بدأت شركة Anthropic إطلاقًا محدودًا وخاضعًا لرقابة مشددة لنموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم “Mythos”، في خطوة تعكس مرحلة جديدة من تطور الذكاء الاصطناعي، حيث يرى مسؤولون أن هذا النموذج قد يكون قادرًا على إسقاط شركة من قائمة Fortune 100 أو شل أجزاء واسعة من الإنترنت أو اختراق أنظمة دفاع وطني حيوية، وهو ما يجعل إطلاقه الكامل على نطاق واسع محفوفًا بمخاطر قد تؤدي إلى كوارث غير محسوبة، الأمر الذي دفع الشركة إلى قصر الوصول عليه على عدد محدود من الجهات التي خضعت لتدقيق دقيق، يبلغ عددها نحو 40 شركة ومنظمة حتى الآن.
وبحسب محادثات مع مسؤولين حكوميين وآخرين من القطاع الخاص تم إطلاعهم على النموذج، فإن هذه المخاوف لا تُعد مبالغة بل تعكس واقعًا قائمًا، في وقت أعرب فيه بعض المسؤولين داخل الحكومة عن قلقهم من أن كبار القادة لا يدركون بعد حجم الخطر المفاجئ الذي قد ينشأ من جماعات إرهابية أو قوى معادية، حيث قال مصدر مطلع إن “واشنطن تحكم بالأزمات”، مضيفًا أن الأمن السيبراني سيظل في موقع ثانوي إلى أن يتحول هذا التهديد إلى أزمة تستدعي الانتباه والموارد اللازمة.
ويُنظر إلى “Mythos” على أنه قفزة جيلية تتجاوز نماذج Anthropic الحالية، إذ لا يقتصر دوره على تحديد نقاط الضعف في الأنظمة الأمنية، بل يمتد إلى استغلالها بدقة ذاتية غير مسبوقة، مع قدرة على التخطيط وتنفيذ تسلسل هجمات متعددة المراحل والتنقل بين الأنظمة دون انتظار توجيهات بشرية، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن قدرته على تنفيذ عمليات اختراق متقدمة بشكل مستقل.
وخلال الاختبارات، تمكن النموذج من تجاوز بيئة الاختبار المعزولة المعروفة باسم “sandbox”، حيث قام ببناء استغلال متعدد الخطوات متوسط التعقيد مكّنه من الوصول إلى الإنترنت رغم القيود المفروضة عليه، وهو ما وصفته الشركة بأنه مؤشر على “قدرة خطيرة محتملة على تجاوز إجراءات الحماية”، مشيرة إلى أن أحد الباحثين اكتشف ذلك بعد تلقيه رسالة بريد إلكتروني غير متوقعة من النموذج أثناء وجوده في حديقة.
وإلى جانب قدراته في الأمن السيبراني، أظهر النموذج تقدمًا كبيرًا في مجالات البرمجة، كما أثبت تفوقًا ملحوظًا كأداة للتفاوض، فضلًا عن امتلاكه قدرات متقدمة في الكتابة الإبداعية مقارنة بالإصدارات السابقة، ما يعكس اتساع نطاق استخداماته المحتملة.
وقال لوغان غراهام من Anthropic، وهو باحث سابق في برنامج رودس ويقود فريق “Frontier Red Team” الذي يختبر النماذج الجديدة تحت الضغط، إن هذه التطورات تستدعي إعادة النظر في كيفية إطلاق نماذج الذكاء الاصطناعي مستقبلًا، في ظل تسارع القدرات التقنية وتزايد تعقيدها، محذرًا من أن النماذج المستقبلية قد تتطلب آليات أكثر صرامة في التحكم والإتاحة.
ويحذر مسؤولون من سيناريوهات قد تشمل وصول تقنيات مماثلة إلى دول مثل إيران أو روسيا في سياقات صراعات عسكرية، وهو ما يفسر تسارع الحكومات وشركات التكنولوجيا في تطوير هذه الأنظمة رغم مخاطرها، وسط مخاوف من أن يؤدي تفوق الصين في هذا المجال إلى تهديد وجودي للهيمنة الأمريكية.
وقال مصدر قريب من وزارة الدفاع إن الهجمات السيبرانية قد تتيح للخصوم استهداف الولايات المتحدة بطرق لا يمكن تحقيقها عبر العمليات العسكرية التقليدية، مضيفًا أن مثل هذه الهجمات قد تجعل النزاعات التي تبدو بعيدة جغرافيًا أقرب إلى الداخل الأمريكي.
وفي الوقت الراهن، أصبح النموذج “Claude Mythos Preview” متاحًا لنحو 40 منظمة تعمل في تطوير أو صيانة البرمجيات والبنية التحتية الحيوية، حيث تسعى Anthropic من خلال هذا الإطلاق المحدود إلى منح الجهات الدفاعية أفضلية زمنية قبل أن تصبح قدرات مماثلة متاحة على نطاق أوسع خلال العام المقبل.
كما أطلقت الشركة مشروع “Glasswing” لتشجيع المؤسسات على مشاركة الخبرات المكتسبة أثناء استخدام النموذج في الدفاع السيبراني، بمشاركة شركات كبرى من بينها Amazon Web Services وApple وBroadcom وCisco وCrowdStrike وGoogle وJPMorgan Chase وLinux Foundation وMicrosoft وNVIDIA وPalo Alto Networks.
وقد أطلعت Anthropic عدة جهات حكومية على قدرات النموذج، رغم نزاع قانوني قائم مع وزارة الدفاع الأمريكية بعد إدراجها في قائمة سوداء على خلفية مطالبتها بفرض قيود على الاستخدام العسكري لنموذج “Claude”.
ويرى مراقبون أن الإطلاق المقيد لهذا النوع من النماذج قد يشكل نموذجًا لإصدارات مستقبلية، حيث يتم منح الوصول لشركاء مختارين يمتلكون معايير أمنية عالية لاختبار تقنيات قد يكون لها تأثير واسع، في وقت يُتوقع فيه أن تلحق شركات أخرى بهذه القدرات خلال فترة قريبة، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها، لا سيما في الصين.
وقد استخدمت مجموعة مدعومة من الدولة الصينية نموذجًا سابقًا من “Claude” لاستهداف نحو 30 منظمة في هجوم منسق قبل أن تتمكن Anthropic من اكتشافه، ما يعزز المخاوف من تسارع انتشار هذه القدرات.
ويخلص التقييم إلى أن الوقت المتاح أمام الحكومات والشركات للاستعداد لمواجهة تهديدات سيبرانية مدعومة بذكاء اصطناعي متقدم يتقلص بسرعة، في حين لا يزال كثير من صناع القرار غير مستعدين للتعامل مع هذا التحول.




ماهر حمصي