من أسد إلى داعش إلى قسد: السجن واحد

شهادات مثقفين وصحافيين من شمال شرق سوريا عن سنوات القمع

لم تكن تحقيقًا في فساد السلطات المحلية، ولا مقابلة مع ناشط معارض، ولا تقريرًا عن الأطفال الذين حُرموا من التعليم بعد إغلاق المدارس الخاصة التي كانت تُدرّس المنهاج الوطني بدل المنهاج الذي فرضته  ميليشيا ما يسمى الإدارة الكردية. ومع ذلك، كان فراس البرجس معتادًا على إنجاز أعمال من هذا النوع، مستخدمًا اسمًا مستعارًا ومتخذًا أقصى درجات الحيطة. لكن عبارة واحدة، كتبها على قصاصة ورق، صوّرها وأرسلها إلى أصدقائه الصحافيين في موقع «الخابور» المستقل، كانت كافية لتقوده إلى الزنازين.

 

فراس البرجس، 26 عامًا

فراس البرجس، 26 عامًا، كان يعمل رسميًا، مثل معظم صحافيي الرقة، في وسيلة إعلامية موالية للسلطة القائمة. في الواقع، وفي الخفاء، كان يكتب باسم مستعار لموقع محلي مستقل، منتقدًا انتهاكات ميليشيا ما يسمى قوات سوريا الديمقراطية. في ديسمبر/كانون الأول 2025، كتب عبارة قصيرة: «الحمد لله، لقد انتصرت الثورة!»، وصوّرها في عدة أماكن من مدينة الرقة، قبل أن يرسل الصور إلى أصدقائه الصحافيين الذين قاموا بنشرها.

في مساء اليوم نفسه، اقتحمت عناصر من ميليشيا قسد منزله. اعتُقل مع اثنين من أصدقائه، ونُقلوا إلى سجن تديره أجهزة الاستخبارات الكردية. هناك، تعرّض لما وصفه بـ«حفلة استقبال» من الضرب والصفع، ثم وُضع في الحبس الانفرادي لمدة أحد عشر يومًا. خلال تلك الفترة، خضع يوميًا لجلسات تعذيب طويلة، هدفها انتزاع اعترافات منه وإجباره على الوشاية بناشطين آخرين. ورغم الإهانات والضرب المتواصل، رفض الانصياع.

لاحقًا، نُقل فراس إلى زنزانة مكتظة تضم عشرات المعتقلين من صحافيين وأطباء ومدنيين، كان «جرمهم» في بعض الحالات لا يتجاوز امتلاك صورة للعلم السوري على هواتفهم المحمولة. وُجّهت إليهم جميعًا تهم «الإرهاب». وأمام محكمة مكافحة الإرهاب، لم يُسمح لفراس بتوكيل محامٍ، وأُجبر على التوقيع على وثيقة جرى التلاعب بمحتواها لاحقًا لإضافة اعترافات ملفقة بالتعامل مع الاستخبارات التركية.

 

هذه الوقائع لا ترد بوصفها شهادات فردية معزولة. فهي جزء من تحقيق ميداني موسّع نشرته صحيفة لوفيغارو الفرنسية في 17 فبراير/شباط 2026، اعتمد على مقابلات مباشرة مع صحافيين ومثقفين وأفراد من المجتمع المدني في الرقة وشمال شرق سوريا، ممن اختبروا الاعتقال تحت سلطات متعاقبة، دون أن تتغير بنية القمع أو أدواته.

من بين هؤلاء عبد الله دربوك، وهو معلم وناشط سبق أن اعتُقل في سجون النظام السوري، ثم في سجون تنظيم الدولة الإسلامية، قبل أن يُعتقل مجددًا على يد القوات الكردية. يقول عبد الله إنه صُدم بالتشابه الكبير في أساليب القمع بين مختلف السلطات: مراقبة دائمة، اختفاء قسري، وتعذيب ممنهج. وكان سبب اعتقاله هذه المرة تقريرًا مهنيًا أرسله إلى منظمة دولية، تحدث فيه عن خوف سكان الرقة من عسكرة المدينة.

وصف عبد الله ظروف احتجازه بأنها تكاد تكون نسخة عن سجون تنظيم الدولة: أمراض منتشرة، جروح ملتهبة، نقص حاد في الغذاء، وأساليب تعذيب مهينة، من بينها نزع اللحى بالقوة. ظل مختفيًا لأشهر من دون أن تعرف عائلته مكانه، قبل أن يُنقل إلى سجن التقى فيه فراس البرجس.

مع الهجوم العسكري الذي شنّته القوات الحكومية السورية مطلع عام 2026، انهارت سيطرة  ميليشيا قسد على المنطقة. تُرك السجناء لأيام شبه بلا طعام، وتعرضوا لمزيد من الإهانات، قبل أن تدخل القوات السورية وتفرض سيطرتها على السجون. عندها، اكتشف المعتقلون أن ملفاتهم ووثائقهم قد أُحرقت عمدًا، ما جعل إثبات هوياتهم وأوضاعهم القانونية شبه مستحيل.

بعد الإفراج عنه، عاد فراس للعيش مع عائلته، ولم يتمكن حتى الآن من العودة إلى العمل الصحافي. أما عبد الله، فقد استعاد أسرته ويتمسك بتفاؤل حذر، معتبرًا أن السوريين، بعد كل ما عاشوه، لن يتخلوا بسهولة عن الحرية التي ذاقوها، مهما طال الطريق.


يقول محدّثي :
لمّا تخرج الكلمة للعلن …فلا سلطة لك عليها …
كل يرميها بسهم عينه ..

 

ماهر حمصي

إبداع بلا رتوش
إشترك في القائمة البريدية