دولة تسأل. ذبح بهدوء لأن الهدوء كان مضموناً له مسبقاً. هذا البيان يؤكد أنه كان محقاً.

وطالما القاتل لا يخاف — محمود ليس الأخير.



يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية