
أوّل مرّة التقيت أدونيس في حياتي، كانت في بيروت، صيف عام 1976 أعتقد.. كان يسير لوحده على الرصيف في الحمرا، عرفته طبعا من صوره التي سبق وشاهدتها مرارًا.. كان عمري /27/ سنة وعمره /46/ سنة، إلّا أن الرجل كان شاعرًا توضع صوره بجانب قصائده، منذ يراعته، وكأنه خلق شاعرًا. فأوقفته وعرّفته عن نفسي: “… من سوريا.
. أرسلت منذ فترة إلى (مواقف) قصيدة…؟”. “آه.. أذكر عن أمريكا؟”. أجاب مرحّبًا. “نعم عن أمريكا”.. لم أسأله لماذا لم تنشرها؟ وهو لم يقل لي. وكأني رغبت أن أظلّ على أمل أنه سينشرها يومًا. لم يفعل.. أحبطني لحدّ ما أنه لم يُنشر لي، أسوة بشعراء عديدين من أبناء جيلي، منهم صديقي (محمد خير علاء الدين)، أي قصيدة في كل أعداد (مواقف). التي ملأت فراغ مجلتي (شعر – يوسف الخال) و(حوار- توفيق الصايغ) المتوقفتين عن الصدور منذ نهاية الستينيات، وذلك بسبب مشاكل التمويل التي تبين أنها من قبل جهة استخباراتية أمريكية. ولكن (مواقف) التي لم يتبين لي لا أدري لغيري، مصدر تمويلها بالذات، فقد حملت توجهات عربية ويسارية، كانت (شعر) و(مواقف) الليبراليتان، تفتقدان لها، إن لم تكن تعاديها.
بعد هذا بسنتين زار اللاذقية الشاعر اليمني الضرير عبد الله البردوني، وقد حرص على أن يلتقي المفكر السوري صاحب (الثالوث المحرم) بوعلي ياسين، فزاره في مكتبه في مديرية تخطيط اللاذقية التي كنت أعمل فيها أيضًا، فعرفه ياسين عليّ كشاعر. وحدثه عني أكثر مما حدثه عن نفسه. بعدها أخذ مني الضيف بعض القصائد التي كنت أطبعها على الآلة الكاتبة وأصورها وأوزعها على الأصدقاء، من بينها كانت قصيدة (أمريكا أنت تعنين لنا المتاعب).
ولم يمض الكثير من الزمن حتى تفاجأت بأن وصلني عددان من مجلة (الحكمة) لسان حال أتحاد أدباء اليمن، وقد نشرت قصيدتي في أحدهما. وبهذا عرفني اليمنيون كشاعر سوري ثوري في الأسلوب والمضمون معًا، ولم ينسوني من وقتها، فكتب عني د. عبد العزيز مقالح مقالَا لم يصلني للأسف، ثم في 2011، نشروا في مجلة (انزياحات) مختارات من شعري بعنوان (لا ريب أن لي وجهًا آخر)، مع مقدمة للشاعر فتحي أبو النصر.
من ذكرياتي عن هذه القصيدة أني بعد أن قرأتها للشاعر العراقي صلاح فائق وللصديق محمد كامل الخطيب الذي كان يعرف أيامها بأنه كاتب قصة فحسب.. أثناء زيارتهما لبيتي عام 1977 أو 1978، قبل صدور مجموعتي (بشر وتواريخ وأمكنة) بالتأكيد. قال صلاح: “انطباعي أن القصيدة، من تفاصيلها والمعلومات التي وردت فيها، تبدو وكأنها قد كتبت من قبل شخص أمريكي!”.
وردت القصيدة بداية في (بشر وتواريخ وأمكنة) إلّا أنها عادت لتتضمنها باكورتي (آمال شاقة) وذلك لأنها حسب السياق الزمني مكتوبة في 15/9/1972. وبعنوان أقل حدة وأكثر شاعرية.
من نافذتي يا (أمريكا)
من نافذتي يا (أمريكا)
أرى السماءَ الَتي نقَعُ تحتَها سويّةً
قد استُبدِلَت بكُتلٍ سوداءَ ثقيلةٍ داكنة
إنَها ليسَت غيومًا
وليسَت أيضًا أمطارًا قاسيةً
لذا لا فائدةَ يا (أمريكا)
من قُبَعاتِكِ العمليّة
ومعاطفِكِ الواقية.
/
من نافذتي يا (أمريكا)
أرى الأشجارَ الَتي كُنَّا نَصعَدُ إلى رؤوسِها
لننظُرَ إليكِ بتلكَ العُيونِ الصافيةِ
المظلَلةِ بأكُفّنا السَمراء
تتلوَى كراقصةٍ رخيصة
وتميلُ حتَى تكادَ تقع
وأرى الشَواطئَ القلقةَ
الَتي على رِمالِها المُدبَبة
كُنَّا نفوقُ (جون وين) سُرعةً
في إطلاقِ نارِ مسدَساتِنا الوهميّة
ونُقلِدُ بأجسادِنا النَحيلةِ وأصواتِنا المُحترِقة
(ألفيس برِسلي) وهوَ يُغنِي
مُتَسِخةً وكريهةً
من بِرازِ أساطيلِكِ ذاتِ الاُنوفِ الطَويلة
في ثُغورِ البِحارِ المُزبِدةِ
الَتي تصِلُنا بكِ.
/
يا (أمريكا)
كُلُ شيءٍ كما يُقالُ بالإنكليزيّة
قدِ استدارَ واضحًا ومختلفًا
فالهُنودُ الحُمرُ هم مَن كانوا يستحِقُّونَ التَصفيق
و(لِنكولِن) الطَيّب
تمكَنتِ منهُ في النِهاية
وكُلُ ما أدَت إليهِ حَربُهُ العائليّة
هوَ عِدَةُ أفلامٍ ملوَنةٍ ليسَ إلَا
وما عادَت ناطحاتُ السَحابِ في (نيويورك)
تُثيرُ حتَى صَفيرًا خافتًا
أمَا تِمثالُ حُرِّيتِكِ المُكلَلةِ بالحِراب
وهيَ ترفعُ بيدِها اليُمنى
مِشعلًا حجريّا كبيرًا
لا أدري لِمَ؟
وتَحضُنُ بالثانيةِ كِتابًا أظُنُّه: (كيفَ تُصبِحُ مليونيرًا)
أو (كيفَ تكسَبُ – مالَ – الأصدقاء)
للسيّد (ديل كارنيجي)
الَذي أوصانا بأن لا نقلقَ على شيء
وندعَ ماما (أمريكا) تتولَى تدبيرَ جميعِ شؤونِنا
فما كانَت رؤيتُهُ تعني الوصولَ
إلى أرض الأحلام
ما عادَ يبدو اليومَ مُلائمًا
سوى لرُسومِ الكاريكاتورِ الساخرةِ
الفقيرةِ الموهبة.
/
يا (أمريكا)
أنا لَم اُخلَق لأكيلَ لكِ الشَتائم
وما كانَ بودِّي أن أفعلَ ذلكَ
لولا ما تفعلينَهُ بي
فبالأمسِ حَسِبتِني حِصانًا برِّيّا
عليكِ إحكامُ رَميِ الاُنشوطةِ
حولَ رَقبتِه
ثُمَ ترويضُهُ والرُكوبُ على ظَهرِه
وعندما أخرَجتُ لكِ قدمَيّ المُسطَّحتَين
ولِساني الأحمر
ووقفتُ أمامَكِ اُدندِنُ ما أذكُرُهُ من
نشيدِنا الوطنيّ المُتقطِّع
علِمتِ آنذاك
بأنِّي أحدُ مخلوقاتِ تلكَ البلاد
الَتي يجِبُ أن تحفِري في بُطونِها ثُقبًا
يسمَحُ لأناملِكِ الشفّافةِ المُدرَبة
أن تُنهيَ الاُمورَ إلى ما تُفضِّلينَهُ
من خاتِمةٍ تسُرُّ الجميع.
/
يا (أمريكا)
لا فائدةَ من هذا العَناء
فكُلُ ما حاولتِ إخفاءَهُ خلفَ ظهرِكِ
ولافتاتِ أسنانِكِ البيضاء
قد عرَفناه
وبتنا نسمعُ أزيزَ طَلَقاتِكِ
فوق رؤوسِنا الصغيرةِ الصغيرة
الَتي راحت تلمَعُ بينَ قرونِ
قطيعِ ثيرانِكِ الوحشيّةِ
أو في مقعدِ السيارةِ الخلفي
مع رجال عصاباتِكِ الأشرار
وهكذا ترَينَ كيفَ أصبحنا
نعني لكِ المتاعِب
كما أنتِ تعنينَ لنا
ولا مفرَّ أخيرًا من طائراتِكِ
وهيَ تُلقي ما حَمَلَت بهِ لأجلِنا
من تُفّاحِكِ الذَهبي المشهور (Golden Apple)
وهداياكِ الاُخرى المُتنوِّعة
على ارتفاعٍ مُنخفض
كي لا تبرُدَ فطائرُ الكِلابِ الساخِنة (Hot Dogs)
وبسُرعةٍ لا تدعُ لأيٍّ منَّا
مَجالًا للشُكر..
طرطوس- 15/9/1972
لا أظن هناك داعيا لأن أفسر لماذا خطر لي استعادة قصيدتي هذه. ولكن، كما يقال.. الشيء بالشيء يذكر.ِ






ماهر حمصي