كشفت وثيقة بريطانية مصنفة «سري» ، صادرة عام 1968، الحسابات الباردة التي حكمت تفكير لندن في زمن الانسحاب العسكري من «الخليج».
الوثيقة، التي طلب فيها مسؤول الخارجية إيوارت بيغز تقييماً عسكرياً مبكراً لجزر طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى، لم تكن مجرد مذكرة داخلية عابرة.
اليوم، في خضم حرب إيران 2026 التي اندلعت في 28 شباط/ فبراير بضربات أمريكية-إسرائيلية مشتركة أطاحت بالمرشد الأعلى علي خامنئي وكبار قادته، تعود هذه الجزر نفسها إلى قلب الصراع، لتثبت أن النبوءة الاستعمارية لم تتحقق… بل انقلبَت رأساً على عقب بطريقة ساخرة مرعبة.
الوثيقة أصلية بلا أدنى شك. تنسيقها الآلي، طوابع «SECRET» و«UK EYES ONLY»، والأرقام المرجعية اليدوية تطابق تماماً أسلوب الوثائق البريطانية الرسمية في تلك الحقبة. هي لقطة صادقة من عقلية الاستعمار وهو يبحث عن «حارس» لمضيق هرمز يضمن تدفق النفط إلى أوروبا.
سري
عيون المملكة المتحدة فقط
3. جزر طنب وأبو موسى
قال السيد إيوارت بيغز إن تقييمًا مبكرًا للقيمة العسكرية المحتملة لجزر طنب وأبو موسى بالنسبة لكل من إيران ودول الخليج العربية سيكون مفيدًا.
قد يفحص هذا، في سياق العلاقات الإيرانية-العربية غير الودية المحتملة بعد انسحابنا العسكري من الخليج، ما إذا كانت حيازة العرب للجزر من المحتمل أن تهدد مرور الشحن عبر مضيق هرمز إلى ومن الموانئ الإيرانية؛ وعلى العكس من ذلك، ما إذا كان الأمن الإيراني سيزداد بسبب حيازة الجزر.
كان البريطانيون يفكرون بصراحة قاسية: إذا بقيت الجزر في يد «العرب»، قد تعيق الشحن الإيراني. أما إذا سيطرت عليها إيران، فستكون الحارس المثالي.
هكذا تمت الصفقة الشهيرة: البحرين مقابل الجزر. واحتلت إيران الجزر بالقوة في 30 نوفمبر 1971، يومان قبل قيام دولة الإمارات.
الوثيقة لم تكن حكماً قانونياً ينفي السيادة التاريخية العربية على الجزر (التي تعود إلى القواسم منذ القرن الثامن عشر)، بل كانت حساباً مصلحياً بحتاً.
واليوم، في آذار/مارس 2026، انقلبت الحسابات رأساً على عقب بطريقة دراماتيكية. ففي الحرب الدائرة حالياً، أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز «أداة ضغط»، ونشرت ألغاماً وصواريخ وطائرات مسيّرة، مما أدى إلى انخفاض حركة الملاحة بنسبة تصل إلى 97%، وقفزة أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل.
الجزر التي كانت لندن تخشى أن تصبح «تهديداً عربياً» على الشحن الإيراني، أصبحت اليوم قواعد إيرانية متقدمة تستخدم لتهديد العالم كله. الولايات المتحدة اضطرت إلى ضرب مواقع عسكرية على جزيرة أبو موسى نفسها، وعلى جزيرة خارك لتدمير مخازن الألغام والصواريخ التي تهدد الملاحة.
هذه هي خلاصة الدرس الاستعماري المر:
لندن اختارت «الحارس» الخطأ عام 1971، فتحوّل الحارس إلى قاطع طريق عالمي. الجزر ليست مجرد نقاط استراتيجية في لعبة القوى الكبرى؛ إنها أرض سيادة وطنية إماراتية، والوثيقة البريطانية لم تحل النزاع… بل أشعلته.
والحرب الدائرة الآن تثبت، بلا أدنى شك، أن الوقت حان لإنهائه بالقانون الدولي، لا بالقوة التي أثبتت فشلها.
التاريخ لا ينسى. والمضيق لا يغلق إلى الأبد.






ماهر حمصي